في قاعة متواضعة بالنادي النسائي الوحيد بالمدينة المنورة شمال غربي السعودية، يتردد صوت ضربات الأقدام على الأرضية المطاطية. لا توجد منصات تتويج ولا مدرجات للجماهير، فقط شغف يتكئ على الإرادة. هناك تحاول نوال قنوني أن تزرع ما ورثته من بلادها تونس، حلم رياضة بدأت من لا شيء، وهي تسعى إلى المساهمة في صناعة جيل للرياضة التي بدأت تتوسع شعبيتها يوماً بعد يوم في بلد بدأت رياضته النسائية تعانق عنان العالمية.
وبحسب إحصاءات الاتحاد السعودي للتايكوندو هناك 118 لاعبة مستجدة ومتقدمة في المنطقة تتدرب جميعهن تحت إشراف المدربة التونسية نوال، وهي المدربة الوحيدة المعتمدة في المدينة المنورة، وهو ما جعل من قنوني المدربة المؤسسة لجيل يحلم في معانقة الأحزمة والبطولات.
قنوني، التي تحمل الحزام الأسود (4 دان) وتبلغ 37 سنة هي ابنة لواحد من مؤسسي رياضة “التايكوندو” في تونس، وهو عبدالمجيد قنوني الذي يحمل الحزام الأسود (7 دان)، وهو لا يزال حتى اليوم يمارس التدريب والتحكيم الدولي في سن الـ73 سنة.
نشأت نوال في بيت كان التايكوندو فيه جزءاً من الحياة اليومية، تقول بابتسامة هادئة، “منذ أن أدركت معنى الحياة، كان والدي يأخذني إلى البطولات”. وتقول، “لا أبحث فقط عن التدريب، بل عن صناعة بطلة، وهذا يحتاج إلى بيئة كاملة من منافسات ودعم، وهو ما نفتقده حتى الآن على رغم أننا نشارك في البطولات خارج أسوار المدينة المنورة وهذه نقطة إيجابية مهمة”.
حراك الإناث وشغفهن
على رغم ذلك لم تستسلم، فمنذ وصولها إلى السعودية قبل 17 عاماً، دربت نحو 500 لاعبة، وقدمت محاضرات تدريبية مجانية، كان آخرها هذا العام بحضور 45 لاعبة.
في كلماتها ثبات يشبه خطوات مقاتلي التايكوندو، “صبر طويل، وإيمان بأن الشرارة الصغيرة يمكن أن يصنعا إنجازاً عظيماً”.
بحسب الاتحاد السعودي لرياضة التايكوندو في حديث إلى “اندبندنت عربية” تشهد رياضة التايكوندو النسائية في المدينة المنورة حضوراً متزايداً، حيث بلغ عدد اللاعبات المنتسبات للعبة نحو 118 لاعبة ما بين مستجدات ومتقدمات، تحت إشراف مدربة واحدة فقط.
وتراوح أعمار اللاعبات ما بين 6 سنوات و37 سنة، ما يعكس تنوع الفئات العمرية واهتمام شريحة واسعة من الفتيات والسيدات بممارسة هذه الرياضة.
نادي سافن
أما على صعيد الأندية يعد نادي سافن الرياضي الجهة النسائية الوحيدة التي توفر التايكوندو في المدينة المنورة، في وقت لم تسجل فيه حتى الآن أي بطولات نسائية محلية داخل المنطقة.
هذا الواقع يثير تساؤلات حول مستقبل اللعبة للنساء في المدينة المنورة، وأهمية إقامة منافسات داخلية لصقل مهارات اللاعبات وتطوير مستواهن الفني.
دكتورة جامعية واكتمال المعادلة
وعلى الجهة الأخرى من القاعة، تقف فتون كدوان، وهي دكتورة جامعية، تحمل قصتها الخاصة. ففي عام 2019، وبينما كانت تكمل دراستها الأكاديمية في كندا، جربت شتى فنون القتال: الكيك بوكسينغ، والملاكمة التايلاندية، والكاراتيه، حتى وجدت في التايكوندو اكتمال المعادلة.
تقول فتون في ظهورها الإعلامي الأول، “الفوز في النزال يجعلني أشعر أنني قادرة على غزو العالم”.
كدوان (37 سنة) ليست مجرد هاوية. فقد فازت بالميدالية الفضية في أول بطولة سعودية للتايكوندو عام 2025 وكانت تمثل نادي الانطلاق بمنطقة الجوف شمال البلاد، على رغم أنها لم تحصل سوى على أربعة أيام للتحضير بسبب مشاركتها السابقة في بطولة كاراتيه. الإنجاز لم يكن مجرد ميدالية، بل إعلان عن حضور نسائي قادر على المنافسة.
تؤكد مدربة “الكيك بوكسينغ” كدوان أن الرياضة بالنسبة إليها تتجاوز حدود البطولات، “الآباء يسجلون أبناءهم في التايكوندو ليس من أجل الكؤوس، بل ليمنحوهم قوة لمواجهة التنمر في المدارس على سبيل المثال”. وتضيف، “حتى الأطفال الذين يفتقدون التوافق العصبي العضلي نقبلهم، الهدف الأسمى هو بناء الثقة بالنفس”.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
الحلم والعثرات
في المدينة المنورة تبدو الصورة متناقضة. حماسة كبيرة من اللاعبات، لكن قاعة وحيدة بلا بطولات رسمية. بعض الفتيات انسحبن بسبب كلف النقل أو الاشتراكات، لا لغياب الشغف. وعلى رغم ذلك، يظل الحلم أكبر من العثرات.
بالنسبة إلى قنوني وكدوان التايكوندو ليس مجرد رياضة. إنه طريقة للعيش، وللتعلم من الخسارة كما من الفوز. نوال ترى فيه امتداداً لإرث والدها، وفتون تجده ملاذاً لتفريغ ضغوط الحياة الأكاديمية والشخصية. وبينهما، يقف جيل ناشئ من الفتيات السعوديات، يتعلمن أن القوة ليست في الركلات فحسب، بل في الثبات أيضاً.
كما بدأت الحكاية قبل نصف قرن في تونس، تبدأ اليوم من المدينة المنورة. تقول نوال بابتسامة لا تخلو من الأمل، “القاعة قد تكون صغيرة، لكن الحلم واسع، التايكوندو علمني الصبر، وأنا مؤمنة أن هذا الصبر سيصنع جيلاً جديداً هنا”.

