أعلن المركز الثقافي الجزائري بباريس، مؤخرًا، عن برنامجه الثقافي والفني الخاص بالشهر الفضيل، حيث يستضيف كوكبة من المطربين الجزائريين لتنشيط السهرات الرمضانية، إلى جانب بعض جلسات الفكر والثقافة، في إطار السعي لتلبية طلبات الجمهور المغترب، الذي يزداد حنينه للوطن الأم خلال هذه المناسبة الدينية والاجتماعية.
افتتح السهرات الفنية المنظّمة بالشراكة مع جمعية “على مرّ الثقافات”، ليلة 20 فيفري الجاري، الفنان حميدو، الذي سبق أن نشّط العديد من الحفلات والمواعيد الفنية بالمركز الثقافي الجزائري، علمًا أنّ حفله كان متبوعًا بحفل آخر في الليلة الموالية؛ تلبيةً لطلبات الجمهور. ومتّع الفنان حميدو جمهوره بروائع التراث الحوزي، والأندلسي، والشعبي. كما اختار لحفله أعمالًا من مساره الفني الحافل الممتد لأكثر من 40 عامًا، حظي خلالها بتقدير واسع.
ويُعد حميدو مغنيًا، وعازفًا بارعًا على آلات موسيقية متعدّدة. وله مسيرة فنية طويلة، ومتميّزة، حظيت بتكريم مؤسّسات كبرى، من بينها منظمة اليونسكو التي منحته ميدالية موزار. ليلةَ الجمعة 27 والسبت 28 فيفري سيكون الموعد مع الفنانة منال غربي الشغوفة بالموسيقى الأندلسية، التي تأخذ جمهورها في رحلة موسيقية زاخرة بألحان الموسيقى العربية الأندلسية الجزائرية.
وتُعدّ غربي أيضًا عازفة ماهرة على آلات البيانو، والعود، والكمان، حيث ترافق الجوق بالعزف في تناغم تام. وتحرص في كلّ مرة على إحياء التراث الموسيقي الوطني. وتستضيف ليلتا 6 و7 مارس الداخل ابتداءً من الثامنة مساءً، موسيقى المالوف القسنطيني مع الفنان فوفي القسنطيني (عبد الرؤوف بوجرة) المعروف في الأوساط الفنية والعائلية، إذ كانت والدته مغنية مشهورة في قسنطينة، وكان لها دور هام في رعاية ابنها فنيًا.
وبدأ الفنان فوفو القسنطيني مشواره الفني في أواخر التسعينيات، حيث أتيحت له فرصة العمل مع كبار أساتذة التراث الموسيقي القسنطيني، من بينهم الشيخ عابد شريف، والشيخ بوجمعة راشدي، والشيخ زين العابدين بن عبد الله، الذين ساهموا في إثراء معارفه، وصقل أسلوبه الفني. وتُختتم سلسلة هذه الليالي الرمضانية الساهرة بحفلتين موسيقيتين رائعتين يومي 13 و14 مارس، بالشراكة مع جمعية “أو فيل دو كولتور” مع المطرب إبراهيم حاج قاسم المعروف ببراعته في الموسيقى العربية الأندلسية، والموسيقى العصرية.
ويُعدّ إبراهيم حاج قاسم شخصية بارزة في المشهد الفني الجزائري، حيث ارتبط ارتباطًا وثيقًا بالتراث العربي الأندلسي. وهو أسلوب موسيقي راقٍ يجسّده في أعماله المتنوّعة، مثل موسيقى الحوزي، والحديث، والعيساوة بخبرة تقارب الأربعين عامًا. أتقن خلالها هذا الفن الذي ورثه عن كبار الشيوخ. كما يُعدّ، اليوم، فنانًا عالميًا، أحيا حفلات موسيقية، ومهرجانات عديدة حول العالم، وفي أماكن مرموقة.
للإشارة، استقبل المركز الثقافي الجزائري بباريس مؤخرًا ضمن برنامجه الرمضاني أيضًا، الأستاذ عبد الحفيظ بنشوك، مدير بيت الصوفية، والمشارك في تنظيم مهرجان باريس الصوفي خلال أعوام 2017 و2018 و2019. وهو مؤلف عدة كتب نشرتها دار “هاشيت”، منها “لغة القلب” (2018)، و”كتاب الصوفية الصغير” (2024). كما شارك في تأليف كتاب “على عتبة الفجر” (2023 – دار لو ريلييه للنشر). وساهم في العمل الجماعي “الاستماع والتأمّل والدهشة: كلمات الحكماء”.
وتناول بنشوك في هذا اللقاء كتابه الجديد “الحكمة الإسلامية” من خلال مائة اقتباس، مختارة بعناية من كبار المفكّرين المسلمين، من بينهم الأمير عبد القادر، وأقوال صحابة النبي محمد صلى الله عليه وسلم، وعلماء دين بارزين، ومتصوّفة، وفلاسفة. كما قدّم مجموعته قبل الأخيرة “كتاب أقوال النبي محمد صلى الله عليه وسلم” . وهي أقوال اختارها وترجمها، ونشرها بأسلوب شيّق، يقدّم كل اقتباس منها رؤية ثاقبة عن كيفية عيش حياة ذات معنى في انسجام مع الذات والآخرين. وبالمقابل، افتُتح نهاية الأسبوع معرض “حارسات الصمت” للفنان نور الدين شباهي، الذي تستمر فعالياته إلى غاية 26 مارس القادم.
ويستكشف المعرض شخصية المرأة كرمز للذاكرة، والمقاومة، والاستمرارية، من خلال أسلوب فنيّ حرّ ومُعبّر، حيث يقدّم نور الدين شباهي حضورًا داخليًا، تنقل فيه الأجساد والوجوه ثقل الحياة اليومية، وقوّة صامتة متجذّرة في التاريخ. وتتجاور الرسومات التي تهيمن عليها درجات اللون الزيتية والترابية مع لوحات أكثر حيوية، لتبرز شخصية المرأة من دوّامة من الألوان، مُعبّرة عن ثراء داخليّ، وهوية، وحيوية بعيدًا عن أيّ رؤية فولكلورية.
ويُقدّم المعرض مقاربة صادقة ومعاصرة للأنوثة، مكرّمًا النساء اللواتي يجسّدن الذاكرة، والتوارث، والصمود. وتلقّى نور الدين شباهي تكوينه في المدرسة الوطنية للفنون الجميلة بالجزائر. ويقيم في فرنسا منذ سبعينيات القرن الماضي. ويتبنى أسلوبًا حدسيًا وتعبيريًا، حيث تضفي الحركة والضوء وألوان البحر الأبيض المتوسط، حيوية على مواضيعه. وحتى لوحاته الصامتة تنبض بالحياة. وتعكس حضورًا إنسانيًا حساسًا.

