مع المؤلّفة الروسية صوفيا غوبايدولينا (Sofia Gubaidulina)، التي رحلت منتصف مارس/آذار الماضي عن 93 عاماً، بدأ انشغال جديد لدى أقطاب الموسيقى الطليعية في الاتحاد السوفييتي، له أصداءٌ فكرية وثقافية دلّت على ما هو آت.
وُلِعت منذ صباها بأيقونات قروسطية من رسمِ فنانين روس أمثال أندريه روبليف (Andrei Rublev)، بدأت غوبايدولينا آخر الستينيات باستلهامها صراحةً في موسيقاها، على الرغم من ارتباط الأيقونة بإرث الكنيسة الأورثوذكسية، التي من المفترض أن العقيدة الشيوعية، برؤيتها المادية للتاريخ، قد قامت على أنقاضه.
أطلقت على نهجها الاستلهامي اسم “الرمزية الآلية”، وخلعت من خلاله على الآلات الموسيقية صفاتٍ دلالية، جاعلة من الطابع الصوتي لكلٍّ آلة رمزاً لونيّاً لأحد المُحرّكات المتعارضة، المسيّرة للكون بوحدة أفلاكه وعوالمه وخلائقه، منها الإلهي مقابل الإنساني، والروحي مقابل المادي.
وللاعتقاد بالوحدة بين المتعارضات (Coincidentia oppositorum)، بوصفها ناظماً كونيّاً، جذورٌ مُمتدّةٌ في اللاهوت المسيحي المبكر، وإن رجعت بالأصل إلى ما يعرف بالأفلاطونية الجديدة (Neoplatonism)، وهي تيارٌ فلسفي ظهر في العهد الروماني، زاوج روّاده بين فكر أفلاطون وأرسطو والرواقيين، شيّد للعصور الوسطى قُبةً معرفيّة شاملة، عاش تحتها التصوّف اليهودي والمسيحي والإسلامي، إلى أن حلّت محلّها العلوم الميكانيكية زمن النهضة الأوروبية.
ظلّ يُنظر إلى الكون حينذاك بمثابة تفاعل بين سائر الموجودات، تُولّده متعارضات أزليّة تتراتب وفق هرميّة سماوية، لكلٍّ منها وِجهتان متزامنتان متقابلتان صعوداً وهبوطاً. في القمة ما بين السماء والأرض، تليها النور والظلام، الروح والجسد، ثم النعيم والجحيم، فالموت والبعث، هكذا نزولاً حتى قاعدة الهرم، فالعدم.
يمكن رصد “الرمزية الآلية” في مقطوعة لآلة الكمان المنفرد بصحبة فرقة أوركسترالية، ألّفتها غوبايدولينا سنة 1980 بتكليف عازف الكمان الليثواني غيدون كريمر، وفق تصميمٍ كلاسيكي جديد (Neo Classic)، يُعرف اصطلاحاً بـكونشرتو كبير (Concerto Grosso)، سمّتها أوفرتوريوم (Offertorium).
في السياق اللاهوتيّ، يدلّ الاسم على طقس المناولة المعمول به لدى الكنيسة الكاثوليكية، يُقابله الدخول المملوكي لدى نظيرتها الأرثوذكسية، حين يقدّم الكهنة الخبز والنبيذ إلى المصلّين. إلّا أن “الأوفرتوريوم” تحوّل في الحقبة الكلاسيكية إلى جزءٍ من القداس، ليس بوصفه شعيرة، وإنما عملٌ غنائي مُسلسل بصحبة أوركسترا، ذو خلفية دينية، يُكتب إما لآلة منفردة أو جوقة غنائية (كورال).
من البداية، يمكن للأذن تتبُّع الآلات النفخية المختلفة، وهي تتناوب على التصويت، كلّ آلة تهِب جزءاً من اللحن الاستهلالي هوية لونية خاصة، ترمز إلى واحدة من قوى التكوين. يعكس الجَعْل من لحنٍ واحد يُؤدّى بآلات عدّة، من فلوت وترومبيت وهورن جوهرَ الفكر النيوأفلاطوني، أي المقابلة بين الواحد والكثير، التي وضعها القديس أوغسطين (القرن الخامس الميلادي) ضمن الإطار المسيحي، ليصير الواحد هو الخالق، والكثير الخليقة.
لعل الكمان المنفرد يرمز ههنا إلى رحلة الروح المحتارة بين التدني الأرضي والترقّي السماوي. يوحى إلى الإذن بالقلق والخوف عبر ترعيد متسارع على نغمتين متجاورتَين متلاصقتَين، يتبعه مشهد هولٍ، أشبه بسقوطٍ حر، تُحدِثه مجموعة الوتريات بانزلاقات الأصابع على مقابض الكمان والتشيلو والكونترباص، تهوي بالصوت نحو قاعٍ جهنّمي سحيق (دقيقة 1:45).
تُصاغ الوجهة المعارضة بتخفيف الكتلة النغمية، إذ تَرِقُّ أصوات الوتريات، بتغيير طريقة سحب أقواسها على الأوتار، ليصدر عنها ما يشبه رفرفة أجنحة الملائكة. على إثر ارتفاع المنسوب الصوتي من الغليظ الجهير إلى الرفيع الحاد، ينشأ إحساسٌ بانعدام الوزن، كما لو أن الأذن تُحلّق في علياءِ سماءٍ تفيض نوراً، جرّاء نقرٍ لطيفٍ على أجراس “كروتاله” (Cortali) التي تنتمي إلى مجموعة الآلات الإيقاعيّة ذات الوظيفة التلوينية (دقيقة 6:56).
وكما أن الأيقونة في الكنسية ليست لأجل المشاهدة والزينة فحسب وإنما للتأمّل والاعتبار، كذلك موسيقى غوبايدولينا، لا تقف عند حدود استفزاز الأذن بعناصر غير مألوفة، إذ لا ألحان عذبة فيها ولا ائتلافات نغمية سائغة، بل تتجاوز التجريب والاختبار إلى جعل المستمع يخوض تجربة وجوديّة، ليوهَب حالاً خبرويّة في غمرة الرموز والإشارات الصوتية الحُبلى بالدلالات.
كذلك هي غمرة الطلاء الذهبي في رائعة “الثالوث” لروبوليف، ليست للزينة وحسب، وإنما لتصوير فيض النور في ظلمة العدم؛ إنه “النور المعقول” (Lux Intelligibilis) الذي عنه تتجلّى، بحسب الأفلاطونية الجديدة، جميع المعقولات. كذلك هو مشهد الشخوص الثلاثة المتحلّقة حول المائدة المستديرة بمركزها الكأسُ المقدّسة، إنما هو دعوة إلى التماس الحركة الدائرية ذات الوجهة المتسامية من المتعدد إلى الواحد، فالعود على دَرَك.
بإحيائه الشموليّة الستالينيّة، أراد الزعيم ليونيد بريجنيف بين عامي 1964 و1982، أن يمدّ المشروع السوفييتي بفرص البقاء ووسائل الاحتفاظ بالهيبة الإمبراطورية. أدى ذلك إلى اصطدام استلهام الإرث المسيحي عند صوفيا غوبايدولينا بنظام قمعيٍّ توسّعيٍّ حمائيٍّ في وجه كل ما من شأنه أن يهزّ ثوابت الشيوعيّة ومنطلقاتها الفكرية، خارجيّاً كان أو داخلياً.
أسفر التوجيه السياسي عن جعل الواقعية الاشتراكية الفُسحة الإنتاجية الوحيدة أمام أيّ فنان، سواءً كان أديباً أو موسيقياً أو صانع أفلام؛ أما من جمح بخياله بعيداً عن التطلّع إلى الاتحاد السوفييتي بوصفه يوتوبيا، وحاد مساره الإبداعي عن التزام الماديّة وجهةً نهائية للتاريخ، فقد نال نصيبه على درجات، مرّاتٍ من الإهمال والتعتيم، ومرّات من مضايقة وصلت حد الملاحقة.
من بين الضالّين، كان أولئك الذين نظروا إلى الموسيقى بوصفها سبراً روحيّاً؛ إذ وصف مسؤولون غوبايدولينا بغير المسؤولة، لإيحاءاتها الدينية واتّباعها نهج “الرمزية الآلية” المستوحى من فن الأيقونة، وعليه جرى الحد من فرص عرض أعمالها على مسارح البلاد. مؤلِّفٌ موسيقيّ معاصرٌ آخر، آرفو بيارت Arvo Pärt (89 عاماً) ظل يعاني من التضييق، بسبب أسلوبه المينيمالي المتأثّر بطقوس المسيحية وما قبلها، فرحل عن وطنه ليُقيم في ألمانيا.
انهار الاتحاد السوفييتي سنة 1991، مُسدلاً الستار على واحدة من أعتى تجارب البشرية في سَبْكِ اليقين، وعادت الموسيقى إلى الحيرة من جديد، في خضمّ المتعارضات وتعدد المسارات، والتقابل في الوجهات.

