عبدالرحيم عبدالباري
في زمنٍ يتسابق فيه العالم نحو تطوير المنظومات الصحية، تضع مصر الإنسان في مقدمة أولوياتها، مؤكدة أن الرعاية ليست رفاهية بل حق أصيل لكل مواطن. ومن هنا جاءت مبادرة «صحة الرئة» لتضيء درب الأمل لمرضى التليف الرئوي، الذين يُعانون بصمتٍ في مواجهة ضيق التنفس ونقص الأكسجين. عبر منظومة متكاملة للعلاج المنزلي، وبتنفيذ توجيهات الدكتور خالد عبدالغفار، نائب رئيس مجلس الوزراء ووزير الصحة والسكان، بات الهواء الذي يتنفسه المريض رسالة إنسانية تُترجمها أفعال لا شعارات.
تواصل وزارة الصحة والسكان جهودها النوعية من خلال توزيع أجهزة توليد الأكسجين على مرضى التليف الرئوي، في خطوةٍ تُجسد رؤية الدولة نحو الرعاية المستدامة. ففي غضون شهرين فقط، تم توزيع 2152 جهاز مولد أكسجين عبر 18 مستشفى صدرية تغطي محافظات الجمهورية كافة. هذا الرقم لا يُعبّر فقط عن إحصاء إداري، بل عن مئات الأنفاس التي استعادت انتظامها، ومئات الأسر التي عادت تطمئن على أحبائها في منازلهم دون عناء التنقل إلى المستشفيات. إنها مبادرة تضع “الإنسان” في قلب السياسة الصحية المصرية.
وأوضح الدكتور حسام عبدالغفار، المتحدث الرسمي باسم وزارة الصحة والسكان، أن هذا الإنجاز جاء تنفيذًا مباشرًا لتوجيهات الوزير بتخفيف الأعباء عن مرضى الصدر، خصوصًا كبار السن الذين تجاوزوا الستين عامًا. ويأتي ذلك ضمن خطة الدولة لتوسيع مظلة الرعاية الصحية المجانية وتوفير العلاج داخل المنازل، بما يضمن الكرامة وجودة الحياة للمواطنين. المبادرة لم تكتفِ بالتوزيع فقط، بل رافقتها برامج متابعة دقيقة، تشمل زيارات دورية وتقارير طبية لضمان الاستخدام الأمثل للأجهزة وتحقيق أقصى استفادة منها.
وفي إطار نفس المبادرة، كشفت وزارة الصحة، عن تقديم أكثر من 55 ألف خدمة توعوية وفحص طبي بعيادات «صحة الرئة» المنتشرة في مستشفيات الأمراض الصدرية. هذه العيادات لا تقتصر على الفحص والعلاج فقط، بل تُعد بوابة توعية مجتمعية تهدف إلى تغيير أنماط الحياة والحد من العوامل المسببة لأمراض الجهاز التنفسي. ووفقًا للإحصاءات، بلغت نسبة المدخنين بين الحالات 56%، مما يعكس ضرورة الاستمرار في التوعية بخطورة التدخين كمسبب رئيسي لأمراض الرئة المزمنة.
وتتجلى أهمية هذه المبادرة في جانبها الوقائي والعلاجي معًا، إذ تقدم عيادات «صحة الرئة» خدمات الإقلاع عن التدخين بشكل متكامل للراغبين في بدء رحلة التعافي. وتوفر العيادات دعمًا نفسيًا واستشارات طبية دقيقة، إلى جانب وصف الأدوية المناسبة للحالات التي تحتاجها. هذا التكامل بين الرعاية الصحية والإرشاد النفسي يعكس فهماً متقدمًا لدى الوزارة بأن “صحة الرئة” لا تُبنى فقط بالعلاج، بل بالتوعية والإقناع وتغيير السلوكيات. إنها معركة طويلة ضد دخان السيجارة وضد الجهل بمخاطرها، تخوضها الدولة بإصرار وعلم.
وفي خطوة تكنولوجية نوعية، أوضح الدكتور وجدي أمين، مدير إدارة الأمراض الصدرية، أن الوزارة أدخلت خدمة التشخيص عن بُعد (Tele Medicine)، لمتابعة حالات التليف الرئوي في تسع مستشفيات متخصصة، منها صدر المعمورة وطنطا والمنصورة وأسيوط. هذه الخدمة تُعد نقلة ثورية في الطب الصدري، حيث تتيح للأطباء تشخيص الحالات ومتابعتها دون حاجة المريض للتنقل، خاصةً لكبار السن وسكان المناطق النائية. إنها ترجمة واقعية لدمج التكنولوجيا في الطب، واستثمار فعلي في الوقت والجهد والحياة.
بهذه الخطوات المدروسة، تؤكد وزارة الصحة أن مبادرة «صحة الرئة» ليست مجرد برنامج مرحلي، بل مشروع وطني لإحياء “نَفَس الأمل” في صدور المصريين. فمن العلاج المنزلي إلى التشخيص الذكي، ومن التوعية إلى الدعم النفسي، تتكامل الجهود لتصنع منظومة صحية عصرية تحفظ الكرامة وتُعيد الطمأنينة لكل مريض. وبين جهاز أكسجين يُوزّع في الصعيد، واستشارة طبية تُقدّم عن بُعد في الدلتا، تمتد خريطة الحياة التي ترسمها مصر بأيدي أطبائها وإرادة قادتها.
إن مبادرة «صحة الرئة» ليست فقط قصة نجاح صحي، بل فصل جديد في سجل الدولة المصرية التي تضع صحة المواطن في صدارة أولوياتها. ففي كل “نَفَس” يلتقطه مريض تليف رئوي، تتجسد رؤية مصر 2030 في أبهى صورها: تنمية مستدامة تبدأ من الإنسان، وتنتهي بإنسانٍ أقوى وأكثر أملًا في الحياة.

