بقلم: بلغيث عبد الهادي –كاتب سيناريو وطالب علم اجتماع-
يشهد المشهد الدرامي الرمضاني في القنوات التلفزيونية تحولًا لافتًا، حيث يتضح غياب ملحوظ للمسلسلات التاريخية والدينية التي كانت في السابق جزءًا أساسيًا من البرمجة الرمضانية، مما يثير تساؤلات حول الأسباب الكامنة وراء هذا التراجع، ويستدعي فهم الأبعاد الثقافية والفنية والاقتصادية والسياسية التي تؤثر على الصناعة التلفزيونية.
-تمثل التكاليف الإنتاجية الباهظة أحد أبرز التحديات التي تواجه إنتاج الأعمال الدرامية التاريخية والدينية. إذ تتطلب هذه الأعمال استثمارات مالية ضخمة لتغطية جوانب متعددة من العملية الإنتاجية، بدءًا من تصميم الديكورات والأزياء التي تحاكي الفترات الزمنية المختلفة، ووصولًا إلى توظيف ممثلين ذوي خبرة عالية في تجسيد الشخصيات التاريخية والدينية.
تتضمن هذه التكاليف أيضًا بناء مدن سينمائية متخصصة، وتوفير معدات تصوير فائقة الجودة، وتأمين مواقع تصوير تعكس طبيعة الحقبة الزمنية التي يتناولها العمل. كما لا يمكن إغفال تكاليف البحث التاريخي والديني، والتي تتطلب توظيف مؤرخين وعلماء دين للإشراف على دقة المعلومات المقدمة في العمل، وتؤدي هذه التكاليف الباهظة إلى تأثيرات سلبية على جودة العمل الفني، حيث قد تضطر الجهات الإنتاجية إلى تقليل الميزانية المخصصة للديكورات والأزياء وتقليل المشاهد الخارجية مما يؤثر على مصداقية العمل الفني.
-يتطلب إنتاج الأعمال الدرامية التاريخية والدينية توخي أقصى درجات الحذر والتدقيق، وذلك نظراً لطبيعة هذه الأعمال التي تتناول مواضيع حساسة تمس المعتقدات الدينية والقيم التاريخية للمجتمعات. ويُعدّ التعامل بإهمال مع هذه المواضيع بمثابة تجاوز غير مقبول، إذ قد يؤدي إلى إثارة ردود فعل سلبية واسعة النطاق، وتأجيج التوترات المجتمعية.
لذا، يتوجب على صناع هذه الأعمال الالتزام بمجموعة من الضوابط والمعايير، والتي تشمل إجراء أبحاث تاريخية ودينية معمقة، والاستعانة بمؤرخين وعلماء دين متخصصين، وتجنب أي تحريف أو تزوير للحقائق التاريخية أو الدينية، ومراعاة القيم والعادات والتقاليد المجتمعية. كما يجب الحرص على تقديم الشخصيات التاريخية والدينية بصورة متوازنة، وتجنب أي إساءة أو تشويه لسمعتها، إنّ الالتزام بهذه الضوابط والمعايير لا يضمن فقط تجنب إثارة الجدل، بل يساهم أيضاً في إنتاج أعمال فنية عالية الجودة، تثري المشهد الثقافي، وتساهم في تعزيز الوعي التاريخي والديني لدى الجمهور.
-يتجه صناع الدراما التلفزيونية إلى إنتاج أعمال درامية تحاكي الواقع المعاش الراهن، لأنها تجذب شريحة واسعة من الجمهور، وتتناول قضايا تهمهم بشكل مباشر. وتسعى القنوات التلفزيونية إلى تحقيق نسب مشاهدة عالية، لجذب الممولين أصحاب الشركات الاقتصادية وزيادة الأرباح. وتعتبر الأعمال الدرامية الاجتماعية الراهنة من بين الأكثر تحقيقًا لهذه النسب، نظرًا لقدرتها على استقطاب شريحة واسعة من الجمهور. ولذلك، يفضل صناع الدراما إنتاج هذه الأعمال على الأعمال التاريخية والدينية، التي قد لا تحظى بنفس القدر من الاهتمام. ومع التغيرات السريعة التي يشهدها المجتمع الجزائري والعربي وتأثره بالثقافات الخارجية، قد يجد الجمهور صعوبة في التفاعل مع الأعمال التاريخية والدينية، ما لم يتم تقديمها بأسلوب درامي معاصر وجذاب. فالمجتمع الجزائري اليوم يختلف عن الماضي، وتطلعات الجمهور تغيرت، وأصبح أكثر انفتاحًا على ثقافات أخرى. ونتيجة لذلك، قد يجد صناع الدراما صعوبة في جذب الجمهور للأعمال التاريخية والدينية، إذا لم يتم معالجتها دراميًا بأسلوب يراعي هذه التغيرات. فالمعالجة الدرامية التقليدية قد لا تثير اهتمام الجمهور الحالي، الذي يتوق إلى أعمال تعكس واقعه وتطلعاته.
وتتسم الأعمال الدرامية التلفزيونية الراهنة بأنها أكثر مرونة من الأعمال التاريخية والدينية، حيث يمكن لصناع الدراما تعديلها وتطويرها لتناسب أذواق الجمهور المتغيرة. كما أنها لا تخضع لنفس القيود والضوابط التي تخضع لها الأعمال التاريخية والدينية، مما يتيح لصناع الدراما حرية أكبر في الإبداع والتعبير.
-تواجه عملية البحث عن المادة التاريخية لصناعة الأعمال الدرامية تحديات جمة، حيث يعاني كتاب السيناريو من نقص المصادر الموثوقة وتضارب الرؤى، مما يجعل عملية التوثيق الدقيق تحديًا كبيرًا. وتتفاقم هذه الصعوبات بسبب تدخل السلطة والقوى الناعمة التي قد تسعى لتوجيه المحتوى التاريخي لخدمة مصالحها، مما يؤدي إلى تشويه الحقائق وتقديم صورة غير متوازنة للأحداث.
ويتطلب التعامل مع هذه التحديات منهجية بحثية دقيقة، تعتمد على المصادر الأولية المتنوعة، وتقوم على التحليل النقدي للمعلومات التاريخية، وتجنب الانحيازات الأيديولوجية والسياسية. كما يتطلب الأمر التعاون مع مؤرخين وعلماء متخصصين لضمان دقة المعلومات التاريخية المقدمة في العمل الفني.
ختامًا، يمثل إنتاج الأعمال الدرامية التاريخية والدينية في الموسم الرمضاني ضرورة ملحة لتعزيز الهوية الوطنية وتعميق الوعي بالتاريخ الجزائري لدى الأجيال الصاعدة. فمن خلال هذه الأعمال، يتم تقديم صورة حية للتراث الثقافي والديني الغني للجزائر، وإبراز القيم والمبادئ التي تشكل أساس المجتمع الجزائري. كما تساهم هذه الأعمال في تعزيز الانتماء الوطني لدى الأفراد، وتعميق فهمهم لتاريخهم المشترك، مما يقوي الروابط الاجتماعية ويعزز الوحدة الوطنية.
بالإضافة إلى ذلك، تلعب الأعمال الدرامية التاريخية والدينية دورًا هامًا في توجيه الشباب نحو القيم الإيجابية وتعزيز الأخلاق الحميدة وتصحيح المفاهيم المغلوطة حول التاريخ والدين. كما أنها تساهم في تقديم نماذج ملهمة من الشخصيات التاريخية والدينية، التي يمكن أن يحتذي بها الشباب في حياتهم
لذلك، يجب على صناع الدراما والقنوات التلفزيونية في الجزائر بذل الجهود لإنتاج أعمال درامية تاريخية ودينية عالية الجودة، تلبي تطلعات الجمهور الجزائري وتساهم في بناء مجتمع واعٍ ومثقف.