استخدام العملات الورقية والمعدنية يتراجع في سويسرا، رغم عدم رغبة السكان في اختفائها.
Keystone / Gaetan Bally
رغم أن صورة “العملات الورقية والمعدنية” لا تزال مرتبطة بسويسرا في أذهان الكثيرين، بلغت البلاد اليوم مستوى متقدّمًا في رقمنة المعاملات. ومع ذلك، وعلى نحو يفوق ما هو عليه في بلدان أخرى، يظلّ النقد فيها ملاذًا آمنًا لا غنى عنه، ولا تزال محافظ سويسرية كثيرة تخزّن الفئات النقدية الكبيرة.
رغم التراجع المتسارع في استخدام العملات المادية، أو ربما بسببه، يتوجّه الشعب السويسري يوم 8 مارس إلى صناديق الاقتراع للتصويت على إدراج مادة دستورية تكفل الحفاظ على العملات المادية.
>> اقرأ.ي المقال الذي يشرح حيثيات تصويت 8 مارس، ونتائجه المحتملة
المزيد

المزيد
هل تعدّل سويسرا دستورها لحماية عملتها النقدية؟ الإجابة في صناديق الاقتراع يوم 8 مارس
12 فبراير 2026
وتقف خلف هذه المبادرة مجموعة من المواطنين والمواطنات سبق وأن عارضت فرض التطعيم الإجباري. وتهدف المبادرة إلى ضمان بقاء النقود الورقية والمعدنية متاحة ومتوفرة، بكميات كافية في جميع الأوقات.
ويجادل نصّ المبادرة بأن النقد يوفّر قدرًا من الأمان في مواجهة مخاطر متعدّدة يراها البعض ملازمة لرقمنة المعاملات، من أعطال تقنية، واختراقات سيبرانية، إلى مراقبة التدفقات المالية. وتشير استطلاعات الرأي إلى أن المبادرة تتمتّع بحظوظ وافرة في الفوز. وهنا تكمن المفارقة، إذ يأتي هذا الترجيح في وقتٍ تراجع فيه استخدام النقد بشكل ملحوظ خلال السنوات الأخيرة.
النقد يتراجع في سويسرا بوتيرة أسرع من بقية أوروبا
قبل نحو عقدٍ من الزمن، كان الإسراع نحو أجهزة الصرّاف الآلي لسحب النقود ظاهرة شائعة في سويسرا. فآنذاك، كانت بعض المتاجر ترفض الدفع بالبطاقات. أمّا اليوم، فتبدو تلك الأيام ماضٍ بعيد.
وبحسب إحصائيات البنك الوطني السويسريرابط خارجي لعام 2017، فاقت نسبة المعاملات المسدَّدة بالعملات الورقية في نقاط البيع 7 من أصل 10. وبعد خمس سنوات وجائحة عالمية، تراجعت هذه النسبة إلى أقل من 4 من كل 10 معاملات. ومع ذلك، ظلّ النقد آنذاك وسيلة الدفع الأكثر استخدامًا.
ولكن الوضع تغيّر كثيرًا. ففي عام 2024، وبعد هيمنة البطاقة المصرفية، لم يعد النقد يمثّل سوى 30% من المدفوعات في نقاط البيع. وتنخفض هذه الحصة إلى 27% عند النظر إلى جميع المعاملات، بما فيها المشتريات عبر الإنترنت، والمدفوعات بين الأفراد.
محتويات خارجية
وعلى صعيد منطقة اليورو، تراجع استخدام النقد أيضًا، لكن بوتيرة أبطأ. ففي عام 2016، كانت المدفوعات النقدية تشكّل قرابة 8 من 10 معاملات. ثمَّ تراجعت في عام 2024 إلى ما يزيد قليلًا على نصف إجمالي المعاملات، وفقًا لدراسة البنك المركزي الأوروبيرابط خارجي. وخلال الفترة نفسها، تضاعفت حصة المعاملات بواسطة البطاقات المصرفية، بينما لم تحصد تطبيقات الدفع عبر الهاتف المحمول سوى 6% من إجمالي المعاملات في الاتحاد الأوروبي.
أمّا في سويسرا، وعلى النقيض من ذلك، شهدت تطبيقات الدفع عبر الهاتف المحمول نموًا خاطفًا خلال بضع سنوات، مدفوعًا بتطبيق “توينت” (Twint).
محتويات خارجية
واليوم، تُنجَز معاملة واحدة من كل 5 معاملات عبر تطبيقات الدفع، وهي نسبة لا يبلغها بلد أوروبي آخر سوى هولندا. وهكذا،باتت سويسرا ضمن الدول الأوروبية الأقل اعتمادًا على النقدرابط خارجي. وعلى الصعيد العالمي، تبرز هونغ كونغ، وأستراليا، والصين ضمن الدول الأقل اعتمادًا على النقد.
محتويات خارجية
اتجاه عالمي
لا يقتصر التحوّل نحو رقمنة المدفوعات على سويسرا وحدها، بل بات اتجاهًا واضحًا في مختلف أنحاء العالم. فبحسب تقرير صادر عن شركة “ماكينزيرابط خارجي” (McKinsey) عام 2024، يبلغ استخدام النقد عالميًّا نحو 80% من مستواه المسجَّل في عام 2019، ويتراجع سنويًّا بنحو أربع نقاط مئوية.
فبين عامي 2014 و2024، كادت نسبة الأشخاص البالغين الذين أفادوا بإجراء مدفوعات، أو استلامها، عبر وسائل رقمية أن تتضاعف ثلاث مرات في البلدان منخفضة الدخل، مرتفعةً من 13% إلى 37%. كما تضاعفت هذه النسبة في البلدان ذات الدخل المتوسط، من 24% إلى 47%، وفقًا لمؤشر “غلوبال فيندكسرابط خارجي” (Global Findex) الصادر عن البنك الدولي.
أمَّا في البلدان الغنية، فقد تجاوزت غالبية السكان هذه العتبة منذ سنوات. ودخل كثير من هذه البلدان مرحلة الانتقال إلى بيئات “شبه خالية من النقد”رابط خارجي، بل وحتى “بلا نقد”. وينطبق ذلك على سويسرا، حيث يرفض عدد متزايد من المطاعم الدفع نقدًا، فيما تعتمد مهرجانات كثيرة الأساور المسبقة الدفع وسيلةً وحيدة للدفع.
سويسرا جاهزة لمستقبل “بلا نقد”
في عام 2024، قيَّم موقع المعلومات المالية النرويجي “Finansplassenرابط خارجي” مدى جاهزية البنى التحتية الأوروبية لمستقبلٍ يخلو من النقد. واستند التقييم إلى عدد محطات الدفع الإلكتروني وأجهزة الصرّاف الآلي في كل بلد. كما أخذ مدى استخدام السكان للخدمات المصرفية عبر الإنترنت في الحسبان.
واحتلّت سويسرا المرتبة 10 من أصل 45 دولة شملها التصنيف. وجدير بالذكر أن الكثافة المرتفعة نسبيًا لأجهزة الصرّاف الآلي أثَّرت سلبًا على ترتيبها في هذا التصنيف.
محتويات خارجية
أمَّا عن أسباب تفضيل المدفوعات الرقمية، فقد تصدَّرها عدم الاضطرار إلى سحب النقد وحمله، فضلًا عن سرعة الاستخدام وسهولته.
وعلى المستوى الكلّي، يرى البعض في النقد وسيلةً لمكافحة غسل الأموال وتمويل الأنشطة غير المشروعة. وكان هذا، على وجه الخصوص، المبرّر الذي استند إليه أكبر البنوك النرويجيةرابط خارجي عام 2016 حين دعا إلى التخلّي عن النقد.
وفي ربيع العام الماضي، أثار وزير العدل الفرنسي، جيرالد دارمانان، جدلًا واسعًا بسبب اقتراحٍ يسير في الاتجاه نفسهرابط خارجي.
النقد لا يزال ملاذًا آمنًا
غير أن هذا الطرح يتجاهل حقيقة تمسّك نسبة كبيرة من السكان بالأوراق النقدية، ورفضهم اختفاؤها. وفي سويسرا، يثير تعميم نظام “خالٍ تمامًا من النقد” امتعاضًا في بعض الأحيانرابط خارجي.
ووفقًا لدراسة البنك الوطني السويسري، يقول نحو سبعة من كل عشرة أشخاص إنهم يرغبون في مواصلة استخدام النقد مستقبلًا. وترتفع هذه النسبة إلى 85% لدى الفئة العمرية 55 وما فوق، وقد ازدادت خلال العامين الماضيين.
وحتى بين الرجال والنساء الذين لم يعودوا يستخدمون النقد، يظلّ الرأي الغالب مؤيّدًا لإبقائه متاحًا، إذ لا يؤيّد إلغاءه سوى 4% فقط.
محتويات خارجية
وفي منطقة اليورو، يعزو الأشخاص المؤيدين للدفع نقدًا خيارهم أساسًا إلى الخصوصية وإخفاء الهوية، فيما لا يأتي عامل الأمان سوى في المرتبة السابعة.
أما في سويسرا، فيحتلّ الأمان المرتبة الثانية (اختاره نحو 40% من المشاركين.ات)، بعد القدرة على ضبط الإنفاق.
«دع القلق واحمل النقد»
على نحوٍ مفارق، باتت السلطات الأوروبية نفسها تُبرز أهمية أمان النقد. ويشمل ذلك، في المقام الأول، سلطات بلدان الشمال الأوروبي التي كانت حتى وقت قريب من أبرز الجهات الداعية إلى مجتمع «بلا نقد».
وفي ظلّ ما تشنّه روسيا من جرائم إلكترونية وحرب هجينة، أصدرت السويد والنرويج العام الماضي توصيةً بزيادة الاعتماد على المدفوعات النقدية. ودعتا إلى تكوين احتياطيات نقدية تحسّبًا لأعطال محتملة في الأنظمة، بحسب ما أفادت صحيفة “الغارديانرابط خارجي“.
وفي السياق نفسه، أصدر البنك المركزي الأوروبي في سبتمبر توصية بعنوان “دع القلق واحمل النقدرابط خارجي“، داعيًا سكان الاتحاد الأوروبي إلى حمل مبلغ نقدي يتراوح بين 70 و100 يورو للفرد. وتهدف هذه التوصية إلى تمكين الناس من تسديد النفقات الأساسية في حال انقطاع واسع للكهرباء، أو هجوم سيبراني، أو أزمة صحية.
6 من كل 10منازل سويسرية تحتوي النقد
تُبرز مذكرة صادرة عن منظمة التعاون والتنمية الاقتصاديةرابط خارجي أن اختفاء النقد قد يعرّض بعض الفئات الهشّة لمخاطر الإقصاء، لا سيما الأشخاص ذوي الإعاقة، أو الذين يواجهون صعوبات مالية، أو غير المتمكّنين من استخدام الأدوات الرقمية.
وحاليًا، يبلغ المبلغ الوسيط للنقد في محافظ سكان الاتحاد الأوروبي 59 يورو، وينخفض هذا الرقم في الدول شديدة الرقمنة، مثل هولندا (35 يورو) وفنلندا (47 يورو).
وتقع سويسرا ضمن المتوسط الأوروبي، إذ يبلغ المبلغ الوسيط للنقد 50 فرنكًا، وفقًا لمؤشر «Swiss Payment Monitorرابط خارجي»، الذي يلفت، مع ذلك، إلى أن العيّنة المدروسة تضمّ قيَمًا فردية أعلى بكثير.
غير أن سكَّان سويسرا أكثر ميلًا إلى الاحتفاظ بمدّخرات نقدية في منازلهم. وأفاد 60% منهم إنهم يحتفظون باحتياطيات نقدية في المنزل. ويبلغ متوسط المبلغ المخزَّن في الأدراج السويسرية نحو 700 فرنك، وهو مستوى يفوق بكثير نظيره في بلدان منطقة اليورو، إذ لا تقترب من هذه النسبة سوى سلوفاكيا (57%). أمَّا بقية دول المنطقة، فلا يحتفظ سوى ثلث سكَّانها باحتياطيات نقدية منزلية.
تحرير: سامويل جابيرغ
ترجمة: ريم حسونة
مراجعة: عبد الحفيظ العبدلي


