في مطلع العقد الثالث من القرن الحادي والعشرين، برزت إفريقيا كواحدة من أخطر مسارح تمدّد الحركات الجهادية عالميا. فبعد انحسار نفوذ “داعش” في معاقله التقليدية بالشرق الأوسط، وتحوّل القاعدة إلى تنظيم شبكي يقتات على هشاشة المناطق الطرفية، وجد كلاهما في القارة الإفريقية بيئة مثالية لإعادة التموضع والتمدد. من الساحل والقرن الإفريقي إلى نيجيريا وخليج غينيا، تتسع خارطة العنف بفعل فراغات الدولة وضعف المؤسسات، حيث تغيب الشرعية السياسية وتتآكل القدرات الأمنية، بينما تتوالى الانقلابات وتتفاقم النزاعات المحلية على الموارد.
تستفيد التنظيمات المتطرفة من هذه الظروف لتأسيس “دول ظل” موازية؛ تقدّم الحماية أو تفرض الابتزاز، توظّف الصراعات القبلية والعرقية، وتستغل الفقر والتهميش والبطالة كمداخل لتجنيد الشباب. هنا، لا يقتصر الأمر على سلاح “العقيدة” وحده، بل يمتد إلى التحالف مع شبكات الجريمة المنظمة عبر تجارة السلاح والتهريب والمخدرات، لتأمين مصادر تمويل مستدامة تجعل الإرهاب اقتصادا عابرا للحدود.
العلاقة بين “داعش” والقاعدة في إفريقيا تبدو معقّدة: فهي في أحيان كثيرة تنافس دموي على الشرعية والنفوذ، وفي مناطق أخرى تقاسم جغرافي وتكتيكي، حيث يستثمر “داعش” في بؤر جديدة كساحل بحيرة تشاد وشرق الكونغو، فيما تواصل القاعدة – عبر فروع لها، مثل “حركة الشباب” في الصومال وجماعة “نصرة الإسلام والمسلمين” في الساحل – تجذّرها محليا مع القدرة على التكيّف. هذا التشابك لا يعكس وحدة استراتيجية بقدر ما يعكس براغماتية في استغلال الجغرافيا والفراغات الأمنية.
الانعكاسات لا تتوقف عند حدود الداخل؛ فتمدد هذه الجماعات يهدد أمن الممرات البحرية الاستراتيجية: من خليج غينيا إلى باب المندب وحتى المحيط الهندي، ما يربط أمن الطاقة والتجارة الدولية بأمن العمق القاري. هذا ما يفسّر الحضور الدولي المتنوع – فرنسا والولايات المتحدة وروسيا والصين – كلٌ بمنطق مصالحه وأدواته، بين التدخل العسكري المباشر، أو الدعم اللوجستي والاستخباراتي، أو التمدد عبر اتفاقيات أمنية واقتصادية. لكن انسحاب بعض القوات الأجنبية، كما حدث مع فرنسا من مالي، يفتح بدوره سؤالا ملتبسا: هل يخلق فعلا فراغا يعزز قوة الجماعات، أم يمنح الدول المحلية فرصة لاستعادة سيادتها على قرارها الأمني؟
وسط هذا المشهد، يبدو السكان المحليون الأكثر تضررا: نزوح جماعي، تراجع الخدمات، انهيار شبكات العيش، وارتفاع مستويات العنف ضد المدنيين. ومع كل جولة من التوسع الجهادي، تتآكل آمال الاستقرار، ويتعمق الإحساس بالتهميش والخذلان من طرف الحكومات المحلية والمجتمع الدولي.
في ضوء ذلك، يطرح المستقبل سيناريوهين متناقضين: الأول، عودة قوية لـ”الجهادية العالمية” عبر البوابة الإفريقية، حيث تصبح القارة منصة لإطلاق موجات إرهاب عابرة للحدود؛ والثاني، قدرة الدول الإفريقية بدعم إقليمي ودولي متوازن على احتواء الظاهرة عبر معالجة جذورها السياسية والاجتماعية والاقتصادية، لا عبر الحلول العسكرية وحدها. وهنا يبرز التساؤل الجوهري: هل ستظل إفريقيا مجرد ساحة حرب بالوكالة، أم تتحول إلى نقطة انعطاف تعيد تشكيل مشهد الإرهاب العالمي؟
في حديث خاص لـ الأيام نيوز، صرّح الدكتور عبدالناصر سلم حامد، باحث في فوكس للدراسات – السويد وباحث أول في إدارة الأزمات ومكافحة الإرهاب، أنّ عودة نشاط “داعش” في مناطق الساحل والقرن الإفريقي ونيجيريا لم تكن مفاجئة، بل جاءت كنتيجة طبيعية لمسار طويل من الفراغات الأمنية، وإعادة التموضع الدولي، والانهيارات المؤسسية التي ضربت الإقليم في السنوات الأخيرة.
ويقول حامد إن ما فعلته فرنسا لم يكن مجرد انسحاب من مالي عام 2022 ثم بوركينا فاسو عام 2023، بل كان بمثابة تسليم مفتاح الساحل للجماعات المتطرفة. بانكفائها المتسارع حتى 2025، أسقطت باريس “مظلّة الردع” التي كبحت “داعش” والقاعدة لسنوات، وتركت خلفها فراغا أمنيا هائلًا تمددت فيه هذه التنظيمات بلا قيود. ومع تفكك مجموعة الساحل الخماسية وركود بعثتها المشتركة، تحولت الحدود إلى ثغرة مفتوحة، وأصبحت القارة أكثر هشاشة من أي وقت مضى. بكلمة أخرى: فرنسا خرجت… والإرهاب تمدد.
الدكتور عبدالناصر سلم حامد، باحث في فوكس للدراسات – السويد وباحث أول في إدارة الأزمات ومكافحة الإرهاب
ويضيف الباحث أنّ “المركز الثِّقَل الجهادي انتقل بشكل واضح إلى إفريقيا بعد تفكك ’الخلافة‘ في الشام. فـ”داعش” نقل بنيته التنظيمية نحو “ولايات” إفريقيا: من الساحل إلى بحيرة تشاد وصولا إلى الصومال. وقد برع في دمج الفصائل المحلية ضمن إطار “الولاية”، وأعاد توظيف كوادره وشبكاته البشرية في تشكيل قواعد جديدة. نرى ذلك بوضوح في ولاية غرب إفريقيا (ISWAP) حول بحيرة تشاد، وكذلك في فرع “داعش” في الصومال، وإن ظل الأخير أصغر حجما مقارنة بحركة الشباب التابعة للقاعدة”.
ويتابع: “إلى جانب العامل الأمني والعسكري، وفّرت البيئة الإفريقية اقتصاديات تمرّد مربحة. فالمناطق الشاسعة قليلة الكثافة السكانية، مع وجود مسالك تهريب عابرة للحدود ومناطق تعدين أهلي للذهب والوقود والماشية، جميعها تحوّلت إلى موارد تمكّن الجماعات من تمويل عملياتها وتوسيع تجنيد العناصر وتأمين استدامة لوجستية طويلة الأمد. هذه الشبكات الاقتصادية غير الشرعية أصبحت شريان حياة للتنظيمات”.
أما عن طبيعة العلاقة بين “داعش” والقاعدة في إفريقيا، فيوضح حامد أنّها “تتراوح بين التنافس الدموي والتقاسم الجغرافي القسري. ففي منطقة الساحل، العلاقة تكاد تكون صفرية: صراع دموي متواصل بين فرع “داعش” في الساحل (IS Sahel) وجماعة “نصرة الإسلام والمسلمين” المرتبطة بالقاعدة، بهدف السيطرة على عُقد الطرق الاستراتيجية والأحواض السكانية الغنية بفرص التجنيد والجباية. ورغم ذلك، تظهر أحيانا هدنات موضعية أو تقاسم أمر واقع لتفادي الاستنزاف الكامل.
أما في الصومال، فالعداء بنيوي، حيث تهيمن حركة “الشباب” كذراع للقاعدة، بينما يظل فرع “داعش” محاصرا في مناطق محدودة شمال شرق البلاد. وفي بحيرة تشاد ونيجيريا، يتجلى الصراع داخل ’بوكو حرام‘ نفسها، بين جناح ولاية غرب إفريقيا الموالي لـ”داعش”، وبقايا جناح JAS، مما يضاعف من الكلفة الإنسانية على المدنيين”.
ويحذّر الخبير من أنّ “هذا التنافس بين الجماعات لم يقتصر على الحيز العسكري، بل انعكس مباشرة على السكان والاستقرار الإقليمي. فالتنافس يؤدي إلى مضاعفة وتيرة الهجمات الانتقائية على القرى والقوافل، وفرض نظم إتاوات قاسية، وزيادة أعمال الانتقام المتبادل، وهو ما خلق دوامة عنف مركبة أسفرت عن نزوح ملايين المدنيين وانهيار الأسواق المحلية، إلى جانب تفكك مسارات المساعدات الإنسانية. إحصاءات الأمم المتحدة تشير إلى نحو 2.9 مليون نازح داخلي في وسط الساحل حتى أواخر 2024، مع استمرار الارتفاع في معدلات النزوح في النيجر ومالي خلال 2025”.
ويؤكد حامد أن “الفقر والبطالة والتهميش ليست مجرد عوامل ثانوية، بل هي محرّكات أساسية لدوامة التجنيد. فالجماعات تقدّم حوافز اقتصادية فورية، من رواتب وحماية مسارات الرعي والتجارة، بل وإمكانية الوصول لموارد التعدين الأهلي. ومع الوقت، يصبح الاندماج في اقتصاديات الجريمة سواء عبر المخدرات أو الوقود أو الذهب بمثابة وظيفة مستدامة للشباب المهمش، فيما تضعُف البدائل المشروعة التي يمكن أن تقدّمها الدولة”.
وعن المواقف الدولية، يوضح حامد أنّ “المشهد يعرف إعادة اصطفاف كبرى. فرنسا، التي روّجت لنفسها لعقد كامل كـ’شرطي الساحل‘، خرجت عمليا من مالي 2022 ثم من بوركينا فاسو 2023، وواصلت انكفاءها حتى 2025، تاركة فراغا أمنيا تمدّد فيه “داعش” والقاعدة بلا قيود. انسحاب باريس لم يكن مجرد نهاية عملية برخان، بل بداية مرحلة أكثر هشاشة، حيث غابت قوة كانت تدّعي مكافحة الإرهاب، لكنها فشلت في بناء بدائل محلية، بل وعمّقت العداء الشعبي. في المقابل، أعادت الولايات المتحدة صياغة حضورها من خلال شراكات استخبارية وحلول ’خفيفة البصمة‘ مع مراقبة دقيقة للتمدّد الروسي. روسيا بدورها صعدت عبر قوات Africa Corps—ورثة فاغنر—في مالي والنيجر وإفريقيا الوسطى، مقدّمة نفسها بديلا أمنيا رغم النتائج الملتبسة. أما الصين فقد عززت تموضعها البحري عبر قاعدة جيبوتي منذ 2017، وواصلت دورها في حماية السفن التي تعبُر مضيق باب المندب وخليج عدن ضمن سردية مكافحة القرصنة وحماية سلاسل التوريد”.
ويستطرد: “انسحابات القوات الأجنبية مثل فرنسا شكّلت في المدى القصير فراغا أمنيا سمح للفصائل بالتمدد السريع نحو عُقد طرق ومراكز ريفية. وعلى المدى البعيد، قد تمثّل هذه الانسحابات فرصة إذا رافقتها إعادة بناء قوات محلية مهنية وخطط حوكمة واندماج اقتصادي للمناطق المهمشة، لكن المؤشرات الحالية تميل أكثر إلى تعميق المخاطر، في ظل محاولات تحالف دول الساحل (AES) تطوير قوة مشتركة من 5,000 جندي وسط تصاعد العنف”.
وفي تقييمه لانعكاسات هذه الظاهرة على أمن الممرات البحرية، يرى حامد أن “الخطر يتوزع على أكثر من جبهة: ففي خليج غينيا، ورغم تراجع إجمالي الهجمات في 2024، فإن الاتجاه العام يبقى مقلقا. أما في باب المندب والبحر الأحمر، فقد أدّت هجمات الحوثيين منذ 2023 إلى تعطيل الملاحة وإجبار السفن على الالتفاف حول رأس الرجاء الصالح، ما أثّر على حركة التجارة عبر قناة السويس. وفي خليج عدن والمحيط الهندي الغربي، تظل التحديات قائمة رغم الأدوار الدولية لمرافقة السفن”.
وحول تداخل الإرهاب والجريمة المنظمة، يوضح الباحث أنّ “سلاسل التهريب العابرة للحدود أصبحت شريانا اقتصاديا للجماعات المسلحة، سواء عبر الذهب أو الوقود أو المخدرات أو الاتجار في البشر. هذه الموارد لم تعد مجرد وسيلة تمويل، بل تحوّلت إلى أداة تسليط نفوذ اجتماعي واقتصادي، بحيث يعاد تشكيل الولاءات المحلية حول الأمن والمعيشة، وليس حول الإيديولوجيا وحدها”.
وفي الختام، يضع حامد ثلاثة سيناريوهات لمستقبل الظاهرة: “أولها استمرار ترسيم النفوذ المحلي–الإقليمي، وهو السيناريو الأرجح، عبر فروع “داعش” والقاعدة التي تتحوّل تدريجيا إلى فواعل محلية ضمن اقتصاديات التهريب والتجارة غير الشرعية. ثانيها قفزة عالمية انتهازية، قد تتمثل في هجمات رمزية خارج إفريقيا إذا توفرت البنية اللازمة، لكنه يظل احتمالا أقل ترجيحا. أما الثالث فهو انكماش تدريجي، لكنه مشروط بتوافر مقاربة متكاملة تقوم على الأمن المهني، والحكم المحلي، والتحولات الاقتصادية، وهو ما لا تظهر مؤشرات قوية على تحققه حتى الآن”.
ويختتم تصريحه بالتأكيد على أنّ “إفريقيا اليوم ليست مجرد مسرح ثانوي للصراعات الجهادية، بل هي قلبها النابض الجديد. وما بين فراغ الدولة وصراع القوى الكبرى، تبدو القارة مرشحة لتكون البوابة التالية لإعادة إنتاج ’الجهادية العالمية‘—وفي مقدمة المسؤولين عن هذا الانفجار: فرنسا، التي رحلت تاركة وراءها ساحة مشتعلة”.

