في ليلة استثنائية من برنامج عندي سؤال، استعاد الإعلامي محمد قيس رحلة الفنانة المصرية آمال ماهر، التي بدأت حكايتها من شوارع المعادي بالقاهرة، حيث ظهرت موهبتها الغنائية منذ كانت طفلة صغيرة ذات صوت قوي وجبار.
آمال ماهر بين الغلب والقوة
في حوارها مع محمد قيس، عبّرت آمال ماهر عن ازدواجيتها الإنسانية بين الضعف والقوة. قالت: “أنا غلبانة وقوية.. أوقات بحب أكون غلبانة لأن الغلبان بيكون مسالم، مسلم لأقداره، وبيحس بالطيبة، لكن القوة ساعات بتكون اضطرار، والظروف هي اللي بتجبرنا نكون أقوياء”.
ترى آمال أن القوة ليست دائمًا ميزة، بل عبء نفسي وعصبي. وأن الإنسان الحقيقي هو من يبقى صادقًا مع نفسه، حتى لو اضطر لتغيير ملامحه أمام العالم.
حين سألها قيس عن اللون الذي يطبع حياتها اليوم، أجابت: “الاتنين… الأبيض والأسود موجودين بنفس القدر، لكني عايزة أكون متفائلة وأختار الأبيض”.
هذا التفاؤل لم يأتِ من فراغ، بل من رحلة طويلة مع الألم والنجاح. فآمال تعلم أن النور لا يُدرك إلا بعد المرور بالظلال.
سألها محمد قيس عن أبرز النعم التي تشعر بالامتنان لها، فقالت: “أولًا رضا ربنا، وثانيًا الصحة والستر والأهل والابن، وثالثًا حب الناس.. يمكن حب الناس ده الأول والتاني والتالت عندي”.
غياب الأب الذي لا يُعوّض
حين طلب منها قيس أن تغمض عينيها وتفكر بما ينقص حياتها اليوم، قالت بصوت مؤثر: “ناقصني والدي.. احتواؤه.. وجوده جنبي كان يغير حاجات كتير”.
وروت أن والدها توفي منذ نحو 9 أعوام، لكنها تشعر وكأنه رحل بالأمس. فما زالت تتذكر كلماته ومواقفه معها في كل موقف تمر به. وجوده بالنسبة لها كان الأمان والحنان والقدوة، وهو الحاضر الغائب في كل مراحل حياتها.
ذكرت آمال ماهر أن منزلها لا يخلو من صوت أم كلثوم وعبد الوهاب وعبد الحليم. وبينما كانت طفلة في الـ 3 أو الـ4 من عمرها، جلست يومًا في المطبخ بجوار والدتها وغنّت دون قصد، فظن والدها أن صوتها قادم من الراديو.
وعندما علم أن الصوت صوتها، قال لوالدتها بدهشة: “دي لولا”، ومنذ تلك اللحظة، بدأت أولى ملامح الموهبة في الظهور، وأصبحت تغني أمام والدها باستمرار، ولكن اقتصرت تلك الفترة عند هذا الحد.
آمال ماهر وذكرياتها في المدرسة
تروي آمال موقفًا لا يُنسى من أيام المدرسة حين كان أستاذ الموسيقى محمد المليجي، يجرب أصوات التلاميذ. وعندما جاء دورها، كانت نائمة في الصف، فأيقظها وطلب منها غناء جملة بسيطة من شعر أبي القاسم الشابي: “إذا الشعب يومًا أراد الحياة فلا بد أن يستجيب القدر”.
وبعد أن غنّتها، صُدم المعلم بجمال صوتها، واستمر في اختبارها، ثم قال: “أنا لقيت قنبلة في المدرسة”. فاستدعى المديرة وطلب منها أن تسمعها، لتغني آمال أغنية “مصر التي في خاطري”، وتفوز باحتضان المديرة وإعجاب الجميع. ومن هنا بدأت رحلتها مع الغناء المدرسي قبل أن تتحول إلى مسيرة احترافية لاحقًا.
بعد تلك الواقعة، قرر أستاذ الموسيقى في المدرسة التواصل مع والدها المهندس ماهر. تواصل معه وقال إن ابنته تمتلك صوتًا لا يتكرر إلا كل 100 عام. كان الأب في البداية مترددًا، لكون العائلة محافظة وبعيدة عن الوسط الفني، لكنه حضر حفلة المدرسة وشاهد ابنته تغني أمام الجميع. حينها، بدأ يقتنع بموهبتها شيئًا فشيئًا.
عشق الطفولة لأم كلثوم واللقاء المصيري مع عمار الشريعي
تأثرت آمال منذ طفولتها بالسيدة أم كلثوم، إذ كانت تراها الميزان الذي يقاس به الفن الحقيقي. تروي أنها وهي طفلة شاهدت فيلم “نشيد الأمل” على التلفزيون، ووقفت أمام متجر “صوت القاهرة” تطلب من والدها أن يشتري لها شريط الأغاني. وبمجرد أن وصلت إلى البيت، حفظت أغاني الفيلم بالكامل.
عندما التحقت آمال بفصول الموسيقى في نقابة المهن الموسيقية، التقت بالموسيقار عمار الشريعي أثناء بحثه عن أصوات لأداء شخصية أم كلثوم في مسلسلها الشهير.
قدّمت آمال صوتها أمام الشريعي بأغنية “هلت ليالي القمر”، فانبهر بها، ومن هنا بدأ طريقها الحقيقي نحو الاحتراف.
أول حفلة وأول مكافأة لآمال ماهر
كانت أولى حفلات آمال الكبرى في استوديو 46 بالتلفزيون المصري أثناء افتتاحه، بحضور الرئيس الراحل محمد حسني مبارك. غنّت 3 أغنيات بدلًا من واحدة بطلب من الرئيس، وكانت مكافأتها آنذاك 5,000 جنيه، وهي قيمة معنوية كبرى لطفلة لم تتجاوز الـ14.
بعد نجاحها في تلك الحفلة، أصبحت آمال مطربة المناسبات الوطنية، حيث غنّت في احتفالات 6 أكتوبر إلى جانب نجوم مثل هاني شاكر ونجاة الصغيرة.
ومن أبرز أغانيها في تلك الفترة “عربية يا أرض فلسطين”، التي هزّت المسرح وأعيدت أكثر من مرة بطلب الجمهور. تقول آمال: “المسرح كان بيترج بيا من التفاعل”.
من ظلّ أم كلثوم إلى هوية آمال ماهر
على الرغم من بدايتها الكلاسيكية، أدركت آمال أنها لا يمكن أن تعيش فقط في ظل أم كلثوم، بل يجب أن تصنع هويتها الخاصة.
تقول: “لازم الناس تحب على أغانيك أنت، مش على تقليدك لحد”.
وعلى الرغم من حب الجمهور لأدائها لأم كلثوم، إلا أنهم وجدوا في صوتها إحساسًا مختلفًا جعلهم يتقبلون أغانيها الأصلية بنفس الشغف.
كانت أغنية “فيه إيه بينك وبينها” أولى محاولاتها الجادة لإثبات هويتها الفنية. ورغم أنها لم تحقق النجاح المنتظر وقتها، فإنها كانت بداية بناء شخصية فنية مستقلة عن الرموز القديمة، ولاقت نجاحً كبيرًا لاحقًا.
آمال ماهر ونقطة التحول و”الاستفزاز الحلو”
ذكرت آمال ماهر أنّ النقطة الفارقة في حياتها بدأت مع الألبوم الذي يحتوي على أغنية “أعرف منين”. فسألها محمد قيس: “ليش اخترتي أعرف منين؟ شو اللي حفّزك وحمسك إنك تروحي إلى هذا اللون؟” فأجابت: “استفزّيت… بدأت أدوّر على كيان آمالي”.
وقالت: “كان ألبوم أواخر الشتاء للفنانة إليسا بس استفزاز حلو.. أنا أول مرّة أقول الكلام ده.. قلت أنا عايزة أعمل ألبوم جامد من أول غنوة لآخر غنوة، وأنا اللي هختاره من أول للآخر”.
وأوضحت أنها تحب الفنانة إليسا، وإذا كانت لديها الفرصة لضم بعض أغنياتها إلى ألبوماتها، قالت ستكون هناك الكثير من الخيارات، لأنّ إليسا لديها مشوار كبير وأغاني كثيرة حلوة.
ثم عند إشارة إلى الألبوم أعرف منين: “من أول الإعلان نزل أجزاء من الأغاني.. الناس بدأت تدور على أغنية (اتقي ربّنا)، أنا كنت مسافرة، لما رجعت من المطار، لقيت الألبوم في العربيات، وقلت: إيه ده؟ العربيات حواليا كله الألبوم شغال، كأني بقت حالة عامّة في مصر كلها”.
وهنا أكّدت أنّها وجدت هويتها الفنية، وقالت: “أنا لقيت هويتي، لحظة إثبات ذاتي، نجاح إنك تقدر تعمل كيان وتقدر تعمل مشوار خاص بيك”.
الثمن والنجاح: أيهما أكبر في حياة آمال ماهر؟
ناقش الحوار موضوع النجاح وما يسبقه من ثمن. قالت آمال: “لا… ثمنه كبير… أكبر… لكنه يستاهل… ما فيش حاجة بتيجي بالساهل”.
وعندما سُئلت: “ما الذي كان أكبر: النجاح أم الثمن؟” أجابت تلقائيًا: “أكيد الثمن كان أكبر”.
ثم أضافت: “في النهاية بقول الحمد لله.. المحبة والثقة والحميميّة اللي حسيتها عند الناس كبيرة قوي.. ناس بتحبّك، بتعتبرني واحدة من العيلة.. مش فنانة بيحبوها، لا: أنا واحدة من العيلة عندهم.. فدّي بالنسبة لي حاجة كبيرة قوي”.
(المشهد)

