تحفل بفيديوهات لاحتفالات مبالغ فيها بمراسم الطلاق التي كانت تتسم بالحزن والضبابية في الماضي
نشأنا في ثقافتنا وتقاليدنا وأعرافنا المغربية، وعلى مر التاريخ العريق، من شمال البلد وجنوبه، ومن شرقه ومن غربه، مع الامتداد لمغاربة المهجر، على أن أي علاقة زواج تبتدئ بحفلات الأفراح والمسرات والأعراس التي تختلف من قبيلة إلى أخرى، منها ما تواصل الاحتفال لسبع أيام بلياليها، ومنها ما تحتفل ليومين متتالين فرحا بالزواج الذي يترتب عنه توسيع العائلة وامتدادها. هذا دون الحديث على أن هذه التقاليد والأعراف يحافظ عليها مغاربة المهجر أينما كانوا، إلى درجة أن زواج مغاربة المهجر، وحتى ولو كان خارج أرض الوطن، لابد أن يمر باحتفالات وطقوس وتقاليد وأعراف مغربية قحة، حفاظا على إرثنا ومكتسباتنا وثقافتنا وتقاليدنا التي عشقها ويعشقها الأجانب بفضل تفردها وجماليتها وما تحدثه في النفوس والأرواح من مسرات.
إلى هنا الأمر عاد. لكن غير العادي والمثير للدهشة، أننا أصبحنا اليوم نشاهد ونتفرج على أشرطة فيديوهات توثق لحفلات طلاق. وهي حقيقة “ظاهرة” غريبة ربما بدأت في اقتحام مجتمعنا، ومن شأنها أن تهدد في المستقبل تماسك الأسر إن عاجلا أو أجلا، رغم أن الاحتفال بالطلاق يوجد بين بعض القبائل، لكن ليس بهذه الأشكال التي أصبحت اليوم تجتاح مجتمعنا.
حلوى الطلاق
النساء اليوم أصبحن يقمن حفلات بانتهاء مراسم الطلاق على نحو مبالغ فيه، فيحضرن حلوى خاصة بالمناسبة، أو قد يحجزن في فندق لإعلان الانفصال رسميا، ومنهن من تشارك صديقاتها وقريباتها في حفلات بفضاءات عمومية تحت شعار “أنا حرة” أو “تحررت”، بعد أن كانت أجواء الطلاق في الماضي القريب، متسمة بالحزن والضبابية التي تنتظر المطلقة، التي تصبح أكثر فقدانا لهامش من حريتها، مثلما تصبح تحركاتها محط رقابة من الأهل والمجتمع، كما كانت المطلقات غير العاملات، يلازمن منازل أسرهن في انتظار عريس آخر يقيهن عوادي الزمن ونظرات الغير.
وكانت المتزوجة تعيش حرية مشروعة، بعد أن ترفع عنها رقابة الشقيق والأب والخال والعم وهلم جرا، لتصبح تحت عهدة زوج تعيش معه هامشا من الحرية بعد أن تتقلص الرقابة حولها بشكل كبير جدا، في الوقت الذي كان هامش حرية المرأة المطلقة أكثر ضيقا. أما اليوم، ومع ما أصبحنا نعيشه من مستجدات حملتها لنا العوالم الافتراضية وما وراء الشاشات، تغيرت القيم وتغيرت العلاقات الاجتماعية، وما كان مرفوضا بالأمس أصبح اليوم مقبولا.
تحول ثقافي واجتماعي
بالأمس القريب، كان الطلاق عيبا وكانت الخلافات الزوجية تحسم بشكل تشاركي عائلي، ودي وحبي. وتزداد العلاقة تماسكا بعدها. وكان بين ثنايا التدخلات التوبيخ لكلا الطرفين وتقديم دروس الإرشاد والنهي والنصيحة، لتستمر العلاقة الزوجية بعد ذلك وقد تتغير إلى الأفضل بتنازل كلا الطرفين عما كانا متشبثان به وتسبب في الخلاف بينهما، قبل أن يعيد تدخل المقربين الأمور إلى نصابها ويرأب الصدع لتستمر الحياة الزوجية ويكثر النسل.
اليوم، تنظيم حفلات الطلاق ونشرها عبر مواقع التواصل أصبح يشكل تحولا ثقافيا واجتماعيا ليس بالهين، فبعدما كان الطلاق دليلا على فشل علاقة، تحول إلى فرصة للتحرر والعيش في انطلاق بالنسبة للطرفين، اللذان يصبح بإمكانهما القيام بما يرغبان فيه بكل حرية وبدون قيود أو مساءلة اجتماعية أو أسرية.
ورغم أن ظاهرة الاحتفال بالطلاق ليست وليدة اليوم، إذ كانت المرأة في بعض القبائل بالمغرب تحتفل بطلاقها في جو احتفال رمزي صغير وسط الأسرة، بدون أي نظرة دونية لها قد تكون لها عواقب نفسية وصحية واجتماعية عليها، لكن لم تكن موضوع فرجة للعموم كما أصبحت اليوم حفلات الطلاق منتشرة بشكل ملفت عبر مواقع التواصل الاجتماعي.

