حتى تصبح الدولة، أي دولة، مكتفية سكانياً ولا تحتاج إلى مهاجرين من الخارج، يجب أن يكون فيها معدل الخصوبة الإجمالي (TFR) حوالي 2.1، وهذا يعني متوسط عدد الأطفال الذين تنجبهم المرأة طوال سنوات إنجابها (عادة من سن 15 إلى 49). إذا تحقق هذا المعدل، فإنه يعادل مستوى الإحلال الديموغرافي (أي أن كل جيل يستبدل نفسه دون هجرة).
السويد بعيدة جداً عن هذا المعدل. أحدث البيانات (العام 2023) تشير إلى أن معدل الخصوبة في السويد نحو 1.45 طفل لكل امرأة، وهو انخفاض عن 1.53 في 2022. أي أن هذا المعدل أقل بكثير من مستوى الإحلال (2.1)، ويُعتَبَر من بين الأدنى في أوروبا. كل ذلك في ظل تراجع عدد الولادات بشكل مستمر، مع تسجيل 98 ألفاً و500 طفل وُلدوا في 2024، وهو أقل عدد منذ 2002. هذا يعني أيضاً أن استمرار هذه المشكلة، وفي حال تركها دون حل، قد تؤدي إلى انخفاض عدد سكان السويد في العام 2100 إلى حوالي 5 ملايين نسمة، أغلبهم من كبار السن غير المنتجين، ما سيؤثر بشكل كبير على النمو الاقتصادي والأمن الاجتماعي في البلاد.
طبعاً السويد لن “تنقرض” غداً، لكن استمرار الاتجاه الحالي يعني تغيراً عميقاً في شكل المجتمع خلال عقود قليلة. السؤال الحقيقي ليس كم سيصبح عدد السكان، بل أي مجتمع نريد أن نكون: مجتمع منغلق يتقلص تدريجياً، أم مجتمع يعيد تعريف نفسه ليستمر؟
الحكومة السويدية أطلقت قبل أشهر تحقيقاً، وعيّنت لجنة خاصة للنظر في أسباب انخفاض معدلات الولادة وتشجيع الأسر على الإنجاب، بدعم من وزير الصحة والشؤون الاجتماعية، وذلك تقاعلاً مع تسجيل أدنى معدل خصوبة مسجل في تاريخ السويد. كما في عدة دول أخرى، تختلف أسباب إحجام الناس عن الإنجاب، ولكن وفق إحدى الدراسات تبيّن أن وسائل التواصل الاجتماعي أحد الأسباب التي جعلت الثقة بين جيل الشباب من الجنسين تتراجع بشكل كبير.
أما عن الحلول، فهناك اقتراحات عدة للتشجيع على الإنجاب، خصوصاً بين جيل الشباب، منها تخصيص مساعدات إضافية للطلاب والطالبات في حال حصولهم على أطفال أثناء التحصيل العلمي، خصوصاً أن معظم الشباب يفضلون المستقبل المهني على بناء عائلة.
هناك من يرى أيضاً أن تشجيع الهجرة هو الحل الأنسب. “دعونا نخلق من السويد بلداً جاذباً للهجرة”، تقول إحدى الدراسات. هذا الحل قد لا يعجب كثيراً اليمين الشعبوي، مع أن الدراسة لم تحدد مواصفات من تريد جذبهم إلى السويد.
هل تراجع الحكومة إجراءاتها؟
لا شك أن مشكلة الديموغرافيا شأن دولي مقلق. فالسويد تقع في المرتبة 155 من بين نحو 193 دولة من حيث معدل الخصوبة. وبمقارنة سريعة مع دول أخرى، نجد مثلًا أن معدل الخصوبة في اليابان هو 1.38، أي أقل من 1.4 طفل لكل امرأة. ومثلها إيطاليا، وهي من الدول الأوروبية الأدنى، بما يقارب 1.3 طفل لكل امرأة، وقد يصل إلى 1.18 حسب تقارير سنة 2024. أما جارة السويد، فنلندا، فمعدل الخصوبة فيها وفق تقارير عالمية يقارب 1.42 طفل لكل امرأة، قريب من السويد، لكنه في السنوات المقبلة قد يكون مرشحاً للانخفاض بسبب سياسات الهجرة الصارمة التي اتبعتها فنلندا قبل ما تقوم به حالياً السويد بسنوات.
من المتوقع صدور إحصاءات سكانية جديدة سيتم نشرها قريباً بشكل رسمي من المكتب المركزي للإحصاء (SCB)، وهي بيانات سنوية ومنتظمة تحلل بيانات الولادات والوفيات والهجرة، كجزء من التغطية الرسمية لمسألة الديموغرافيا.
نتمنى أن تشكل هذه البيانات الجديدة مناسبة لمراجعة ما تقوم به الحكومة السويدية الحالية من إجراءات قد تتناقض مع حل مسألة التراجع الديموغرافي المتزايد في السويد إلى حد القلق. فهذه الحكومة تسعى إلى تشجيع الناس على الهجرة من السويد، وإغلاق الحدود، وتشديد قوانين الهجرة واللجوء. فهل هذه الإجراءات غير مرتبطة، بالنسبة للحكومة الحالية وحزب SD، بآثار انخفاض معدلات الخصوبة الكبيرة على النمو السكاني، وعلى سوق العمل، وصرف الميزانيات العامة للتقاعد والرعاية الصحية والخدمات؟ أم أن الموضوع مرتبط أكثر بنوع المهاجرين الذين يريدونهم ومواصفاتهم، أكثر من كونه متعلقاً بعددهم؟
الوقت لم يعد يسمح بتأجيل الكشف عن الحقائق وفتح نقاش علني وصادق.

