بعد تسعين عاماً من الإبداع الذي أغنى الفن اللبناني، وبعد سنوات من المرض، رحل «سيد» المسرح والتلفزيون أنطوان كرباج، بعد أن صفقت له الجماهير طويلاً، وهو الممثل الذي إستنبط شخصيته الفنية ووهج صوته من صلابة جبل صنين الشامخ، حيث حلّق منذ بداياته وأبدع في تأدية أدواره العديدة المركبة، ليجسّد طقوس المسرح ورموزه من التراجيدي والكلاسيكي الى المسرح اللبناني والعربي، ليصبح علامة فارقة في تاريخ الفن…
بين التاريخ والمسرح، اختار الفنان اللبناني أنطوان كرباج الأول اختصاصاً يدرسه في الجامعات، والثاني حياة يمارسها بشغف منذ نحو نصف قرن فصار جزءاً من التاريخ المسرحي اللبناني، إضافة إلى محطات لافتة على الشاشات الصغيرة…
ومع رحيله، نستنبط أهم محطة في مسيرته، التي تمثلت بمسرحية «الملك يموت» التي أدّى فيها دور ملك في عامه المئة ويرفض الموت، وكان في الرابعة والعشرين من عمره، فشكّلت هذه المسرحية تحدّياً لقدراته التمثيلية.
****
• طفولته بين توقف قلبه وشلله ومعافاته:
البطل المسرحي، الرجل القوي، صاحب الصوت الجهوري على خشبة المسرح، لم يعش طفولته كباقي الأطفال (ولد في 4 أيلول 1935 في بلدة زبوغا في سفح جبل صنين)، فقد تعرّض للعديد من الحوادث الصحية، منها غلطة طبيب أدّت الى توقّف قلبه عن العمل لمدة ثلاث دقائق وهو في الخامسة من عمره، ولولا العناية الإلهية وحقنة الكافيين التي أعطاها إياها جدّه، لما بقي على القيد الحياة، لينقل بعد ذلك الى المستشفى وهو أعمى، أخرس، أطرش ومشلول، حيث تنبأ أحد الأطباء الفرنسيين أنه لن يرى مجدداً، ولكنه عاد طفلاً معافى.
وفي عمر الثماني سنوات، أمر أحد الأطباء ايضاً ببتر ساقه، نتيجة ألم حاد فيها، لكن مع العلاج عادت رجله الى العمل (بشكل غير طبيعي)، وبعد مضي سبع سنوات «لفظت» رجله كتلة الإلتهاب، ومنذ ذلك الحين عاش إنساناً معافى.
• من دراسة التاريخ الى المسرح:
برزت موهبته التمثيلية في التاسعة من العمر، عندما كان يكتب الإسكتشات ويؤدّيها مع رفاقه في منزله. تلقّى علومه الإبتدائية في المدرسة الرسمية في منطقة رأس بيروت، ثم تابع علومه في دار المعلمين، ودرّس مادتي التاريخ والجغرافيا. وبعد ذلك عاد الى دراسة التاريخ وتخرّج من الجامعة اليسوعية حاملاً إجازة فيه.
خلال دراسته في هذا الصرح اكتشف أن ثمة مسرحاً مغلقاً، فحلم بإعادة افتتاحه ولكنه عجز لأن المسرح يتطلب شروطاً ومعايير، لذلك التحق بمعهد المسرح الحديث التابع للجنة مهرجانات بعلبك الدولية وكان يديره المخرج منير أبو دبس، الذي كان يعمل في فرقة السوربون، واستدعته لجنة مهرجانات بعلبك الدولية، لإنشاء أول معهد للتمثيل (مدرسة المسرح الحديث) في لبنان (بداية سنة 1960)، وتعلّم من منير أبو دبس أن التمثيل مادة ثقافية، لا تؤخذ إلّا بالعلم.
• تأسيس فرقة المسرح الحديث مع منير أبو دبس:
أسّس أنطوان كرباج مع منير أبو دبس «فرقة المسرح الحديث» التي أدّت دوراً رائداً في الحركة المسرحية في لبنان والعالم العربي، حيث كانت من أبرز الفرق المسرحية التي شاركت في مهرجان بعلبك، ومن خلال تلك الفرقة قام أنطوان كرباج مع الفرقة بعدة جولات فنية دولية، كما شارك في مهرجانات حوض البحر المتوسط (شاركت فيها دول المتوسط في أوروبا وأفريقيا وآسيا).
• فرقته الخاصة وأعماله مع الرحابنة:
أسّس كرباج العام 1967 فرقته الخاصة، وما لبث أن تعرّف على الأخوين الرحباني، وكانت بينهما رفقة عمر ومسيرة إبداع، طبعت وجه لبنان الثقافي والحضاري في العالم، إذ أن «الرحابنة» ساهموا في تأسيس الأغنية اللبنانية ورسموا من خلال أعماهم وطناً لم يزل حلماً جميلاً.
في مسرح الأخوين رحباني كانت لكرباج عدة أدوار، فهو كان «المهرّب» في «يعيش يعيش» (بيروت، 1970)، و«الوالي» في «صح النوم» (بيروت ومعرض دمشق الدولي، 1971)، و«فاتك المتسلّط» في «جبال الصوان» (مهرجانات بعلبك الدولية ومعرض دمشق الدولي، 1972)، و«الملك غيبون» في «ناطورة المفاتيح» (مهرجانات بعلبك الدولية ومعرض دمشق الدولي، 1972)، و«الحرامي» في «المحطة» (بيروت، 1974)، و«القائد الروماني» في «بترا» (عمان ودمشق وبيروت، 1977).
• أعماله المسرحية:
بعيداً عن مسرح «الرحابنة» حلّق أنطوان كرباج في أعماله المسرحية وأبدع في تأدية أدواره العديدة ومنها: «ماكبث» في مسرحية لشكسبير، (مهرجان جبيل الأول، 1962) و«أورست» في «الذباب» لسارتر، (مهرجان جبيل الثاني، 1962) و«الملك» في مسرحية «الملك يموت» لأوجين يونيسكو، (في بيروت والقاهرة، وبغداد، ودمشق، 1965) و«أوديب» في مسرحية «أوديب ملكاً» لسوفوكليس، (بيروت وباريس، 1966) و«المفتش» في مسرحية «علماء الفيزياء» لدورنمات، (بيروت وعمان، 1967) و«الملك» في مسرحية «هاملت» لشكسبير، (مهرجانات بعلبك الدولية) و«فاوست» في مسرحية «فاوست» لغوته، (في عدة أماكن أثرية في لبنان، 1968) و«المهرج» في مسرحية «المهرج» للشاعر السوري محمد الماغوط وإخراج يعقوب الشدراوي، (بيروت، 1974) و«أبو علي» في مسرحية «أبو علي الأسمراني» للكاتب التركي خلدون ثائر مع نضال الأشقر ومن إخراج برج فازليان، (بيروت، 1974).
وتعاون كرباج مع منصور الرحباني فأدّى دور «اليوزباشي عساف» في مسرحية «صيف 840» (كازينو لبنان، 1987)، و«الملك رعد الثالث» في «حكم الرعيان» (مهرجانات بيت الدين، ودمشق، وحلب، والدوحة، 2004 – 2005).
ومن أعماله المسرحية أيضاً «بليلة قمر» مع فرقة كركلا (كازينو لبنان ومونتريال، ولاس فيغاس، 2000)، و«ألف ليلة وليلة»، إنتاج مدينة دبي للإعلام في دبي، (مهرجانات بعلبك الدولية، بيروت، لندن، 2002 – 2003).
• أعماله التلفزيونية:
من المسرح جاء أنطوان كرباج الى التلفزيون، حيث أدّى أدواراً أبدع فيها وجعلته سيد الشاشة ونجم الذاكرة اللبنانية. ومن هذه الأدوار التي لا تُنسى: «جان فلجان» في مسلسل «البؤساء» لڤيكتور هوغو، إخراج باسم نصر (تلفزيون لبنان، 1974) ودور البطولة في مسلسل «ديالا» مع هند أبي اللمع، إخراج أنطوان ريمي (تلفزيون لبنان، 1976) و«المفتش» في مسلسل «لمن تغنّي الطيور» مع نهى الخطيب، إخراج إيلي سعادة (تلفزيون لبنان، 1976) و«بربر آغا» في مسلسل «بربر آغا» للكاتب أنطوان غندور، إخراج باسم نصر (تلفزيون لبنان، 1979).
وتتالت الأعمال البارزة من بينها: «أبو بليق» كتابة أنطوان غندور وإخراج إلياس أبو رزق (1990)، و«أقبية الموت»، و«صور ضائعة»، و«عشتار»، و«رماد الحب» كتابة جوزيف حرب وإخراج هيثم حقي، و«أوراق الزمن المر» (1996) كتابة جوزيف حرب وإخراج نجدت أنزور.
****
مع رحيل أنطوان كرباج، نستنبط أهم محطة في مسيرته، التي تمثلت بمسرحية «الملك يموت» التي أدّى فيها دور ملك في عامه المئة ويرفض الموت، وكان في الرابعة والعشرين من عمره، فشكّلت هذه المسرحية تحدّياً لقدراته التمثيلية، لنطرح السؤال من عنوان أحد مسلسلاته: «لمن تغنّي الطيور»؟
****
* إعلامي وباحث في التراث الشعبي