إن المتأمل في أعمال الفنانة التشكيلية والخزّافة طليعة الخرس سيشاهد أعمالاً تحتفي بتراث الكويت والحروف العربية، وأنها تتعامل مع الحياة من منظور جمالي متناسق مع الأفكار المكثفة التي تطرحها دوماً على المتلقي، وبالتالي تحضّه على التفكير في محتوياتها ومضامينها.
ولدى الخرس اهتمامات كبيرة بفن الخزف، تفاعلاً وإنتاجاً وإقامةً للدورات التدريبية والمحاضرات. ورغم صعوبة هذا الفن فإنها قدّمت فيه رؤاها التي شملت الكثير من مظاهر الحياة، بالتالي تضمين تلك الرؤى بألوان تعبّر عن الكثير من الحالات الإنسانية أو التراثية، أو البيئية، وهذه المدلولات موجودة في كل القطع الخزفية التي أنجزتها الخرس خلال رحلتها مع هذا الفن الراقي.
وقالت الخرس، إنها فنانة في جانب آخر من الفنون أيضاً وهو فن الرسم على الحرير، ولها باع طويل فيه، موضحة أن سبب اختيارها لفن الخزف أنه «يمنح ممارسه طاقة إيجابية، طوال تنفيذ عمله، على مدار اليوم، ويخلصه، في الوقت ذاته، من الطاقة السلبية، كما يضيف له طاقة فوق طاقته الموجودة».
وعن أفكار أعمالها الخزفية، تقول الخرس، إن «أي فنان يستقي أفكاره أولاً من بيئته المحيطة، أو من خلال تجارب سفره، أو تأثره بموقف معين، أو قد يرغب في أن يبعث برسالة من خلال عمل بعينه، فالأفكار تأتي لِنُحَوِّلها إلى أعمال ننفذها بالطين، وعند التنفيذ نضيف إليها أو ننقص منها لتبدو، في النهاية، على الشكل الذي نريده».
البيئة المحيطة
وأكدت أن «البيئة المحيطة أثَّرت فيَّ منذ الصغر، والحياة القديمة فيها بكل مفرداتها، من البشر، والحجر، والمباني التراثية، وقد تناولت كل هذا في الكثير من أعمالي الخزفية، خصوصاً الأبنية التراثية، وطرق بنائها، وتناولتها في العديد من إنتاجي الخزفي. كما أن هناك عاملاً مهماً تأثرت به كثيراً وهو الحرف العربي، الذي تحول حبي له، في بداياتي، إلى عشق لا ينتهي، يلحظه جمهوري جيداً، ولعشقي للحرف العربي وظّفته مع التراث، في معظم أعمالي، وأهمها وأقربها لقلبي تمثال لسيدة كويتية ترتدي عباءة تراثية مطرزة كلها بالحروف العربية».
نشر فن الخزف
وعن خطوات نشر فن الخزف، قالت: «في رأيي أول خطوة يجب أن تقوم بها الدولة في هذا المجال، أن نعلم أبناءنا هذا الفن منذ سنواتهم الأولى، المعروفة برياض الأطفال، وأن نُعلِّمهم – ذكوراً وإناثاً – أسرار هذا الفن العريق من خلال دورات تدريبية منتظمة، يقدمها مدربون من فناني الخزف، على أعلى مستوى، وقد قدمت، بالفعل دورة تدريبية في هذا المجال لرياض الأطفال، ونجحت في أن يشكِّلوا قطعاً تراثية، بقدر عالٍ من المهارة، تعكس مدى موهبتهم وإحساسهم بتراثهم».
زيارات منتظمة للمتاحف
وأضافت أن الخطوة الثانية تتمثل في «أن توفر الدولة لهؤلاء الأطفال، الذين يعتبرون اللبنة الأولى، المواد والخامات المطلوبة، ليطبقوا ما تعلموه في تلك الدورات، أو حتى في مدارسهم، ويقوموا بإنجاز أعمالهم بأنفسهم»، لافتة إلى أن «الخطوة الثالثة تتضمن تحفيزهم على حب هذا الفن، بتخصيص مناهج تعليمية له في كل المراحل الدراسية، واصطحابهم في زيارات منتظمة إلى متاحف ومعارض الخزف، ليتعرفوا إلى خزافينا الكبار، ويشاهدوا إبداعاتهم على الطبيعة، ويتأملوا تفاصيلها جيدا فيتأثروا بها، ويحاولوا تقليدها كبداية للدخول في عالم الفن، وتدريجيا سيتحولون، بمرور السنين، إلى خزافين، ينتجون أعمالا خاصة بهم بأناملهم تبرز مواهبهم».
وأشارت إلى أن الخطوة الرابعة فتتمثل في توعية أولياء الأمور بكيفية إدراك مواهب أطفالهم، وتوفير كل أوجه الرعاية لهم مبكرا، ما يساعدهم على إبراز مواهبهم المدفونة، وهذا مطلب ضروري جدا، لأنه، ربما، يكون بين أطفالهم مواهب، أو أكثر في التشكيل بالخزف، أخيراً يجب أن تتبنى الدولة تلك المواهب، جيدا، من كل الأعمار، وليس الأطفال فقط، ليكونوا مرآة براقة لفننا».
واقترحت «إقامة المزيد من المعارض العالمية في فن الخزف، وعدم الاكتفاء بمعرض، أو اثنين، وتوسيع مشاركة الخزافين من مختلف دول العالم، ما يساعد على تبادل الخبرات، على نطاق أوسع، بينهم وبين خزافينا، وبالتالي يتاح لنا الاستفادة من التجارب الحديثة في تطوير هذا الفن لدينا، وقد شاركت في السمبوزيرم العربي الذي أقيم في الكويت، وكانت تجربة ناجحة، ومثمرة استفدت منها كثيرا».
فن صعب
وأكدت أن فن الخزف صعب، ويحتاج إلى صبر وتأنٍّ ودقة في تنفيذ الأعمال، حتى تخرج بالجودة المطلوبة، كما أنه ليس كبعض الفنون الأخرى، التي يمكن إنجازها في وقت بسيط، كيوم، أو بعض يوم، بل إنه يمر بمراحل عديدة، لابد أن تعبرها بشكل منظم ومتوالٍ، ولا تستطيع تجاوز إحداها، فتبدأ بتجهيز الطين، ثم حرقه حرقة أولى، فثانية، ثم تنفيذ العمل، ما قد يستغرق أسبوعا، أو أسبوعين لإنتاج قطعة واحدة، وهذا يعد من أسباب العزوف عن هذا الفن.
وقالت الخرس «لذا لكي تنجح في هذا المجال لابد أن تكون صبوراً ودقيقاً وحريصاً، والأهم من كل هذا هو الشغف، بمعنى أن المرء لو أحب هذا الفن فسيصبر عليه، ويشعر بالاستمتاع عند تنفيذه، كما سيكون حريصاً عليه، لأن العمل الخزفي معرض للكسر، إذن فمن يعشق هذا الفن فسيتخطى كل ذلك، وسيستمر، وسيتطور، وسيجد فيه المتعة، وبالتالي ستجد إقبالاً عليه لا عزوفاً»، مستدركة أن من أسباب العزوف عن هذا الفن أيضاً أنه، كأي صناعة، يحتاج إلى مواد وخامات أسعارها مرتفعة فتجعل البعض يبتعد عنها.