يمثل الفن التشكيلي في لبنان تجربة ثقافية فريدة، تلتقط من خلال ألوانها وأشكالها نبض المجتمع، تعكس آماله، مخاوفه، وصراعاته، في أبعاد جمالية تحمل رؤى فكرية وفنية متعددة. غير أن هذه التجربة تواجه تحدّيات حقيقية، لا سيما على صعيد التوازن بين الجودة الفنية وحركة السوق والتسويق، مما يجعل قضايا الفن التشكيلي في لبنان مسألة معقّدة ومتشابكة بين الإبداع والربح، بين الثقافة والتجارة.
منذ سنوات، يتكرر الجدل حول طبيعة المعارض الفنية في لبنان، بين معارض تجارية بحتة تركّز على الكم والمردود المالي، وبين أخرى تهدف إلى تقديم أعمال فنية عالية الجودة، تطرح رؤى نقدية واجتماعية وإنسانية ذات عمق. وهذا التداخل بين الأهداف أحياناً يخلق حالة من الارتباك لدى الفنانين، الذين يجدون أنفسهم مضطرين للموازنة بين تطوير إنتاج فني راقٍ وبين القدرة على تسويق أعمالهم في سوق تتسم بالتقلّب والضغط التجاري.
المشكلة الأساسية في سوق الفن اللبناني تكمن في ضعف بنية الدعم المؤسسي والتنظيمي، حيث يندر وجود مؤسسات وفعاليات ثقافية مستقرة تُعنى بتطوير الحركة الفنية وتشجيع المواهب، ما يجعل كثيراً من الفنانين يعتمدون على المعارض التجارية التي تفتقر في كثير من الأحيان إلى معايير الجودة الفنية. فالمنافسة في السوق تركّز غالباً على الأسماء والشهرة أو على المظاهر، لا على الإبداع الفني أو الرسائل العميقة التي قد تحملها اللوحات.
هذا الواقع التسويقي يؤثر على الإنتاج الفني نفسه، فبعض الفنانين قد يجدون أنفسهم محاصرين بين رغبتهم في التجديد والابتكار وبين الحاجة إلى تلبية أذواق السوق التجارية، التي تفضّل الأعمال السهلة الهضم، القابلة للتسويق السريع، على حساب الأعمال التي تتطلّب تفكيراً وتأمّلاً أعمق. هذا النوع من التحدّيات يمكن أن يؤدي إلى تراجع في نوعية الإنتاج الفني، وبالتالي إلى ضعف حضور الفن التشكيلي اللبناني على الساحة الدولية.
مع ذلك، يظل هناك فسحة أمل في المشهد الفني اللبناني، من خلال وجود عدد من الفنانين الذين ينجحون في خلق توازن بين الأصالة والحداثة، ويقدمون أعمالاً فنية تتّسم بالاحترافية، والعمق، والجمال، في الوقت نفسه. فمثلاً، أعمال فنانين مثل «هوغت غالان» التي تتصف بدقّة تصميم الخطوط وتداخلات الحبر والألوان، أو «كاي لوكلرك» الذي يستفيد من أسس علمية فسيولوجية لتجسيد المفاهيم التجريدية، تُثبت أن الفن اللبناني قادر على المنافسة والتميّز، حتى في ظل الصعوبات التسويقية.
على المستوى النقدي، ينبغي على المعارض والجهات الداعمة أن تضع الجودة والابتكار في صلب اهتمامها، وليس مجرد المردود التجاري. من المهم أن يتم توفير بيئة تسمح للفنانين بالتعبير الحرّ والنقد البنّاء، وتشجّعهم على تجربة تقنيات وأساليب جديدة، بعيداً عن ضغوط السوق الضيقة. كما يجب أن تتضافر الجهود بين المؤسسات الثقافية، الإعلام، والمهتمين بالفن، لتسليط الضوء على القضايا الفنية المهمة، وإعادة تشكيل وعي الجمهور بأهمية الاستثمار في الفن كقيمة ثقافية وحضارية.
بالإضافة إلى ذلك، على الفنانين أن يدركوا أهمية التكيّف مع حركة السوق بذكاء، دون التفريط في مبادئهم الفنية. فالفن الحقيقي قادر على بناء جسور بين الجمال والرسالة، بين الذات والموضوعية، مما يفتح له آفاقاً واسعة للتفاعل مع مختلف فئات الجمهور، محلياً وعالمياً. ويبقى الفن التشكيلي اللبناني ثروة ثقافية كبيرة، تمثل هويته وتاريخه، وتطرح رؤى مستقبلية عبر تعبيراتها الفنية المتنوعة. ومع كل التحدّيات التسويقية، فإن استمرار هذا الفن وتطوّره يتطلب تضافر الجهود لتوفير بيئة فنية صحية، توازن بين الإبداع والاقتصاد، وتكرّس دور الفن كعامل أساسي في بناء المجتمع والوعي الثقافي.

