المفكر الإيطالي فرانكو بيراردي
لعب مفهوم «الأمولة» Financialization دوراً مركزياً في الدراسات الاقتصادية، نقدية الطابع، العائدة غالباً لباحثين ماركسيين وما بعد كينزيين، والتعريف الأشهر للمفهوم عائد للاقتصادية الأمريكية غريتا كريبنر، في دراستها الصادرة عام 2005، بعنوان «أمولة الاقتصاد الأمريكي»: «تشير الأمولة إلى نمط من أنماط التراكم، تُستمدُّ فيه الأرباح أساساً عبر القنوات المالية، لا من خلال التجارة أو الإنتاج السلعي». قد يبدو تعريفاً مألوفاً، وأقرب للنظريات الكلاسيكية عن «رأس المال المالي»، التي تعود جذورها إلى مطلع القرن الماضي، خاصة أفكار الاقتصادي النمساوي رودولف هيلفردنغ، التي تبناها لينين، وبنى على أساسها نظريته في الإمبريالية. إلا أن «الأمولة» أكثر من مجرد اندماج رأس المال المصرفي برأس المال الصناعي، مكوّناً مزيجاً احتكارياً، يقود الدول نحو التوسع الإمبريالي، بهدف تصدير رأس المال المالي، بل هي انفصال النشاط المالي عن النشاط الإنتاجي، واستقلاله شبه التام، مكوّناً عوالمه وفقاعاته الخاصة، بحيث يولّد المال المال، دون الارتباط بأي من نشاطات الاقتصاد الحقيقي.
هكذا يتحوّل جانب مركزي من الاقتصاد إلى ما يشبه «اقتصاد العلامات». في هذا الاقتصاد يمكن للبيانات، القابلة للتداول في الأسواق، أن توّلد مالاً كثيراً، دون أن تكون مستندة فعلياً إلى أي منتج مادي، أي أن الرموز تولّد رموزاً، والبياناتٍ تنتج بيانات، عبر نظام معقد للائتمان والديون والمضاربة، لا أحد يحيط بحدوده وقواعده حقاً. وكل هذا، حسب النقّاد، ينتج الأزمة بعد الأزمة، وتتداخل فيه الهيمنة السياسية والرأسمال الرمزي مع القدرة الاقتصادية الفعلية.
من جانب آخر، درس عدد من منظرّي اليسار الجديد، كيفية تمازج التداول المالي مع اقتصاد المعرفة، وتحوّل الرموز الثقافية والعمل العاطفي وغير المادي إلى سلع قابلة للتداول، إلى درجة دفعت عدداً منهم للحديث عن «رأسمالية تواصلية»، أو حتى «رأسمال سيميائي» Semiocapital، حسب المفكر الإيطالي فرانكو بيراردي. بمعنى أن الرأسمالية المعاصرة تقوم على مراكمة واستثمار الرموز والبيانات والدوال أكثر من قيامها بمراكمة واستثمار المنتجات المادية، وزال فيها الفارق بين الهيمنة الاقتصادية والهيمنة الأيديولوجية؛ وبين القيم الاستعمالية والقيم التبادلية، في ما السلطة لم تعد قائمة على استغلال وضبط قوى البشر في مؤسسات مسوّرة كالمصانع، بل باتت أكثر مرونةً وتغلغلاً وقدرة على التحكّم، عبر الهيمنة على البشر بآليات «حرّة»، على رأسها الدَّين؛ والتحفيز الدائم على إنتاج الرموز والعلامات واستهلاكها، وكأن الأفراد باتوا بدورهم ماكينات سيميائية.
يبقى سؤال مهم: هل كل هذا المال/البيانات المُتداولة مال حقيقي؟ يبدو السؤال فلسفياً بقدر ما هو اقتصادي، فما «الحقيقي»، خاصة في عالم المال والقيم التبادلية؟ الحديث عن «مال حقيقي»، مرتبط بشكل تام بسلع وثروات وخدمات «مادية»، يبدو أقرب لتفكير شديد المحدودية والبدائية في الاقتصاد، أو يوتوبيا رجعية، لا تفهم آليات النمو والتوسّع الرأسمالي. الاقتصاديون ما بعد الكينزيين لم يطالبوا بالعودة إلى ما هو «حقيقي»، بقدر ما حذَّروا من «انحراف» الاقتصاد العالمي بأكمله إلى ألعاب مالية، وفقاعات قابلة للانفجار في أي لحظة، أي عندما يعود الحقيقي ليطل برأسه، مطيحاً بالفئات الأفقر والأضعف، كما حدث مثلاً في الأزمة المالية العالمية عام 2008؛ فيما يظل النُقّاد الماركسيون أقلّ وضوحاً في تحديد ما يعنونه بـ»تجاوز الرأسمالية» ضمن هذا الشرط، وبدائلهم العملية عنها. وبعيداً نسبياً عن عالم المال والتداول، ونُقّاده التخصّصيين، فبالإمكان تقديم تعريف أشمل لـ»الأمولة»، التي لم تعد مجرد ظاهرة بورصات، بل تطال كل نواحي الحياة، وهو: تحويل المجتمع والثقافة، بكل مؤسساتهما، إلى الاعتماد المتزايد على الأنشطة المالية، وطلب التمويلات، وليس الأنشطة الإنتاجية الفعلية. ضمن شبكة اقتصادية وسلطوية قادرة على التغلغل في أعماق الذات، الجماعية والفرديّة.
هذا يعني أن «الأمولة» صارت ظاهرة ثقافية أيضاً، أي أن جانباً كبيراً من نشاط الأكاديميات، خاصة أكاديميات الآداب والعلوم الإنسانية؛ والمؤسسات الثقافية والإعلامية؛ والأعمال الأدبية والفنيّة، لم يعد منصرفاً إلى النشاط الإنتاجي، أي تقديم منتجات ثقافية فعليّة، ذات هم نظري أو منهجي أو سياسي أو جمالي، بقدر ما يُعنى بأمولة نفسه، إن صح التعبير، أي طلب وجذب التمويلات، عبر إنتاج الرموز والعلامات والبيانات، المطلوبة من الممولين، ومؤسسات الإدارة الثقافية، لقابليتها للتداول. يرتبط هذا عادة بكلمات ورموز مفتاحية، معروفة لدى أي طرف معني بتقديم «طلب تمويل» لمؤسسة ما، وغالباً ما تتعلق بهوية طالبي التمويل، التي تتضمن جذورهم الثقافية، نوعهم الجندري، ميولهم الجنسية، اقتناعهم والتزامهم بموجة أو صيحة سائدة في عالم التمويل الثقافي (مثل «دراسات ما بعد الكولونيالية»؛ «نزع الاستعمار»؛ «الانتقال الديمقراطي»، «تمكين هوية مهمّشة»؛ أو حتى «نقد النيوليبرالية»)؛ وأيضاً عدم تعارضهم مع توجه سياسي سائد بين الممولين في فترة ما. لكل هذا نتائج شديدة الأهمية، أبرزها أن العاملين في المجال الثقافي باتوا مضطرين فعلياً لإعادة إنتاج ذواتهم، وتطويعها، مع كل طلب تمويل جديد، أو حتى طلب توظيف في مؤسسة ذات توجّه معيّن.
الموضوع ليس مجرد نفاق بسيط، بل مرتبط بما هو أعمق: على البشر إنتاج المزيد والمزيد من العلامات القابلة للتداول، لكي يكون لهم مكان في «الرأسمالية التواصلية»، والعاملون في المجال الثقافي هم الأكثر تخصّصاً في إنتاج العلامات والرموز، ولذلك فهم مضطرون أكثر من غيرهم لتحويل ذواتهم إلى علامات متناسبة مع الاتجاه التمويلي السائد. نحن هنا أمام ما يمكن تسميته «أمولة الذات»، أي أن الذات الفردية، بسماتها الجسدية والثقافية والعاطفية، باتت مجرد علامات في اقتصاد مُؤمْوَل. وكما أنه لم يعد من الممكن الفصل بين القيمة الاستعمالية والقيمة التبادلية، فلم يعد من السهل التعرّف على الحقيقي من الزائف في الذات المؤمْوَلِة، حتى بالنسبة لصاحبها نفسه. قد يصف البعض هذا بـ»الاغتراب»، وآخرون بـ»الفصام»، حسب ميلهم ومرجعيتهم الفلسفية. هل يوجد إذن إنتاج ثقافي فعلي في عصر الأمولة الشاملة؟ أم أن البحث عن «ثقافة حقيقية» مجرد دعوة طوباوية، تشبه دعوات المطالبين بـ»المال الحقيقي»؟
التزييف العميق
يمكن تشبيه جانب مهم من الإنتاج الثقافي بمصطلح انتشر بشدة مؤخّراً مع تقدّم الذكاء الاصطناعي، وهو «التزييف العميق» Deepfake، ويشير إلى تقنية لتعديل وتوليد المواد السمعية والبصرية والمكتوبة، عبر خوارزميات متقدّمة، بحيث تظهر وكأنها حقيقية، فيمكنك أن تسمع أغنية جديدة لمطرب متوفٍ، أو تشاهد حواراً لم يحدث بين مُفَكِّرَين، أو تقرأ نصّاً قريباً لأسلوب كاتب معروف ما، لم يكتبه يوماً، وبشكل مقنع ومتقن للغاية، لدرجة أنه «واقعي أكثر من الواقع».
يتأسس «التزييف العميق» على عدة خطوات، أولها جمع البيانات والمواد المطلوبة عمّا يُراد تزييفه؛ وثانيها تدريب نموذج من الذكاء الصناعي على تلك المواد؛ وثالثها توليد المحتوى المزيّف، الذي بات اليوم متطوراً لدرجة أنه يحتاج محترفين لتمييزه، وهو في تقدّم مستمر. هذه الخطوات نفسها قد يضطر منتج الثقافة في عصرنا إلى اتباعها تلقائياً، في تعامله مع ذاته، فهو في البداية يتعرّف على كم كبير من المفردات، والأساليب التعبيرية، والرموز المطلوبة في عالم الأمولة؛ ويدرّب نفسه على التماهي معها، وتمثّلها في تعريفه لذاته؛ وصولاً لإنتاج تعبيرات ومواد معيّنة، تتطابق مع المطلوب، وتوصله إلى التمويل. هذا يعني أن ذاته تصبح نمطاً مستمراً من «التزييف العميق». وكما أن المواد التي ينتجها الذكاء الاصطناعي قد تكون «واقعية أكثر من الواقع»، فإن التعبيرات التي يقدمها منتج الثقافة قد تكون مغرقة في الذاتية، لدرجة أنها ذاتية أكثر من الذات.
هكذا نجد كثيراً من الصدمات، التجارب، الحساسيات، الهويات، والمظالم، التي علينا أن نصدّقها بشكل غير مشروط، بسبب «ذاتيتها الفائقة»، إن صح التعبير، إذ لا يمكنك أن تكذّب شعوراً ذاتياً، دون أن تعتدي، بشكل من الأشكال، على صاحبه، وتجربته الفريدة، غير القابلة للتعميم، نظراً لفردانيتها وشخصانيتها. ليست المشكلة بالمشاعر والتجارب الفريدة نفسها بالتأكيد، ولكن المشكلة أن تصبح هذه العناصر، غير القابلة للتكذيب، عوامل أساسية في السياسة والثقافة. كيف ستنتقد أي قول وخطاب، أو أي ظاهرة، إذا كانت مرتبطة بشعور وتجربة غير قابلة للترجمة للغة عمومية، ومن ثم التحوّل إلى حجة، قابلة للتحليل والتفحّص والتصديق والتكذيب؟
قد يمكن القول، إن هذا النوع من الذاتيات، الفردية والجماعية، لا يعتدُّ بها، ضمن الشرط البنيوي الحالي للإنتاج الثقافي، القائم على التزييف العميق. ينطبق ذلك أيضاً على تعريف منتج الثقافة لموقعه من الظاهرة التي يتعاطى معها، كما هو دارج في الفترة الأخيرة، فسواء قال إنه «صاحب امتياز»؛ أو «منتمٍ إلى الهوية وتجربتها»؛ أو «مناهض للهيمنة والمركزية والاستعلاء»، يظل احتمال «التزييف العميق» قائماً، بل الاحتمال الأرجح في عالم الأمولة. لا يعني هذا بالضرورة أن منتجي الثقافة كذّابون، بل مضطرون لـ»برمجة» ذواتهم بما يتناسب مع متطلبات اقتصاد مُأَمْوَل. وإذا كان البحث عن «ذات حقيقة» مهمة متعذرة، وربما تكون عبثية، أو بحثاً عن جوهر مُتخيَّل غير موجود، فالأجدى أن يكتسب المتلقي بعض الخبرة في اكتشاف «التزييف العميق»، ويحتفظ بميزة الشك، ولذلك أساليب كلاسيكية ما تزال صالحة حتى اليوم، وغالباً ستبقى صالحة طويلاً: تحييد ورفض كل ما هو ذاتي، والمطالبة بحجة، مُصاغة بلغة عمومية، قابلة للتفحّص والتحليل والنقد. هذا «مال حقيقي»، ربما يصعب الاكتفاء به في الاقتصاد المعاصر، ولكنه في عالم السياسة والإنتاج الثقافي قد يخلّصنا من الكثير من الإنشائيات، والاحتيال الأيديولوجي، والابتزاز، والهراء، والتعاويذ.
تحطيم الماكينات
رفض «الذاتي المفرط» في السياسة والثقافة لن يقتصر أثره على الخطاب والأيديولوجيا، بل ربما يدمّر جانباً من ماكينة الأمولة، التي تشتغل على مختلف مناحي الحياة. قد يمكن فهم هذا أكثر لدى تقدير التدفّقات المالية التي وصلت لـ»المنظمات غير الحكومية» مثلاً، وهي من أهم مؤسسات أمولة الثقافة والسياسية. فبحسب تقارير مصرف لبنان، تلقت تلك المنظمات 6.7 مليار دولار بين عامي 2020 و2024، أي في خمس سنوات فقط، إلى درجة انتشار تعبيرات ساخرة، بأن لبنان بات «جمهورية المنظمات غير الحكومية» بعد انهياره الاقتصادي عام 2019. ذهب كثير من هذه الأموال بالطبع إلى إغاثة اللاجئين والفئات الأكثر تضرراً من الانهيار الاقتصادي، ولكن عبر وسيط واضح الخطاب والتوجّه والأيديولوجيا، هو المنظمات غير الحكومية، التي سيطرت أيضاً على الجانب الأساسي من المشاريع الثقافية، ولنا أن نتخيّل «التزييف العميق» الذي أنتجته هذه المليارات. هذا في لبنان فقط، فماذا عن مصر وسوريا والأراضي الفلسطينية؟ وفيما يُجبر المنتجون الثقافيون على «أمولة» ذواتهم، لتتناسب مع متطلبات الممولين، تُترك الطبقات الأفقر لحالة شاملة من اضمحلال وخراب المدن، وتراجع المؤسسات الاجتماعية وبنى التحضّر، والعجز عن تأسيس الروابط السياسية والنقابية، ما يجعلها تحت استغلال المنظمات، ومساعداتها، المترافقة مع قمع وإجرام الميليشيات، في حالات ليست بالقليلة. عملياً، فإن مطالبة القائمين على كل تلك التمويلات، بخطاب خالٍ من التزييف والاحتيال، ومقاومة الابتزاز بالذاتية المفرطة، والنقد القاسي لأيديولوجيات «المنظمات غير الحكومية»، وكذلك التصدي لـ»أنجزة» الأكاديميا والإعلام (أي جعلها تعمل بآليات «المنظمات غير الحكومية» NGOs)، يحمل طابعاً طبقياً، لمصلحة أشد المتضررين من الوضع القائم، بمن فيهم عدد مهم من «عمّال الثقافة».
قد تكون القطيعة مع التزييف العميق للذاتية، وإنتاج لغة مغايرة، أقرب للعقلنة والعلمنة، أي قائمة على العمومي، والقابل للنقد، والأبعد عن الانغلاق والتعالي الذاتي، ضرورة للنجاة واستمرار الحياة، وليس فقط للوصول إلى ثقافة أكثر إبداعاً وإنتاجية، فهي قد تساعد البشر على تحقيق تضامن أكثر فعالية، يمكّنهم من السيطرة على مفردات عالمهم، بعيداً عن الاغتراب، أو الفصام، الذي تفرضه عليهم الأمولة؛ وتنشئ حيّزاً «بين الذوات»، يمكن أن تُقال فيه الكلمة، دون الحاجة إلى تمويل، ودون خوفٍ من غضب الممولين.
يقود هذا للتفكير بـ»الذات السياسية»، وهي مختلفة جداً عن الذات المُأَمْوَلِة، المزيفة تزييفاً عميقاً، إذ أنها لا يمكن أن تدّعي تجارب غير قابل للمشاركة، أو أحاسيس غير قابلة للتكذيب، بل تنتظم على أساس المشترك بين متعددين، وتُصرّح بمنظورها السياسي والأيديولوجي والفلسفي، دون أن تخفيه وراء مقولات تدّعي الحيادية الحقوقية، أو حتى «تجاوز الأيديولوجيا». نحتاج كثيراً إلى هذا النوع من الذات، فهي قد تكون الأقدر على تحطيم «الماكينات»، وإنتاج إطار سياسي وثقافي يمنح الذوات الفردية تجربة أكثر تنوّراً، وأقلّ تزييفاً وتجهيلاً وقابلية للخضوع، إلا أن إمكانية بنائها، ضمن سياق الأمولة الشاملة، تواجه كثيراً من المعوقات، وتطرح كثيراً من الأسئلة والإشكاليات، صعبة الحل.
كاتب سوري

