كتبت _ أميرة السمان
قالت وهيبة صالح، كبيرة الباحثين ومديرة عام بالمجلس الأعلى للآثار، إن الموسيقى والرقصات النوبية تتميز بسحر خاص يأسر القلوب ويخطف الأبصار، حتى لمن لا يفهم لهجتها أو يمتلك معلومات وافية عن تراثها، موضحة أنها لغة تتجاوز الكلمات، لتصل مباشرة إلى الوجدان عبر إيقاعات غنية وانسيابية فريدة.
وأضافت “صالح”، أنه لا يمكن فصل الموسيقى عن الهوية النوبية، فهي جزء أصيل من نسيج الحياة اليومية، ويميل النوبيون إلى الغناء والموسيقى بشكل فطري، وتعتبر هذه الفنون وسيلتهم للتعبير عن الفرح والسعادة، وفي الأفراح النوبية تسيطر حالة من البهجة الجماعية حيث يتحول الجميع إلى راقصين، فلا تجد كراسي للمدعوين، فالجميع من شيوخ وشباب ونساء وأطفال يرقصون ويشاركون في الاحتفال.
وأوضحت أنه يعتمد الكثير من الموسيقى النوبية على السلم الخماسي، الذي يمنحها طابعًا مميزًا، ومن أبرز الآلات الموسيقية المستخدمة هو الطمبور، وهو الآلة الجد الأكبر للسمسمية، ويُصنع من جلد الحيوان وتُشد عليه الأوتار، مشيرة إلى أن شغف النوبيين بالموسيقى يصل إلى درجة أن البعض يصنع آلاته بنفسه، مثلما فعل أحد الآباء الذي قام بصنع طنبور خاص به، ليعزف عليه ألحانًا تعبر عن حنينه الدائم.
ولفتت إلى أنه رغم طابعها الإيقاعي الذي يدعو للرقص، إلا أن الأغاني النوبية تحمل في طياتها الكثير من الشجن والحنين، وغالبًا ما تدور كلمات الأغاني حول الحنين إلى النوبة القديمة والرغبة في العودة إليها، وحتى في المقدمات الموسيقية الصاخبة التي تلهب الحماس، نجدها تحمل طابع الموال النوبي، الذي يتغنى بجمال النوبة ويحلم بعودتها، موضحة أن هذا المزيج من الفرح والشجن هو ما يمنح الموسيقى النوبية عمقًا خاصًا، فهي ليست مجرد أغانٍ للترفيه، بل هي مرآة تعكس هوية شعب، وتاريخًا مليئًا بالذكريات، وحلمًا دائمًا بالعودة إلى الجذور.
وقالت، إن الشعب النوبي يُعرف بحفاظه الشديد على السلام والسلم المجتمعي، وهي قيمة متأصلة في ثقافتهم، ففي زمن تضج فيه وسائل التواصل الاجتماعي بالخلافات والمحتوى المسيء، يبرز النوبيون كقدوة في الانضباط والرقي، ونادرًا ما تجد فيديو مسيئًا أو تصرفًا غير لائق يصدر عن شاب أو فتاة نوبية، وهذا يعود إلى قوة أعرافهم وتقاليدهم التي تمنع أي خروج عن المألوف.
وأضافت “صالح”، أن هذه الأعراف تُعد بمثابة صمام أمان للمجتمع، حيث لا مجال فيها للتفاخر أو التباهي بما قد يثير الانقسام، فعلى سبيل المثال في مسألة تجهيز العروس، يتم الالتزام بضوابط محددة (كالدبلة والخاتم) حتى لو كان العريس مقتدرًا ماديًا، وذلك لمنع خلق حالة من التفاوت الاجتماعي، وهذه القواعد الصارمة هي التي تحافظ على خصوصية المجتمع النوبي وتماسكه.
وأوضحت أنه على الرغم من الحب والتقدير الذي يكنه المصريون للنوبيين، إلا أن هناك قصورًا واضحًا في إدراك حجم التضحية التي قدمها هذا الشعب، فعملية التهجير الكبرى، التي تمت من أجل بناء السد العالي، لم تُفهم بعمق كافٍ، ولم يدرك الكثيرون معنى أن يُقتلع إنسان من جذوره التي تمتد لآلاف السنين على ضفاف النيل.
وأشارت إلى أنه ضحى النوبيون بكل ما يملكون من أجل الوطن، ولكن ألم التهجير لا يزال حاضرًا في وجدانهم، وهذا الشعور العميق بالارتباط بالنيل والمكان هو إحساس وراثي يتناقله الأجيال، وعلى الرغم من محاولات العودة التي تمت في عهد الرئيس الراحل أنور السادات، إلا أن الحلم لم يكتمل بالصورة التي تمناها النوبيون، مؤكدة أنه تتعدد التحديات التي تواجه النوبيين اليوم في الحفاظ على هويتهم الفريدة، فبعد أن كانوا يعيشون في قرى منغلقة على نفسها (45 قرية نوبية)، أصبحوا اليوم في مجتمع مفتوح بعد التهجير، مما جعلهم عرضة لتأثيرات خارجية لم تكن موجودة في السابق.
وأكدت أن النوبة تنقسم إلى مجموعتين رئيسيتين: الفادجيكا، والكنوز (الماتوكية)، ولكل منهما لغته الخاصة، ولكن عاداتهم المشتركة توحدهم، حتى الرقص يختلف بينهما؛ فرقص الفادجيكا يتميز بإيقاع هادئ يحاكي موج النيل، بينما رقص الماتوكية (المعروف بالهولي) يتميز بحركة أسرع وحيوية أكبر، ومع ظهور السوشيال ميديا ووسائل الإعلام المفتوحة، يواجه النوبيون تحديًا كبيرًا في حماية تراثهم ولغتهم وتقاليدهم من التغيير. إنها معركة مستمرة للحفاظ على هوية عريقة في وجه عالم دائم التطور.
وقالت مديرة عام بالمجلس الأعلى للآثار، إنه لطالما كان الشعب النوبي حاميًا للوطن وبانيًا للحضارات، من أيام الفراعنة وحتى رحلة بناء السد العالي، وهذه الرحلة إلى “أرض الذهب” ليست فقط استعراضًا للتاريخ والتراث، بل هي تأكيد على الدور الوطني الذي يلعبه النوبيون كجزء لا يتجزأ من النسيج المصري.
وكشفت “صالح”، عن سحر النوبة الذي يبدأ حتى قبل الوصول إليها، فمن نافذة القطار، يتغير لون النيل إلى الأزرق الصافي، وتصطف على ضفتيه أشجار النخيل، مشكلةً لوحة فنية هي بمثابة عنوان للنوبة، هذا الارتباط بالنيل ليس مصادفة، فالنوبيون شعب نيلي بامتياز، نشأت حضارته على ضفاف النهر الخالد، ووصفت البيوت النوبية بأنها متحف مفتوح، فبياض جدرانها ليس عاديًا، بل مزين برسومات تحكي قصصًا وحكايات، وهناك تجد رسومات للطيور، أو أشكالًا هندسية ونباتية، وحتى مشاهد من حياة أصحاب البيوت، مثل رحلة الحج.
وأوضحت أن كل بيت في النوبة يحمل بين جدرانه قصة وحكاية، مما يجعل الزائر يشعر أنه في رحلة عبر الزمن والتراث النوبي العريق، جاء ذلك خلال لقائها مع الإعلامي إيهاب حليم، ببرنامج “صدى صوت”، المذاع على قناة “الشمس”.
نسخ الرابط
تابعنا عبر أخبار جوجل

