عبقرية مبكرة
منذ نعومة أظفاره، بزغت عبقرية زياد الرحباني الموسيقية في بيت استثنائي؛ فصار رفيق والده عاصي في التلحين منذ الطفولة، حتى أسند له في سن السابعة عشرة مهمة تلحين أغنية «سألوني الناس» لفيروز، لتكون تلك اللحظة مفترقًا بين مدرستين: الرحابنة الكلاسيكية، ونزعة زياد الثائرة على حدود المألوف.
تميّز زياد بإدخال أنماط جديدة على الأغنية اللبنانية، مزج فيها بين تراث الشرق بعمقه، والجاز الغربي والكلاسيك، حتى قيل إنه فتح باباً جديداً في الألحان جعل التجريب سمة أساسية لصوته الخاص. لم تكن موسيقاه لحنًا زخرفيًا فقط، بل كانت تعبيراً عن موقف ورؤية اجتماعية وفكرية، فحملت الأغنية لديه عمقًا نقديًا وسخرية مُرّة، وجعل من المسرح والموسيقى مرآة جريئة للواقع اللبناني والعربي.
من أهم إبداعاته الموسيقية:
لحن عشرات الأغاني الخالدة لوالدته فيروز، من بينها: «سألوني الناس»، «كيفك إنت»، «بلا ولا شي»، «عودك رنان»، «البوسطة»، «عندي ثقة فيك»، «سلملي عليه»، «إيه في أمل»، «أنا عندي حنين»، وغيرها من الأغاني التي حُفرت في الوجدان العربي.
ألبوماته الغنائية والموسيقية مثل “وحدن” (1979)، “معرفتي فيك” (1987)، “كيفك إنت” (1991)، “إلى عاصي” (1995)، “مش كاين هيك تكون” (1999)، و”إيه في أمل” (2010).
أعماله المسرحية الغنائية المصاحبة كمسرحيتي “سهرية”، و”نزل السرور”، و”بالنسبة لبكرا شو”، والتي صنع لها موسيقى حية نابضة تداخلت مع نقده السياسي والاجتماعي.
بأدائه الخاص، أطل بصوته في أغانٍ شهيرة مثل “الحالة تعبانة”، “دلوني عالعينين السود”، “عايشة وحده بلاك”، “بصراحة”، “البوسطة”، و”اسمع يا رضا”.
وفي توزيع الألحان، كان زياد متفردًا؛ فقد أدخل إيقاعات وأصوات الآلات الغربية، كالبيانو والساكسفون والترومبيت إلى الأغنية الشرقية، ففتح طريقًا غير مسبوق في الموسيقى العربية. وُصف بأنه “صوت الوجع الساخر”؛ إذ لم تكن موسيقاه تخلو من مرارة النقد وفيض المشاعر.
ساهم زياد كذلك بشكل هائل في تجديد التجربة الفنية لفيروز؛ إذ نقل صوتها من جيل إلى جيل بألحان ومعانٍ وأفكار عصرية دون أن ينزع عنها الشجن الرحباني الأصيل. لم يتردد في التجريب، فكان كل عمل له مساحة لاكتشاف جديد في الأنغام والكلمات والتوزيع.
ويبقى إرث زياد الموسيقي، كلماته وألحانه وألحانه المسرحية، ذاكرة جمعية نابضة؛ مرآة تعكس هواجس وهموم أجيال، وتجسّد قدرة الموسيقى على رصد المجتمع وتحريضه على الحلم والتغيير. لقد أحدث ثورة ناعمة في الأغنية العربية، وربط الناس بفنه لأنه ببساطة غنّى وجعهم بالإبداع والخروج عن المألوف.
زياد الرحباني وسيد درويش
زياد الرحباني وسيد درويش هما من أعمدة الموسيقى العربية، ولكل منهما بصمته الخاصة وتأثيره البارز على التراث الموسيقي والثقافي، مع وجود أوجه تقاطع ونقاط تأثير بينهما في تاريخ الموسيقى.
سيد درويش (1892-1923) يُعتبر رائدًا موسيقيًا وفنانًا متمردًا بدأ في تحويل الأحاسيس الشعبية إلى ألحان موسيقية متقنة، وابتكر نوع الأوبريت كما يجب أن يُقدم، وكان له دور بارز في تطوير المسرح الغنائي المصري والعربي. وقد كان تأثيره كبيرًا على أخوين الرحباني، حيث نشأ عاصي الرحباني في نفس العام الذي توفي فيه سيد درويش. المسرح الغنائي الذي أسسه الأخوان الرحباني حمل الكثير من أثر سيد درويش، خصوصًا في تقديم الأغاني الجماعية والمسرحية. كما تأثر الأخوان بالموسيقى المصرية بشكل عام، واتجهوا إلى المزج بين التراث الشرقي والنغمات الغربية في موسيقاهم، مما أعطاهم طابعًا فنيًا فريدًا.
زياد الرحباني، الابن الأكبر لعاصي الرحباني وفيروز، مثّل جيلًا جديدًا من المبدعين الذين تابعوا مسيرة التجديد الموسيقي، متأثرًا بموسيقى سيد درويش التي كانت جزءًا من تراث عائلته الموسيقي. زياد عرف بأنه ابتكر صوتًا موسيقيًا يحمل توترًا إيقاعيًا قويًا، يجمع بين الجاز والكلاسيكية والموسيقى الشرقية. كما تكلم عن تأثير سيد درويش في تجديد الأغنية العربية وخصوصًا الأغاني التي تحمل رسائل اجتماعية وسياسية. زياد أكمل ما بدأه سيد درويش في جعل الموسيقى شكلاً من أشكال التعبير والرفض السياسي والاجتماعي، مع ميل إلى المزج الفني والتجريب.
باختصار، سيد درويش هو المؤسس والرائد الذي مهدّ الطريق للموسيقيين العرب بما فيهم عائلة الرحباني، بينما زياد الرحباني كان المبدع الذي وظف هذا الإرث وأضاف إليه روح حداثية وتوسعًا إيقاعيًا وفنيًا وشكل صوتًا جديداً يعبر عن اللحظة اللبنانية والعربية بمنظور نقدي وسياسي وأبداعي عميق.
زياد الرحباني، الموسيقار اللبناني، وُلد في بيئة فنية عريقة حملت في طياتها إرث الموسيقى العربية التقليدية، وقد تأثر بشكل واضح برائد الموسيقى العربية سيد درويش. قال زياد رحباني بنفسه: «لو أن سيد درويش عاش أطول لانتهى إلى ما وصل إليه الأخوان رحباني». هذا يعبر عن مدى تشابه الروح المتمردة والطموح التجديدي بين الرجلين.
تأثير سيد درويش على زياد الرحباني
سيد درويش كان فنانًا شعبيًا متمردًا، بالأخص في كيفية تحويله للأحاسيس الشعبية إلى ألحان موسيقية ومعالجة قضايا وطنية واجتماعية، مؤسسًا نوع الأوبريت المسرحي الغنائي. هذا الفن ومضامينه وصلت إلى عاصي الرحباني وأخيه منصور ثم إلى زياد الذي تربى على هذا التراث. زياد، مثل سيد درويش، تناول قضايا الشعب والفقير والمظلوم، ولم يرفض النقد السياسي والاجتماعي، بل وظف الموسيقى كأداة احتجاج وتحريض.
الناقد الموسيقي سليم سحاب أكد أن تأثير سيد درويش على الأخوين الرحباني كان أساسياً في توجههما نحو المسرح الغنائي اللبناني، لكن من حيث الجانب الموسيقي، كان الأخوان الرحباني يميلان إلى الطابع الغربي أكثر، خاصّة في التوزيع والإيقاع. في المقابل، زياد الرحباني مزج بين الموسيقى الشرقية والجاز والكلاسيكية، مما أعطى موسيقاه طابعًا حديثًا ومعاصرًا، لكن الخط الفكري والمضمون الاجتماعي يحمل امتدادًا لما بدأه سيد درويش.
زياد كان من كبار المعجبين بسيد درويش، محافظًا على جسر فني روحي معه في معظم حفلاته، مع أداء أغنيات مثل “أهو ده اللى صار” وهي من روائع سيد درويش التي غنتها فيروز عديدًا، ما يؤكد على الرابط الموسيقي والفكري بينهما.
زياد الرحباني وسيد درويش: إرث الموسيقى العربية بين التقاليد والتجديد
يُعتبر كل من زياد الرحباني وسيد درويش من أعمدة الموسيقى العربية التي تركت بصمة لا تُمحى، إذ جمع كل منهما بين الفن والموسيقى رسالة اجتماعية ووطنية ذات طابع شعبي عميق. ففي حين كان سيد درويش رائد الموسيقى الوطنية العربية وأحد مؤسسي المسرح الغنائي الشعبي في أوائل القرن العشرين، جاء زياد الرحباني ليكمل المسيرة الفنية ويجددها بصوته المميز تجمع بين التراث الشرقي وجمالية الجاز والكلاسيكية الغربية.
تأثر زياد الرحباني بشكل ملموس بسيد درويش، حيث يرى زياد نفسه وريثًا لفكر وجرأة سيد درويش في المزج بين الموسيقى والكلمة للتعبير عن قضايا الناس والمجتمع. لكنه تجاوز ذلك بالتجديد الموسيقي، من خلال التوظيف المعاصر للألحان والمقامات، وابتكاره لتوزيعات معقدة تجمع بين الموروث والحداثة.
وفي مقارنة بين أسلوبيهما، يتميز سيد درويش ببساطة التوزيع وإيقاعه الحيوي الذي يخدم أغانيه الوطنية والاجتماعية، بينما جعل زياد الرحباني من الموسيقى أداة للانتقاد السياسي والاجتماعي المعاصر، مع مزج فني بين الشرق والغرب، جسّد من خلاله رؤية فنية ثرية متعددة الأبعاد.
لعب كل منهما دورًا محوريًا في تطور الأغنية والمسرح الغنائي العربي، فكان سيد درويش مؤسساً لنمط الأوبريت والدراما الموسيقية، في حين برز زياد كموسيقار ومسرحي ساخر يُعبر عن هموم لبنان والعالم العربي بجرأة منقطعة النظير.
هذا التلاقي بين إرث سيد درويش وابتكارات زياد الرحباني يشكل جسراً بين التقاليد الموسيقية العريقة ورؤية متجددة، تؤكد أن الموسيقى ليست مجرد لحن وكلمة، بل تعبير حي عن روح الأمم وهويتها الثقافية.

