نشر بتاريخ: 09/08/2025 ( آخر تحديث: 09/08/2025 الساعة: 16:35 )
الكاتب: أ.صخر سالم المحاريق
الكاتب: أكاديمي ومُختص في تنمية وتطوير الموارد البشرية، والتنمية المُستدامة.
تعيشُ المجتمعات المعاصرة في خضمِ تحولاتٍ جذريةٍ بفعلِ الثورة الصناعية الخامسة ومُفرزاتها، التي تمثل امتدادًا تاريخياً وحضارياً، وتقنياً للثورات الصناعية السابقة، ولكنها تتفرد باندماجها العميق بين العوالم الفيزيائية، الرقمية، والبيولوجية. في هذا السياق؛ لم تَعد الرقمنة مُجرد خيار تقني أو أداة تشغيلية فحسب، بل أصبحت مُكونًا جوهريًّا في نسيج الحياة اليومية وتحديًا وجوديًّا يشمل مُختلف مستويات الأداء الإنساني والاجتماعي. من هنا تبرزُ الحاجة إلى “تذويت الرقمنة” (Digital Internalization)، أي تحويلها من مُجرد ممارسة خارجية إلى جزء لا يتجزأ من وعي الإنسان وسُلوكه، على غرار مفهوم “تذويت المعرفة”، الذي يُشير إلى امتلاك الفرد للمعرفة بوصفها جزءًا من بنيته الإدراكية والعقلية والوجدانية.
نحو بناء مهارات الأفراد، تطوير المؤسسات، وتعزيز ثقافة المجتمع عبر “تذويت الرقمنة” وإعادة التشكيل الرقمي.
أولاً: تذويت الرقمنة ومهارات الأفراد.
في ظل بيئة مُتغيرة تعتمد على إنترنت الأشياء، البيانات الضخمة، والذكاء الاصطناعي، والمهارات الرقمية سبيلاً للتطور المهني المُعاصر إلى جانب المهارات الفنية والحياتية، لم يُعد كافيًا امتلاك المهارات الرقمية الأساسية (كالطباعة أو استخدام البريد الإلكتروني). بل أصبح من الضروري تذويت المهارات الرقمية بحيث تتحول إلى أدوات (تحليلية، نقدية، وإبداعية). فالفرد في عصر الثورة الصناعية الخامسة لا يستهلك التكنولوجيا فقط، بل يتفاعل معها ويُعيد تشكيلها.
ويتطلب هذا التحول تطوير مهارات مُتعددة الأبعاد تشمل:
المهارات التقنية المتقدمة: مثل تحليل البيانات، البرمجة، وأمن المعلومات.
المهارات الفكرية والسلوكية: كالتفكير التصميمي، التكيف مع التغيير، والتعلم الذاتي المُستمر.
المهارات الاجتماعية-الرقمية: مثل العمل التشاركي عبر المنصات الرقمية، وبناء الهُوية الرقمية الأخلاقية.
وبذلك يُصبح الفرد كائنًا رقميًّا ليس من خلال امتلاك الأدوات فحسب، بل من خلال امتثالها، ودمجها، وعيشها في سيرورته الإدراكية والسلوكية.
ثانيًا: تذويت الرقمنة في منظومة المؤسسات.
لم تُعد عزيزي صاحب القرار الرقمنة المؤسسية مُقتصرة على أتمتة الأشياء أو التحول الرقمي الجزئي، بل أصبحت شرطًا أساسيًّا للبقاء والتطور في بيئة تنافسية عالمية تمتاز بسباق الزمن لتقديم الأفضل. ولكن التحول الرقمي الناجح لا يتحقق ما لم يُبنى على تذويت مؤسسي للرقمنة، أي تحويلها إلى ثقافة تنظيمية، منظومة تفكير، واتخاذ قرار.
حيثُ يشمل ذلك:
إعادة هندسة العمليات وما يتخللها من سياسات، وإجراءات، وقواعد لتتماشى مع النماذج الرقمية المرنة.
إدماج الرقمنة في صلب الرؤية الاستراتيجية للمؤسسة، وليس كخيار تكميلي.
تمكين الموظفين من خلال تدريبهم على الأدوات الرقمية، وتعزيز شعورهم بالملكية الرقمية.
وعليه فإن المؤسسة التي تُشكل ذاتها رقمياً تُصبح أكثر قدرة على الابتكار، التكيف، وإعادة التموضع ضمن منظومات السوق المتغيرة.
دور المُؤسسات التعليمية في ترسيخ حالة “تذويت الرقمنة”.
تُعتبر المؤسسات التعليمية، بما في ذلك المدارس، الجامعات، والمعاهد التدريبية، بمثابةِ محركاتٍ أساسيةٍ لتحقيقِ رؤية “تذويت الرقمنة” في ظل الثورة الصناعية الخامسة. فهي ليست مُجرد مكان يُنقل فيه العلم والمعرفة، بل هي البيئة التي تُزرع فيها القيم المُتنوعة كرافعة تنموية ومنها: الرقمية، وتُبنى فيها مهارات التفاعل الواعي مع التكنولوجيا. لذا؛ أصبح من الضروري أن تتسع مُهمة التعليم لتشمل تشكيل “الإنسان الرقمي” القادر على التفكير النقدي، والتفاعل الأخلاقي مع التقنيات، وتوظيفها لخدمة احتياجاته الإنسانية.
في هذا الإطار، يُتوقع من المؤسسات التعليمية:
دمج “الرقمنة” في المناهج الدراسية وفي جميع التخصصات، لأن المُستقبل المهني القادم للتخصصات التي تتكامل مع التكنولوجيا.
تهيئة بيئات “تعليمية ذكية” باستخدام تقنيات مثل الذكاء الاصطناعي والواقع المعزز.
تدريب المعلمين والإداريين على استخدام الأدوات الرقمية بشكل فعال.
تعزيز “القيم الرقمية” مثل التعاون الرقمي، ومهارات التكيف، وأنماط التفكير المُساند لعملية التحول الرقمي مثل: التفكير النقدي، التحليلي، التصميمي، والإبداعي.
تبني أساليب تعليمية تشاركية تحفز العمل الجماعي، والتفاعل بين مُتلقي العملية التعليمية (طلبة، مُتدربين، ..).
بهذا الشكل، تُساهم المؤسسات التعليمية في إنتاج المعرفة الرقمية، وتصبح نموذجًا رقميًا متكاملاً يسهم في تحقيق التنمية الرقمية المجتمعية، من خلال تمكين الأفراد من المشاركة الفاعلة في المجتمع الرقمي المتطور.
ثالثًا: تذويت الرقمنة في ثقافة المجتمع
التحول الرقمي المجتمعي لا يقتصر على توفير بنية تحتية رقمية، بل يتطلب إعادة تشكيل للثقافة الجمعية لتستوعب الرقمنة كقيمة، وكممارسة، وكرؤية عالمية. ويعني تذويت الرقمنة مجتمعيًّا:
نشر “الوعي الرقمي” كحق من حقوق المواطنة الرقمية.
إرساء قيم الاستخدام الأخلاقي والمسؤول للتكنولوجيا.
تحفيز “الإنتاج الرقمي” المحلي ودعمه من خلال المبادرات الإبداعية والمحتوى المحلي.
تبني الاستراتيجيات الوطنية والحُكومية الرقمية.
وبالتالي، فإن مجتمعاً “يذوّت الرقمنة” هو مجتمع ينتج المعرفة الرقمية، ويفرض حضوره في الفضاء الرقمي العالمي لا كمستهلك، بل كشريك فاعل.
خلاصة القول: باعتقادي قد أكون أول شخص كتب ويكتبُ الآن عن هذا المفهوم “تذويت الرقمنة” بعد قياس شخصي مني لإنتاجه على غرار مفهوم ومُصطلح “تذويت المعرفة” وإن الحديث عن “تذويت الرقمنة” في ظل الثورة الصناعية الخامسة ليس ترفًا فكريًّا مني، بل ضرورة استراتيجية مُلحة اليوم لإعادة تشكل الإنسان القادر على الفعل والتفاعل في عالم جديد، ومُنظمة أو مُؤسسة قادرة على الصُمود والتكيف في وجه التقلبات، ومُجتمع قادر على إعادة إنتاج ذاته حضارياً، ومدنياً، وتنموياً. فالرقمنة ليست مُجرد أدوات، بل هي نمط تفكير، ثقافة، وممارسة تتطلب تملكًا داخليًّا واعيًا، وتحولًا في البنية المعرفية والعملية لكل من الفرد، والمؤسسة، والمجتمع.

