يتبع عملاق الطاقة البرازيلية المملوكة للدولة “بتروبراس” معادلة بسيطة لمواجهة تخمة المعروض في سوق النفط العالمي، ألا وهي: ضخ المزيد من الخام.
قالت الرئيسة التنفيذية للشركة، ماغدا شامبريار، في مقابلة مطولة أُجريت يوم الجمعة في مقر الشركة في ريو دي جانيرو: “حتى المشاريع الأقل ربحية تظل مربحة طالما بقي سعر النفط فوق 45 دولاراً للبرميل، فلا جدوى من التراجع”. وأضافت أن “بتروبراس” ستحافظ على وتيرة النمو السريعة التي سجلتها هذا العام حتى 2026، وربما تنمو بوتيرة أسرع.
سجلت الشركة إنتاجاً في الربع الثاني بلغ 2.3 مليون برميل يومياً، بزيادة 7.6% عن الفترة نفسها من العام الماضي، وتواصل إدخال آبار جديدة إلى الخدمة خلال النصف الثاني من هذا العام.
قالت شامبريار: “ما يُحدث الأثر الأكبر بالنسبة لنا هو زيادة الإنتاج. هذا يعزز التدفقات النقدية للشركة بشكل كبير”.
لكن هذه التصريحات قد تزيد من التشاؤم في الأسواق العالمية، إذ تراجع سعر النفط بنحو 9% منذ بداية العام بسبب مخاوف من أن الرسوم الأميركية ستؤثر سلباً على النمو الاقتصادي، تزامناً مع استئناف الإنتاج المؤجل من “أوبك+”، ما يزيد احتمالات تخمة المعروض بعد انتهاء ذروة الطلب الصيفي في أميركا.
مشروعات النفط في أعماق البحر
غالباً ما تواصل الشركات المتخصصة في التنقيب داخل أعماق البحار، مثل “بتروبراس”، تنفيذ خطط التوسع في إنتاج النفط رغم التقلبات قصيرة الأجل في أسعار الخام. ولا تعتزم شركة “إكسون موبيل” التباطؤ في مشروعها البحري قبالة سواحل غيانا. وتُعد كل من البرازيل وغيانا من أبرز مصادر نمو إنتاج النفط خارج “أوبك+”.
تكلّف وحدات الإنتاج العائمة المستخدمة في هذه المشاريع البحرية مليارات الدولارات من حيث الإنشاء والتشغيل، لذا فإن تحقيق إيرادات أقل من المتوقع يُعد أفضل من التوقف التام. وفي المقابل، غالباً ما يعمد المنتجون البريون في أميركا إلى تقليص الإنتاج عند انخفاض الأسعار لتجنّب التشغيل بخسارة.
ولتوضيح مدى أولوية “بتروبراس” في زيادة الإنتاج، أوضحت شامبريار أن الشركة بدأت بإجراء أعمال الفحص على وحدات الإنتاج وهي لا تزال في طريقها إلى البرازيل، بما يتيح لها بدء التشغيل وتحقيق الإيرادات قبل الموعد بعدة أسابيع.
إنتاج “بتروبراس” من النفط
كشفت شامبريار أن إحدى وحدات الإنتاج العائمة، المعروفة باسم “إف بي إس أو” (FPSO)، في طريقها حالياً إلى البرازيل، بينما ستغادر وحدة أخرى حوض بناء السفن في كوريا الجنوبية في أكتوبر المقبل.
ستُسهم هاتان المنصتان في رفع إنتاج حقل “بوزيوس” العملاق إلى ما يتجاوز مليون برميل يومياً، وهو ما يُتوقع أن يحدث في أواخر 2025 أو مطلع 2026. ويُعد هذا الحقل أكبر اكتشاف نفطي في تاريخ البرازيل، وقد تجاوز إنتاجه 900 ألف برميل يومياً خلال هذا الشهر.
وترى شامبريار أن أسعار النفط ستظل عند مستوياتها الحالية أو قد تتراجع قليلاً في عام 2026، لكنها غير مقتنعة تماماً بالتوقعات المتزايدة التي تشير إلى تحسّن الأسعار في عام 2027.
أضافت ممازحةً: “القاسم المشترك بين كل هذه التوقعات هو أنها خاطئة”.
خطط “بتروبراس” المستقبلية
قالت شامبريار إن استثمارات “بتروبراس” في مجال الاستكشاف ستتقلص في خطة الإنفاق الخمسية المقبلة، وذلك استجابة لانخفاض أسعار النفط. وتخطط الشركة لحفر عدد أقل من الآبار في منطقة بحرية تُعرف بـ”الهامش الاستوائي”، وتضم خمس أحواض جيولوجية.
على مدى سنوات، ترددت الجهات التنظيمية البيئية في منح التصاريح اللازمة لاستكشاف هذه المنطقة الحساسة بيئياً. غير أن السلطات منحت في وقت سابق من هذا الشهر إذناً لـ”بتروبراس” بإجراء تدريبات للاستجابة للطوارئ في المنطقة، وهو ما يُعد خطوة حاسمة على طريق بدء الحفر. وتعتبر شامبريار هذه المنطقة “حاسمة” بالنسبة لمستقبل الشركة. وتشير الخطة الحالية إلى استثمار 3 مليارات دولار لحفر 15 بئراً حتى عام 2029.
أضافت: “لن نلتزم بنفس حجم الاستثمار”، مشيرة إلى أن خطط الاستكشاف في الخارج ستخضع هي الأخرى لمراجعة دقيقة.
امتنعت شامبريار عن الكشف عن تفاصيل خطة الإنفاق للفترة 2026-2030، مشيرة إلى أن النقاشات لا تزال جارية، لكنها أكدت أن العودة إلى قطاع الإيثانول تُعد أولوية قصوى للشركة.
تجري “بتروبراس” حالياً محادثات مع كبار منتجي الوقود الحيوي لتأسيس مشروع مشترك، بهدف التحوّط من تراجع الطلب على البنزين في ظل التحول العالمي نحو مصادر الطاقة النظيفة. وعند سؤالها عن احتمال الشراكة مع شركة “رايزن” (Raízen)، قالت: “لا يمكن استبعاد أي خيار في هذه المرحلة”.
كما أعلنت الشركة مؤخراً عن عودتها لتوزيع غاز الطهي، في حين أن العودة إلى نشاط بيع البنزين والديزل بالتجزئة مؤجلة حتى عام 2029، وهو موعد انتهاء اتفاقية عدم المنافسة مع شركة “فيبرا” (Vibra)، التي خرجت منها “بتروبراس” في عام 2021. واعتبرت شامبريار أن إعادة شراء “فيبرا” ستكون “باهظة الثمن”، بسبب بند “الحبة السامة” الموجود في النظام الأساسي للشركة.
اكتشاف “بي بي”
وصفت شامبريار إعلان شركة “بي بي” البريطانية عن اكتشاف “بوميرانغي” في منطقة بحرية تُعرف بطبقة ما قبل الملح بأنه تطوّر مشجّع، لكنها استبعدت أن يكون الاكتشاف بمستوى الحقول العملاقة التي عثرت عليها “بتروبراس” في نفس المنطقة مطلع هذا القرن.
وقالت: “قد يكون اكتشافاً كبيراً، لكنه لن يكون بمستوى (بوزيوس) أو (توبي)”، في إشارة إلى أكبر حقلين نفطيين في البرازيل. ومع ذلك، أكدت أن اكتشاف “بي بي” “مفيد للجميع، وللبرازيل أيضاً”.
أشارت أيضاً إلى أن حقل “بوزيوس” يُتوقع أن يصل إلى ذروة إنتاجه عند 1.5 مليون برميل يومياً بحلول نهاية العقد، وقد يصل إلى مليوني برميل يومياً. كما تخطط “بتروبراس” لإعادة رفع إنتاج حقل “توبي” إلى نحو مليون برميل يومياً.
الانبعاثات وآفاق التكنولوجيا
أعلنت “بي بي” أن أحد التحديات الرئيسية في تطوير “بوميرانغي” يتمثل في المستويات المرتفعة من ثاني أكسيد الكربون، وهو ما اعتبره خبراء القطاع أكبر المخاطر التي قد تعيق تطوير الحقل.
لكن شامبريار أوضحت أن الحقول البحرية في البرازيل لا تزال قادرة على تحقيق الربحية حتى عند وجود نسب من ثاني أكسيد الكربون تصل إلى 40% أو 45%، وأعربت عن تفاؤلها بأن التطورات التكنولوجية ستُسهم مستقبلاً في جعل بعض الاكتشافات مثل حقل “جوبيتر” قابلة للتطوير تجارياً. وأشارت إلى أن مشروع “ميرو”، الذي يحتوي على نحو 40% من ثاني أكسيد الكربون، يُعد “حقلاً ممتازاً”.
وفي حال ثبُتت الجدوى التجارية لاكتشاف “بوميرانغي”، فقد يُسهم ذلك في إحياء حملات الاستكشاف في منطقة ما قبل الملح على نطاق أوسع، خاصة وأن معظم الحقول الكبرى التي تُنتج حالياً أو في طريقها للإنتاج، تم اكتشافها قبل أكثر من عقد، ويُتوقع أن يبدأ إنتاج المنطقة بالانخفاض مع نهاية هذا العقد.
يُذكر أن “بتروبراس” لم تتقدّم بعروض للحصول على امتيازات في هذه المنطقة خلال آخر جولة ترخيص حكومية، وفضلت بدلاً من ذلك التوجه نحو مناطق قليلة الاستكشاف قرب خط الاستواء شمال البرازيل، وأخرى قرب الأوروغواي في الجنوب.

