أعلن تحالف «أوبك +» عن إبقاء سياسة الإنتاج دون تغيير، بعدما كان قد أعلن الخميس الماضي عن زيادة إنتاج النفط في مايو، قبيل رد الصين على الرسوم الجمركية بالمثل. وانخفضت أسعار النفط إلى أدنى مستوى لها منذ عام 2021 هذا الأسبوع، حيث حاول المستثمرون قياس الصدمات الاقتصادية المحتملة لتعريفات إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب واسعة النطاق.
وأمهلت اللجنة الوزارية المشتركة لمراقبة الإنتاج، الدول التي لم تحقق الإلتزام الكامل بالتخفيضات، حتى 15 أبريل الجاري، لتقديم خطط تعويض محدثة ومسبقة إلى أمانة أوبك. وقالت اللجنة في في بيان صادر عقب اجتماعها التاسع والخمسين عبر تقنية الاتصال المرئي، إنها سجلت ملاحظاتها بشأن الدول التي لم تحقق الالتزام الكامل بالتخفيضات والتعويضات، مشددة على الأهمية البالغة لتحقيق الالتزام الكامل.
وتزامن ذلك مع التراجع الحاد في أسعار النفط لليوم الثاني على التوالي، ليصل إلى أدنى مستوياته منذ أكثر من 3 سنوات، بعد صدمة الأسواق من الزيادة المفاجئة في إنتاج تحالف «أوبك+»، إلى جانب الرسوم الجمركية التي فرضها ترامب، والتي قد تؤدي إلى تقليص الطلب العالمي.
واستعرضت اللجنة الوزارية، بيانات إنتاج النفط الخام لشهري يناير وفبراير من العام الجاري، دون تغيير في سياسة إنتاج النفط لدول «أوبك+»، معربة عن تقديرها للتخفيضات الطوعية الإضافية التي أعلنت عنها 8 دول ضمن التحالف في أبريل ونوفمبر 2023، والتي أسهمت في دعم استقرار السوق.
وبعد ساعات معدودة فقط من إعلان ترامب عن الرسوم الجمركية، أعلن تحالف «أوبك+» بشكل مفاجئ أنهم سيضيفون أكثر من 400 ألف برميل يومياً من الإمدادات إلى السوق الشهر المقبل. ويمثل هذا الرقم ثلاثة أضعاف الكمية التي كانت المجموعة تخطط لإضافتها، ما يُشير إلى تحوّل كبير في السياسة بعد سنوات من القيود على المعروض، كانت قد ساعدت في دعم الأسعار.
وخسر خام برنت أكثر من 10 % خلال يومين فقط، بينما تتداول العقود المستقبلية الأميركية عند أدنى مستوياتها منذ مايو 2023، وفق بلومبرغ.
وفي حين أن التعريفات قد تنطوي على خطر تباطؤ عالمي، لا تزال مجموعة كبيرة من منتجي النفط يعتقدون بأن العالم يحتاج إلى المزيد من الخام. وترى منظمة البلدان المصدرة للبترول وحلفاؤها، والمعروفة باسم «أوبك +»، أن الوقت الحالي هو الوقت المثالي لتسريع خططهم لزيادة الإنتاج.
وقال توم كلوزا، الرئيس العالمي لتحليل الطاقة في شركة «OPIS»: «لقد صدمتني خطوة «أوبك +». وبدلاً من أن يكون مدفوعاً بقوى السوق الحالية، يعتقد كلوزا بأن تحرك «أوبك +»، يؤكد فكرة أن هناك استياءً واسع النطاق داخل المجموعة، بشأن المدة التي اضطروا فيها إلى تقييد إنتاج النفط – لأكثر من عامين – للمساعدة في تحقيق توازن أفضل في السوق.
وكتب كلوزا في مذكرة، أن ما بدا في البداية وكأنه تصحيح ربيعي لأسعار النفط، انتقل إلى ما أصبح «تحولاً ملحمياً حقاً في إمدادات النفط وأسعاره.
ويبدو أن أنباء الانتقام من جانب الصين ضد الولايات المتحدة، تؤكد أن العالم في حالة حرب تجارية شاملة، وربما أصبح كل شيء مباحاً». وقد تبع الانخفاض الكبير في أسعار النفط يوم الخميس، بنحو 7 %، خسائر أكثر حدة يوم الجمعة، وهي تحركات غير طبيعية، تشير إلى حالات الركود الدراماتيكي في السنوات الست والعشرين الماضية، كما أشار كلوزا.
تخمة في المعروض
وقد يكون إعلان «أوبك +»، في أعقاب ما يمكن أن يصبح في نهاية المطاف تخمة في المعروض، هو المسؤول عن نصف عمليات البيع في سوق النفط يوم الخميس الماضي، وفقاً لكلوزا.
كان ذلك عندما انخفض خام غرب تكساس الوسيط الأمريكي القياسي لتسليم مايو بنسبة 6.6 %، ليستقر عند 66.95 دولاراً للبرميل في بورصة نيويورك التجارية. وانخفضت الأسعار أكثر يوم الجمعة، لتستقر على انخفاض قدره 4.96 دولارات، أو 7.4 %، عند 61.99 دولاراً، وهو أدنى مستوى لإغلاق شهري منذ 26 أبريل 2021، وفقاً لبيانات سوق «داو جونز».
وقال كلوزا: «على المرء أن يدرك أن أسواق النفط تتأثر بوجود نحو 6 ملايين برميل يومياً من الطاقة الإنتاجية الاحتياطية. ومن الصعب أن تكون متفائلاً بشأن النفط، عندما يكون هناك إمداد يبلغ نحو 6 % من حيث الإنتاج، جاهزة لدى الدول الأعضاء».
وتشير معظم المعلومات المتاحة عن العرض والطلب، إلى توازن في الربع الأول. ورغم ذلك، قد يكون هناك فائض في الإمدادات يبلغ 400 ألف برميل يومياً في الربع الثاني، وتشير بعض البيانات إلى فائض يبلغ نحو مليون برميل يومياً في وقت لاحق من العام، على حد قول كلوزا.
إمدادات
وأظهر تقرير وكالة الطاقة الدولية في مارس لتوقعات عام 2025، أن إجمالي إمدادات النفط العالمية سيبلغ 104.5 ملايين برميل يومياً، مع وجود طلب عالمي يبلغ 103.9 ملايين برميل يومياً. وبالنظر إلى ذلك، استغرب بعض المتداولين قرار «أوبك +» غير المتوقع، بإضافة المزيد من إمدادات النفط إلى السوق، نظراً لأن الإمدادات الإضافية، يمكن أن تغرق أسعار الخام بشكل أكبر.
وكتب أليكس هودز مدير استراتيجية سوق الطاقة في «StoneX»، في رسالة إخبارية، أن «أوبك +» إذا لم تكن الأقوى في سوق النفط، فيجب أن تكون «الكارتل الأكثر سخرية في العالم»، وقال: «يتزامن هذا التحرك مع «يوم تحرير ترامب»، وفوضى بين المستثمرين الخائفين الذي يخشون بالفعل تباطؤ الاقتصاد، بسبب إضافة مكابح جديدة، وهي التعريفات، ما فاقم المخاوف بالفعل».
وأعلن ترامب بعد ظهر الأربعاء، عن تعريفات بنسبة 10 % على جميع واردات الولايات المتحدة، تدخل حيز التنفيذ يوم السبت، إلى جانب رسوم أعلى بكثير على الشركاء التجاريين، مثل الصين والاتحاد الأوروبي، والتي من المقرر أن تبدأ في 9 أبريل الجاري. وتم استثناء الطاقة ومنتجاتها، لكن التعريفات لا تزال تثير مخاوف بشأن تباطؤ كبير في النمو الاقتصادي العالمي والطلب على النفط.
وقد تشير الأسباب الكامنة وراء قرار «أوبك +» بتسريع الإنتاج، في ظل هذه الخلفية أيضاً، إلى محاولة «الانتقام من كازاخستان وأعضاء آخرين الذي يعانون مشاكل في الامتثال، بسبب الإفراط في الإنتاج في الماضي»، كما قال هودز. ورغم ذلك، فإن تعهد بعض الأعضاء بالتعويض عن الإنتاج الزائد بتخفيض الضخ، قد يساعد في تعويض زيادة إنتاج المجموعة بشكل كبير.
محاولة فهم
وعندما قالت «أوبك +» إنها ستزيد إنتاجها لشهر مايو، عزت هذه الخطوة إلى «أساسيات السوق الصحي المستمر، والتوقعات الإيجابية للسوق». وقد يبدو ذلك محيراً، بالنظر إلى التوقعات القاتمة التي ظهرت عقب إعلان ترامب عن التعريفات. لكن على الأقل، يرى خبراء النفط منطقاً في تحرك المجموعة.
وقال أنس الحجي خبير الطاقة المستقل والشريك الإداري في «إنيرجي أوتلوك أدفايزرز»، في مقطع فيديو أرسله إلى قراء رسالته الإخبارية، يشرح تحرك منتجي النفط، إن «أوبك +» شعرت أن هناك طلباً قوياً جداً يستدعي الزيادة. وأضاف أن تأثير هذا القرار «محدود للغاية، إن وجد»، بسبب تخفيضات العراق وكازاخستان، لتعويض زيادة إنتاجهما في السابق، فضلاً عن الطلب الصيفي الذي يزيد على النفط، وبالتالي، لن تزيد الصادرات بهذا القدر.
وعقدت «أوبك +» اجتماعاً في مارس، وقامت بتحديث خططها للدول الأعضاء، لتعويض الإفراط في الإنتاج على دفعات تدريجية. وتظهر خطة «أوبك» تخفيضات إنتاج تعويضية إجمالية، قدرها 4.2 ملايين برميل يومياً، سيتم إدخالها تدريجياً من مارس هذا العام حتى يونيو 2026. ومن الناحية النظرية، فإن ذلك سيعوض زيادة الضخ التدريجية من «أوبك +» إلى 2.2 مليون برميل يومياً.
وقال الحجي إن هناك أيضاً انخفاضاً في صادرات النفط الفنزويلية، بسبب العقوبات الأمريكية. وفي أواخر مارس، قالت إدارة ترامب إن الدول التي تشتري النفط من فنزويلا، ستواجه تعريفة بنسبة 25 % في أو بعد 2 أبريل، على جميع السلع المستوردة إلى الولايات المتحدة.
وذكرت «رويترز»، الأربعاء، نقلاً عن بيانات الشحن، أن صادرات النفط الفنزويلية انخفضت بنسبة 11.5 % في مارس، عن الشهر السابق، حيث غادرت 42 سفينة المياه الفنزويلية، تحمل 804,677 برميلاً يومياً من الخام والوقود.
أساسيات قوية
وقال أنس الحجي: عندما تقول «أوبك +» إنها ترى أساسيات قوية في سوق النفط، وزيادة في الطلب على نفطها، فهذا صحيح. إن تلك الدول التي كانت تستورد الخام الفنزويلي، تبحث عن مصادر جديدة. وأضاف أن واردات النفط إلى الصين والهند تتزايد أيضاً، في حين أن المخزونات في تلك البلدان وصادرات منتجاتها البترولية تتناقص، وهذه مؤشرات على الطلب القوي.
وأوضح أن فصل الصيف في الشرق الأوسط، يزيد الطلب على التبريد، والطلب المتزايد على الكهرباء، يترجم إلى طلب متزايد على النفط الخام. وأشار إلى أن زيادة إنتاج النفط لا تعني بالضرورة زيادة في صادرات النفط، إذا تم استخدام المزيد من هذه السلعة محلياً.
وبشكل عام، يشير قرار «أوبك +» إلى أن المجموعة واثقة من قدرة السوق على استيعاب الإمدادات الإضافية، كما كتب موكيش ساهديف الرئيس العالمي لأسواق السلع في «Rystad Energy»، في مذكرة يوم الجمعة. ومع ذلك، فإن هذه الخطوة تدخل تعقيدات جديدة، نظراً لعدم اليقين المستمر في الاقتصاد الكلي، وتقلب إشارات الطلب والمخاطر الجيوسياسية.
وتجدر الإشارة إلى أن توقيت تحرك المجموعة، يأتي بعد أسابيع من الإشارات المختلطة من أسواق النفط، بما في ذلك زيادة إنتاج الدول غير الأعضاء في «أوبك +»، خاصة الولايات المتحدة والبرازيل وكندا، والحرب التجارية الأمريكية، والطلب الصيني الأقل من المتوقع، وفشل وقف إطلاق النار المقترح بين روسيا وأوكرانيا، والضغط الداخلي من الدول الأعضاء، التي تتدافع للحصول على أهداف أعلى، تتناسب مع قدرات إنتاجها الجديدة.