في خطوة تهدف إلى معالجة التدهور الاقتصادي المتسارع، أعلنت لجنة الطوارئ الاقتصادية برئاسة رئيس الوزراء الانتقالي الدكتور كامل إدريس، يوم الأربعاء، عن حزمة من عشرة قرارات جديدة تستهدف ضبط الأداء المالي وتعزيز استقرار سعر صرف الجنيه السوداني، الذي يواصل تراجعه منذ اندلاع الحرب في أبريل 2023، حيث بلغ سعر صرف الدولار في السوق الموازي يوم الخميس نحو 3400 جنيه، بزيادة تجاوزت 700 في المائة مقارنة بالفترة التي سبقت النزاع.
القرارات التي صدرت عن اللجنة شملت منع استيراد السلع دون استيفاء الضوابط المصرفية، وتفعيل دور قوات مكافحة التهريب، إلى جانب متابعة الصادرات للحد من تهريب الذهب، وحصر عمليات شراء وتسويق الذهب في جهة حكومية واحدة. كما تضمنت إنشاء منصة رقمية لمتابعة حركة الواردات، ومراجعة السياسات المتعلقة بالصادرات والجبايات غير القانونية، فضلاً عن إعادة النظر في قرار مجلس الوزراء رقم 154 الخاص بتنظيم استيراد السيارات، وضبط عمليات الاستيراد غير المقنن عبر الموانئ والمعابر الحدودية.
ورغم الطابع الشامل للإجراءات، قلل عدد من الخبراء والمحللين الاقتصاديين من جدواها، معتبرين أنها لا تمثل تحولًا نوعيًا في معالجة الأزمة، بل تكرارًا لتجارب سابقة لم تحقق نتائج ملموسة. وفي هذا السياق، وصف الكاتب الصحفي والمحلل الاقتصادي الدكتور خالد التجاني القرارات الأخيرة بأنها إعادة إنتاج لسياسات فشلت في الماضي، مشيرًا إلى أن فكرة تشكيل لجنة طوارئ اقتصادية ليست جديدة، وقد تم تطبيقها في عهد الرئيس السابق عمر البشير، وكذلك خلال فترة الحكومة الانتقالية بقيادة محمد حمدان دقلو “حميدتي”، دون أن تؤدي إلى تحسن فعلي في المؤشرات الاقتصادية.
وأوضح التجاني أن الاقتصاد السوداني يعاني من أزمات متكررة يتم التعامل معها بوصفات تقليدية غير فعالة، مؤكدًا أن غياب برنامج اقتصادي واضح يعكس حالة من التخبط وغياب الرؤية لدى الحكومة. وانتقد الاعتماد المفرط على الذهب كمصدر وحيد للدخل، مشيرًا إلى فشل محاولات احتكاره في السابق، وداعيًا إلى تنويع مصادر الإيرادات عبر تنشيط القطاعات الزراعية والحيوانية، وتشجيع الصادرات للحد من العجز التجاري. كما أرجع التضخم وتدهور القوة الشرائية إلى زيادة السيولة الناتجة عن طباعة النقود لتغطية العجز في الموازنة، إضافة إلى الإنفاق الحكومي المفرط وانتشار الفساد.
وشدد التجاني على ضرورة تبني برنامج اقتصادي طويل الأجل يستند إلى سياسات نقدية ومالية متكاملة، مع اتخاذ إجراءات مرحلية تستهدف الفئات الأكثر هشاشة من خلال شبكات دعم اجتماعي، إلى جانب ترشيد الإنفاق الحكومي وتبني سياسات تشجع الإنتاج المحلي والصادرات وتحد من الواردات.
وفي السياق ذاته، انتقد الخبير الاقتصادي الدكتور هيثم فتحي القرارات الحكومية الأخيرة، واصفًا إياها بأنها “قديمة متجددة” ولا تتناسب مع حجم التحديات التي يواجهها الاقتصاد السوداني في المرحلة الراهنة. وأشار إلى أن بعض الإجراءات ذات طابع إداري وأمني، وهو ما لا يسهم في معالجة جذور الأزمة، لافتًا إلى أن قرار احتكار تسويق الذهب عبر جهة واحدة تم تجريبه سابقًا دون نتائج تُذكر، خاصة وأن نحو 80 في المائة من إنتاج الذهب يأتي من التعدين الأهلي غير المنظم، الذي يصعب ضبطه بسبب اتساع مناطق الإنتاج وصعوبة مراقبة العاملين فيها.
وأوضح فتحي أن الحل يكمن في تحديد سعر عادل للذهب يتماشى مع الأسعار العالمية، وإنشاء بورصة سودانية تعمل بشفافية وعدالة، بما يسهم في تقليص عمليات التهريب، خاصة وأن السودان يتمتع بمساحات شاسعة وحدود برية وبحرية وجوية يصعب التحكم فيها بالكامل. كما أشار إلى بعض الجوانب الإيجابية في القرارات، لا سيما تلك المتعلقة بتنظيم عمليات الصادر والوارد، معتبرًا أن استجابة الحكومة لمطالب المصدرين والمستوردين قد تعيد بناء الثقة معهم وتُعزز دورهم في دعم الاقتصاد الوطني.
ودعا فتحي إلى عقد اجتماع خاص مع غرفة المصدرين والمستوردين لمناقشة التحديات التي تواجههم، مشددًا على أهمية التنسيق بين السياسات المالية والنقدية لضمان تكاملها، بدلًا من التركيز على جانب واحد، حتى تتمكن الحكومة من تحقيق أهدافها الاقتصادية.
من جانبه، أكد رئيس الوزراء الدكتور كامل إدريس أن الإجراءات التي أُقرت مؤخرًا تهدف إلى إنعاش الاقتصاد الوطني وتعزيز استقرار العملة المحلية، مشيرًا في حوار مشترك مع وكالة السودان للأنباء والإذاعة والتلفزيون إلى أن مكافحة تهريب الذهب والموارد الطبيعية تمثل خطوة محورية نحو توفير إيرادات كبيرة كانت تُهرّب خارج البلاد بطرق غير قانونية، وهو ما من شأنه دعم الخزينة العامة وتحسين أداء الاقتصاد.
ودعا إدريس جميع الجهات الرسمية والشعبية، إلى جانب المواطنين، إلى التعاون الكامل مع الدولة في تنفيذ هذه السياسات، مؤكدًا أن تكاتف الجهود يمثل الأساس لتحقيق الاستقرار الاقتصادي المنشود في ظل الظروف الاستثنائية التي تمر بها البلاد.

