إذا سألت متخصصا فى الموسيقى أو حتى مجرد مستمع عادى عن أفضل أساطين الغناء الشعبى فى القرن العشرين، لا بد أنهم سوف يجمعون على اسم واحد هو المطرب الراحل محمد عبدالمطلب، الذى أعطى للغناء الشعبى كثيراً من الاحترام ونقله من مرحلة الارتجال القائم على أداء الموال فى القرى والنجوع وعلى حواف الترع والمصارف إلى مرحلة الأغنية الشعبية ذات الملامح المحددة التى يستمع إليها جمهور عام عبر وسائل الإعلام أو من خلال الأسطوانات والأشرطة وكل الوسائل السمعية والبصرية المعروفة.
وقد شاءت المصادفات القدرية أن يشهد شهر أغسطس مولد هذا الفنان الكبير بقرية شبرا خيت بمحافظة البحيرة فى الثالث عشر منه عام 1910 وكذلك رحيله فى الحادى والعشرين من الشهر نفسه، ولكن بعد سبعين عاماً وبالتحديد عام 1980، وقد تلقيت فى هذه المناسبة دعوة كريمة ليست الأولى من نوعها من صالون «مقامات» التابع لصندوق التنمية الثقافية، أحد منافذ وزارة الثقافة المهمة فى تقديم الخدمة الثقافية للعامة بالمجان، كى أكون ضيف الندوة الاحتفائية بمناسبة مرور مائة وخمسة عشر عاماً على مولد «أبونور» سلطان الطرب محمد عبدالمطلب، وخمسة وأربعين عاماً على رحيله، هذا الصالون الذى يتم بالتعاون مع إذاعة البرنامج الثقافى وتشرف عليه منذ سنوات بدأب وإخلاص نادرَين الإعلامية الكبيرة دكتورة إيناس جلال الدين مدير عام الموسيقى والغناء بالإذاعة المصرية، ويستضيفه قصر الأمير باشتاك بشارع المعز تحت إدارة الأستاذ الدكتور علاء فتحى الأستاذ بأكاديمية الفنون ووكيل المعهد العالى للموسيقى العربية السابق وأحد أفضل رجالات وزارة الثقافة المعنيين بالحفاظ على تراثنا الموسيقى والحضارى.
وقد أسعدنى كثيراً انتباه وزارة الثقافة متمثلة فى صالون «مقامات» والدكتورة إيناس جلال الدين إلى تلك المناسبة المهمة، فعبدالمطلب ليس مجرد مطرب شعبى كما أسلفت وإنما هو العلامة الأبرز فى هذا الفن بما امتلكه من إمكانيات صوتية وقدرة فائقة على اجتذاب الآذان والأرواح، يكفى أن موسيقيّاً معروفاً مثل مصطفى بك رضا صاحب التاريخ الطويل فى خدمة فن الموسيقى العربية فى النصف الأول من القرن العشرين الذى لم يكن يرضى بسهولة عن أى صوت غنائى، كان يردد أن أربعة فقط من بين كل الأصوات المعروفة هم الذين يستحقون لقب مطرب، أحدهم هو محمد عبدالمطلب، أما الثلاثة الباقون فهم أم كلثوم ومحمد عبدالوهاب وصالح عبدالحى، فأى مكانة سامقة كان يتمتع بها «عبدالمطلب»؟ وأى قيمة كبيرة اقترنت باسم هذا الرحل الذى لا تزال أغنياته حاضرة فى نفوسنا رغم مرور خمسة وأربعين عاماً على رحيله؟ ولمَ لا وهو من أشهر وأفضل من قدّم لنا أغنيات المناسبات المتغلغلة فى صميم الشخصية المصرية الشعبية؟ يكفيه أنه صاحب أغنيات مثل: رمضان جانا، تسلم إيدين إللى اشترى، قلت لابوكى عليكى وقاللى، وغيرها الكثير.
و«عبدالمطلب» نبت مصرى أصيل ابن طين هذا البلد، نشأ بين خضرة غيطانها، وحفظ القرآن الكريم فى كُتاب القرية، وورث جمال الصوت عن والده الذى كان يؤذن للصلاة فى مسجد القرية ووجد إخوته وقد حصلوا على قدر جيد من التعليم، فجمع بين حلاوة الصوت ونضارة الإحساس من جانب، وبين مستوى معقول من الثقافة من جانب آخر أهّله للارتقاء لاحقاً بمفردة الأغنية الشعبية، والأهم من هذا وذاك إيمانه المطلق بموهبته ومثابرته من أجل الوصول إلى ما وصل إليه، فلم يكن المشوار سهلاً لكنه تحلَّى بالصبر والإصرار على إسماع صوته للناس، تخيلوا أن طفلاً صغيراً لم يكن قد تجاوز الخامسة عشرة من عمره يذهب إلى بيت الأمة بصحبة شقيقه الأكبر ويصر على أن يُسمع صوته للزعيم سعد زغلول وزوجته السيدة صفية، فيُثنى عليه الرجل ويمنحه مكافأة عبارة عن جنيه من جنيهات منتصف عشرينيات القرن الماضى، فيضم هذا الجنيه إلى ما لديه من مال ويذهب به إلى الموسيقار الكبير داوود حسنى ويلقى بماله فى حجر الموسيقار الكبير ويطلب منه أن يعلمه أصول الموسيقى والغناء، وحينما كان «طلب» يعجز عن أداء دور أو طقطوقة يطلب منه داوود حسنى ذلك الموسيقار اليهودى أن يصعد مئذنة المسجد ويؤذن فى الناس حتى يستقيم صوته، وعندما شعر أنه بات مؤهلاً للاحتراف ذهب إلى الموسيقار محمد عبدالوهاب فى بيته بحى الظاهر وطلب منه أن يكون أحد أفراد بطانته، وهو ما وافق عليه الموسيقار الكبير ليصبح ابن السابعة عشرة من أشهر المذهبجية بفضل عمله مع الموسيقار عبدالوهاب لمدة ست سنوات.
وعندما افتتحت الإذاعة المصرية إرسالها فى مايو 1934 كان «عبدالمطلب» مؤهلاً ليكون الصوت الشعبى الأول دون أن يخلو الأمر من بعض الأسماء التى لم تصمد طويلاً فى المنافسة، ومع مرور السنوات فتحت له مسارح عماد الدين أبوابها ورحّبت به السينما مطرباً وممثلاً واستقبلته كل الدول العربية وبعض الدول الأوروبية باعتباره سفيراً لفن الغناء الشعبى المصرى والعربى، ولقى تكريمات عديدة كان يستحقها بكل تأكيد.
إن مشوار محمد عبدالمطلب يحمل تجربة إنسانية عظيمة يجب أن تظل أمام أعيننا وأن يناله من الإضاءة والاحتفاء والتكريم ما يليق بتلك البصمة المهمة التى تركها فى فن الغناء العربى، فكل الشكر لصالون «مقامات» وللدكتورة إيناس جلال الدين، وأدعوها للاستمرار فى الالتفات إلى من لم يأخذوا حظهم الكافى من الاهتمام والتقدير، وهم كُثر بكل تأكيد.

