بعد ثلاثة أيام من أحداث الساحل السوري، قالت وزارة الدفاع السورية السبت 8 مارس/آذار 2025 إن قواتها نجحت في “تطويق فلول النظام البائد” في منطقة الساحل (غربي سوريا)، وأضافت الوزارة أن قواتها تقدمت إلى وسط مدينة جبلة، ونفذت “عمليات نوعية ودقيقة ضد فلول نظام بشار الأسد في القرداحة بريف اللاذقية”.
حيث واجهت وزارتي الدفاع والداخلية السوريتان منذ مساء الخميس 6 مارس/آذار، تمرداً عسكرياً خطيراً وهجمات منظمة تهدد الأمن والاستقرار في سوريا يقودها عناصر وضباط من فلول النظام السوري “المخلوع”، في مناطق الساحل السوري “اللاذقية وطرطوس”، وفق ما ذكرته تقارير محلية.
لكن كيف تمكن من وصفتهم وزارة الدفاع السورية بـ”فلول النظام البائد” من إعادة تنظيم أنفسهم والتحريض على القوات العسكرية والأمنية السورية؟ وهو ما سنقوم بتوضيحه من خلال هذا التقرير، إضافة إلى تورط جهات سورية أخرى في الأحداث الدامية بالساحل السوري.
كيف عادت التوترات إلى مناطق الساحل السوري؟
بدأت الأحداث تتصاعد في بعض مناطق الساحل السوري مؤخراً بعد استهداف عدة حواجز أمنية وعسكرية حكومية في هذه المناطق، وقُتل خلالها نحو 31 عنصراً من القوات العسكرية والأمنية السورية، وفق ما كشفته مصادر أمنية وعسكرية سورية رسمية، لكن لفهم أكثر لابد من العودة قليلاً إلى الوراء.
بُعيد سقوط النظام السوري في 8 ديسمبر 2024، برز في مناطق الساحل السوري ذات الغالبية العلوية، والتي ينتمي لها الرئيس “المخلوع” بشار الأسد، أسماء وشخصيات عسكرية وأخرى محلية من بينها مقداد فتيحة وياسر رمضان الحجل ومحمد محرز جابر، أبرز متزعمي ميليشيات محلية تشكلت بدعم من الحرس الجمهوري سابقاً وارتكاب مجازر بحق المدنيين.
كما برز بعض الضباط الذين كانوا يعملون ضمن صفوف قوات الأسد، من بينهم العميد غياث دلة، وتبنت خطابات طائفية وتحريضية ضد الدولة السورية، من خلال ظهورهم المتكرر في تسجيلات مصورة، وحرضوا على مهاجمة الحواجز العسكرية والنقاط الأمنية في اللاذقية وطرطوس وأريافهما، بمبرر “وجود انتهاكات تُمارَس بحق أبناء الطائفة العلوية في سوريا”.
بينما أعلن العميد السابق غياث دلة مؤخراً عن تشكيل “مجلس عسكري” مقره الساحل السوري، ووسّع نفوذه بتحالف مع قيادات سابقة في جيش النظام المخلوع وأعداد كبيرة من متزعمي الميليشيات الموالية سابقاً للنظام “المخلوع”، من بينهم محمد محرز جابر قائد قوات صقور الصحراء سابقاً المقيم بين روسيا والعراق.
وزعمت تقارير سورية عن تلقّي المجلس العسكري الذي أسسه دلة، دعماً مالياً مباشراً من حزب الله اللبناني والمليشيات العراقية المحسوبة على إيران، مع حصوله على تسهيلات لوجستية من تنظيم قوات سوريا الديمقراطية “قسد” شمال شرقي سوريا، وفقاً لمصدر أمني في حكومة دمشق.
وحسب ما صرح به مصدر عسكري سوري لـ”عربي بوست”، فإنه “خلال الآونة الأخيرة بدأت هجمات فلول النظام المخلوع بالتصاعد وبأسلوب منظم، ضد المراكز الأمنية للدولة السورية، إلى جانب وضع كمائن لأرتال القوات العسكرية، ومواجهة الدوريات الأمنية بالأسلحة الرشاشة، ما تسبب في وقوع قتلى وجرحى في صفوف عناصر الأمن.
وكان آخر الهجمات خلال يومي الأربعاء والخميس 5 و6 مارس 2025، عندما داهمت القوات الأمنية حي الدعتور في اللاذقية ومناطق بيت عانا بريف جبلة، بحثاً عن متورطين في قتل الأبرياء السوريين ومرتكبي جرائم أخرى في مقدمتها الإتجار بالمخدرات والأسلحة، وقتل خلال المواجهات نحو 17 عنصراً من القوات الأمنية السورية.
ضلوع “قسد” في أحداث الساحل السوري
قال الناشط الميداني رامي حاج حمود في اللاذقية غربي سوريا، إنه “وفقاً للمعلومات المسربة من ضباط عسكريين في صفوف النظام المخلوع، رفضوا حمل السلاح ضد الدولة السورية، فإن المجلس العسكري الذي أُعلن عنه مؤخراً في الساحل السوري والذي يترأسه العميد غياث دلة، تلقى دعماً مالياً ضخماً من قسد، لتغطية نفقات الهجمات ضد الدولة السورية ومنح رواتب شهرية للعناصر”.
وحسب المصدر ذاته، فإن ما عزز دور قسد في أحداث الساحل السوري هو لجوء نحو 2200 عنصر وضابط من قوات النظام المخلوع إلى مناطقها قبيل سقوطه بأيام قليلة، وتشكيل غرفة عمليات عسكرية في منطقة القامشلي بريف محافظة الحسكة شمال شرقي سوريا، لقيادة التمرد المسلح في الساحل السوري ضد الدولة.
ويضيف حاج حمود: “ما يؤكد أيضاً ضلوع قسد ودعمها فلول النظام السوري المخلوع، في التمرد الذي شهدته مناطق الساحل السوري، تزامن ذلك مع نشاط عسكري أقرب إلى التمرد في منطقتي الشيخ مقصود والأشرفية بمحيط مدينة حلب، اللتان تخضعان لسيطرة قسد”.
وحسب المتحدث، “كان على ما يبدو أن هدف هذا النشاط هو الاستيلاء على مدينة حلب بالتزامن مع محاولة استيلاء العصابات وفلول النظام على محافظات اللاذقية وطرطوس، إلا أن طائرات مسيرة تركية استهدفت مقار ومواقع عسكرية لقسد في مناطق الشيخ مقصود والأشرفية، وإعلان رفع حالة الجاهزية للقطعات العسكرية السورية في حلب، أحبطت ما كان يحاك لسوريا ككل”.
بدورهما، وزارتي الدفاع والداخلية السوريتان، دفعتا بأكثر من 100 ألف عنصر إلى مناطق الساحل السوري، لمؤازرة الأمن العام في مواجهاته مع فلول النظام السابق، مع فرض حظر التجوال حتى مساء السبت 8 مارس 2025، والقيام بعمليات تفتيش وتمشيط للمناطق الجبلية وفي مراكز مدن اللاذقية وجبلة وطرطوس بحثاً عن فلول النظام المتورطين بالأحداث الجارية.
وقال الناشط حسام الدين في اللاذقية: “سقط نحو 130 بين قتيل وجريح من القوات السورية والعصابات وفلول النظام البائد خلال المواجهات التي تشهدها مناطق الساحل السوري منذ مساء الخميس وحتى الآن، فيما لا تزال المواجهات على أشدها في المناطق الجبلية والوعرة التي يتوارى فيها أعداد كبيرة من فلول النظام البائد ملاحقتهم من قبل القوات العسكرية والأمنية السورية”.
وأكد المتحدث لـ”عربي بوست” أن “التعزيزات العسكرية الضخمة التي تصل تباعاً إلى مناطق الساحل السوري قادرة على مواجهة فلول النظام وقمعها وإرغامها على التخلي عن المواجهة، والتي يقدر عدد عناصر الأخيرة بحوالي 4200 عنصر بينهم ضباط”.
ردود فعل دولية وإقليمية منددة
أعربت وزارة الخارجية السعودية في بيان لها، عن إدانتها للجرائم التي تقوم بها مجموعات من فلول النظام المخلوع وخارجة عن القانون في سوريا واستهدافها القوات الأمنية، وأكدت وقوفها إلى جانب الحكومة السورية فيما تقوم به من جهود لحفظ الأمن والاستقرار والحفاظ على السلم الأهلي.
في حين أدان البيان الختامي للاجتماع الوزاري لمجلس التعاون الخليجي أمس، كافة أعمال العنف التي تهدف لزعزعة استقرار وأمن سوريا، كما دعا إلى رفع العقوبات عن سوريا.
من جانبه قال عضو الكونجرس الأمريكي جو ويلسون، إن “السفاح بشار الأسد يحاول استعادة الحكم في سوريا وهو مختبئ الآن في موسكو، ويتلقى دعماً روسياً كما تحض إيران الشعب على التمرد”، مضيفاً “أن إيران وروسيا تعملان معاً على زعزعة أمن سوريا، “ونحن بحاجة لطرد إيران وروسيا من سوريا نهائياً”.
أما الخارجية التركية فقالت: “إن التوتر في اللاذقية واستهداف قوات الأمن قد يقوض جهود تحقيق الوحدة والتضامن في سوريا، ولا ينبغي السماح لمثل هذه الاستفزازات بأن تصبح تهديداً للسلام في سوريا وفي المنطقة، ونحن نقف ضد أي فعل يستهدف أمن وسلامة واستقرار الشعب السوري”.
وبموازاة أحداث الساحل السوري والعمليات الإرهابية التي تقوم فيها مجموعات من فلول النظام المخلوع في مهاجمة المراكز الأمنية والعسكرية، خرج السوريون في المدن السورية وعلى رأسها مدن “دمشق وحلب وحماة وحمص ودرعا ودير الزور” إلى الشوارع والساحات مطالبين الدولة السورية بالقضاء على فلول النظام وإخماد أي فتنة وكل من يقف خلفها تهدد أمن واستقرار سوريا.