لم ينفجر مخيم الهول كما حذّرت التقارير الأمنية والدولية لسنوات، ولم يشهد سيناريو انهيار دراماتيكياً عبر تمرد أو هجوم واسع، بل تفكك على يد فصائل الحكومة المؤقتة في سوريا والعناصر الأجنبية الموجودة فيه، وجرى تفريغه فعلياً من معظم قاطنيه. هذا التحول لم يكن مجرد تغيير إداري أو عملية نقل للسكان، بل انتقالاً جوهرياً في طبيعة الخطر نفسه: من تهديد مركّز يمكن مراقبته داخل مساحة محدودة إلى تهديد موزّع داخل مجتمع هش يعاني أصلاً من تداعيات الحرب والاضطراب الاقتصادي والأمني.
مخيم الهول: الخلفية والتكوين
ويقع مخيم الهول على بعد نحو 45 كيلومتراً شرق مدينة الحسكة قرب الحدود السورية العراقية، ولسنوات كان يُعدّ من أكثر النقاط حساسية وتعقيداً في المشهد الأمني شمال وشرق سوريا.
وأنشئ المخيم في أوائل التسعينيات لإيواء لاجئين عراقيين، وأعيد تشغيله بعد عام 2003، قبل أن يتحول خلال الأزمة السورية إلى موقع استراتيجي خطير عقب سيطرة مرتزقة داعش عليه واستخدامه كمعبر لوجستي بين سوريا والعراق.
وبعد استعادة السيطرة عليه عام 2015 من قبل قوات سوريا الديمقراطية، استخدم المخيم لإيواء نازحين سوريين، لكنه اكتسب خطورته القصوى عقب هزيمة داعش جغرافياً في الباغوز عام 2019، عندما نقلت إليه عائلات المرتزقة.
وآنذاك بلغ عدد القاطنين نحو 74 ألف شخص، غالبيتهم من النساء والأطفال، كثير منهم من خلفيات متشددة، ما جعل المخيم يُوصَف بأنه “قنبلة موقوتة”.
وخلال تلك السنوات، تشكّلت داخل المخيم بنية اجتماعية متطرفة: شبكات تجنيد للأطفال الذين كان يُطلق عليهم اسم “أشبال الخلافة”، محاكم شرعية سرية تقودها نساء داعش، وعمليات قتل وترهيب، الأمر الذي عزّز المخاوف من تحوله إلى بيئة لإعادة إنتاج داعش.
مخيم الهول بالأرقام
ووفق لآخر الإحصاءات مطلع كانون الثاني 2026، كان المخيم يضم 6,352 امرأة وطفلاً أجنبياً من 42 جنسية و15,245 سورياً و9 مجهولي النسب، أي ما مجموعه أكثر من 21 ألف شخص، جميعهم تقريباً من عوائل داعش ومرتبطون بمرحلة ما بعد سقوط الباغوز.
نقطة التحول
ومع مطلع كانون الثاني 2026، شنت فصائل الحكومة المؤقتة في سوريا هجمات على الشيخ مقصود والأشرفية في حلب، وفي 16 كانون الثاني شنت الهجمات على شمال وشرق سوريا، ومن بينها مدينة الهول التي تضم المخيم.
وفي 20 كانون الثاني 2026 أعلنت قوات سوريا الديمقراطية انسحابها من إدارة المخيم نتيجة اللامبالاة الدولية تجاه ملف داعش، وإعادة تموضع قواتها لمواجهة تهديدات أخرى.
وهذا القرار شكّل نقطة انعطاف حاسمة، إذ وقع المخيم تحت سيطرة فصائل الحكومة المؤقتة في سوريا، وبذلك تسارعت عملية تفريغ المخيم دون مخطط واضح.
وخلال هذه الأيام القليلة، انخفض عدد قاطني المخيم إلى أقل من خمسة آلاف فقط، مع تفريغ شبه كامل لقسم الأجانب.
وهذا الانخفاض لم يكن نتيجة برنامج دولي منظم لإعادة عوائل داعش إلى بلدانهم، أو نتيجة مخطط إعادة التأهيل من قبل الحكومة المؤقتة، بل جاء في سياق تفريغ ممنهج من قبل فصائل الحكومة المؤقتة وعناصرها الأجنبية.
تعليق العمل الدولي
وفي خضم هذا التحول، علّقت المفوضية السامية لشؤون اللاجئين أنشطتها داخل المخيم عقب حادث أمني، وغادرت فرق الأمم المتحدة والمنظمات غير الحكومية الموقع باستثناء خدمات المياه، وهو ما يمكن اعتباره مشاركة غير مباشرة للأمم المتحدة في عملية التفريغ، وسط تجاهل تام للخطر الذي تشكله هذه العائلات على مجتمع سوري هش يعاني أصلاً من تداعيات الحرب والفقر.
عمليات تهريب ليلاً وفي وضح النهار
عملية تهريب مرتزقة داعش وأفراد عائلات المرتزقة من قبل فصائل الحكومة المؤقتة، لم يتخذ مساراً واحداً، حيث جرى إخراج العائلات ليلاً عبر سيارات إلى مناطق مختلفة، فيما تم نقل بعض العائلات على شكل مجموعات إلى مخيمات قرب الحدود التركية في الشمال السوري، وكذلك تهريب بعض الأجانب إلى إدلب ومناطق أخرى، فضلاً عن نقل جزء من المتبقين إلى مخيم جديد شمال حلب.
خطر نشر فكر داعش ضمن المجتمع السوري
ووفق وسائل الإعلام العربية، فإن المخيم الذي تُنقل إليه عائلات داعش في ريف حلب، يختلف جذرياً عن نموذج الهول، فهو يضم مبانٍ مسبقة الصنع، واتصالاً بالإنترنت وغياب الرقابة.
والمشكلة الجوهرية لا تكمن في الإخلاء بحد ذاته، بل في غياب برامج إعادة تأهيل نفسي وفكري واجتماعي لآلاف الأشخاص الذين اعتنقوا فكر داعش وعاشوا سنوات داخل بيئة متشددة. وبالتالي فإن عدم وجود آليات فرز قضائي واضحة يعني أن كثيراً من الحالات انتقلت إلى المجتمع دون تحديد مستوى الخطورة الفردية.
وهذا يفتح الباب أمام خطر انتشار ذهنية داعش في المجتمع السوري وإعادة إحياء التنظيم. فالإخلاء بهذه الطريقة ونشر عائلات داعش ضمن المجتمع يخلق عدة مخاطر، فانتشار أفراد عائلات المرتزقة في مناطق مختلفة من سوريا يسهل إعادة التواصل وتشكيل خلايا يصعب رصدها مقارنة بمراقبة تجمع واحد كبير.
فضلاً عن أن مجتمعات الاستقبال تعاني أصلاً من الفقر والتوتر الأمني، ما يزيد احتمالات الاحتكاك والتوتر أو الاستقطاب الفكري.
إلى جانب أن آلاف الأطفال نشؤوا داخل بيئة أيديولوجية متشددة وتلقوا التدريبات على أيدي نساء داعش، ومع غياب برامج إعادة دمج تربوي فهم يشكلون بيئة خصبة لنشر التطرف وإعادة إحياء داعش.
ازدواجية
عملية تفريغ مخيم الهول، تزامن مع تنفيذ الولايات المتحدة في كانون الثاني أكثر من عشر غارات جوية استهدفت أكثر من 30 موقعاً، ضمن حملة شملت أكثر من 100 هدف، مع تحييد أو توقيف نحو 50 داعشياً، ونقل أكثر من 5,700 معتقل إلى العراق.
ولكن ما يجري على أرض الواقع يعكس استراتيجية مزدوجة، فمن جهة تشن الولايات المتحدة الهجمات الجوية على مواقع داعش، ولكنها على الأرض أسهمت بشكل أو بآخر بتفكيك مخيم الهول وتهريب أفراد عائلاته عندما تنصلت عن حمايته. والنتيجة الفعلية هي أن ما جرى هو إعادة توزيع الخطر لا إنهاؤه.
الإعلام العربي وتشكيل السردية
ولعب الإعلام العربي وتحديداً الخليجي منه، دوراً سلبياً في تغطية ملف الهول، إذ روّجت لأفراد عائلات داعش بأنهم مدنيون لا ذنب لهم، ولكن الحقيقة سرعان ما تكشفت، إذ جرى تقديم بعض أفراد داعش على أنهم مدنيون رغم وجود أدلة على انتمائهم لداعش.
انتشار مفتوح لا يمكن ضبطه
وطوال سبع سنوات، كان الهول ملفاً دولياً ثقيلاً تديره شبكة من الجهات الأمنية والإنسانية. اليوم، تحوّل العبء إلى مستوى محلي، وانتقل التحدي من موقع يمكن مراقبته إلى واقع جغرافي واسع غير قابل للضبط.
وهذا التحول لا يعني اختفاء المشكلة، بل تغيّر شكلها من خطر مركّز إلى خطر منتشر ومن إدارة دولية إلى تداعيات محلية.
ملف مخيم الهول لم يُغلق
بالنتيجة، تفريغ مخيم الهول لم يكن نهاية لملف معقّد بقدر ما كان إعادة تشكيل له. لم تُحل المشكلة عبر تسوية شاملة أو إعادة تأهيل ممنهجة، بل جرى نقلها من مساحة واحدة إلى جغرافيا واسعة.
الخطر الذي كان يمكن احتواؤه — ولو جزئياً — داخل موقع محروس، أصبح اليوم موزعاً في المجتمع دون منظومة متابعة واضحة. وفي ظل غياب برامج إعادة دمج واسعة، وضعف الهياكل الاجتماعية والاقتصادية في المناطق التي نُقلت إليها عائلات داعش، فإن التداعيات الأمنية والفكرية قد تستمر لسنوات وتعيد إحياء داعش خلال قادم الأيام.
مخيم الهول لم ينفجر… لكنه لم يُغلق أيضاً، فقد اختفى كمكان، وبقي كملف مفتوح يعيد رسم معادلة التعامل مع إرث داعش في سوريا، ويضع المجتمع أمام اختبار طويل الأمد في إدارة نتائج تفككه.
(ح)
ANHA

