100 سنة كوميكس بالمصري.. رحلة القصص المصورة من النقوش الفرعونية إلى عالم الذكاء الاصطناعي
كتبت: نادين محمد
في قلب القاهرة عاش فن القصص المصورة المصري 100 عام من الحكايات والضحكات، والخيال الذي جسد واقع المجتمع المصري منذ بدايات القرن الماضي، هذا الفن الذي جمع بين الرسم والكلمة ليصبح لغة خاصة، احتفى به مهرجان كايرو كوميكس في دورته العاشرة، الذي انطلقت فعالياته يوم 7 نوفمبر 2025 وانتهت يوم 10 نوفمبر 2025، مع معرض رئيسي يوثق رحلة الكوميكس في مصر منذ عام 1923 وحتى اليوم.
100 سنة كوميكس بالمصري
المعرض بعنوان «100 سنة كوميكس بالمصري» عرض مسار القصة المصورة المصرية منذ مجلة «الأولاد» مرورًا بمجلة «اللطائف المصوّرة» وصولًا إلى الأعمال المعاصرة للفنانين الشباب، وقدم تجربة تفاعلية جمعت بين المعارض وورش العمل والجلسات الحوارية، ما أتاح للجمهور فرصة الغوص في تاريخ الفن والتعرف على أهم محطاته والذي أصبح معروفا بـالكوميكس.
وفقًا للبيان الرسمي لمهرجان كايرو كوميكس، قدم المعرض عروضًا لأعمال كلاسيكية ومعاصرة، إلى جانب ورش عمل وجلسات حوارية شارك فيها فنانون مشهورون مثل محمد خالد، ميجو، سلمى زكريا، وكامليا القاضي، لتبادل الخبرات والتعرف على مسيرة فن الكوميكس في مصر، كما احتوي سوق الكوميكس على مجموعة واسعة من المنشورات المستقلة والكتب الذاتية النشر، ليصبح نقطة التقاء للفنانين والجمهور والناشرين، ويتيح للجميع تجربة فنية مباشرة وممتعة.
بداية انطلاقة فن الكوميكس في مصر
وتؤرخ النسخة العاشرة لمجلة «الأولاد» الصادرة عام 1923 كأول كوميكس مصري بالشكل المعروف، حيث كان كل رسم يُرافقه بضعة أسطر قصيرة تحكي القصة، وقبلها كانت مجلة «اللطائف المصورة» الصادرة عام 1917، التي اعتبرها البعض «أم الأولاد»، بداية لانطلاق فن الكوميكس في مصر، ويشير المنظّمون إلى أن جذور هذا الفن تمتد إلى الفن المصري القديم، إذ كان المصريون يرسمون على الجدران والبرديات سردًا بصريًا لأحداث حياتهم اليومية وأساطيرهم، في تسلسل يشبه القصص المصوّرة المعاصرة.
ويعتبر مهرجان كايرو كوميكس الكوميكس «الفن التاسع» لأنه يجمع بين الرسم والأدب والمسرح والسينما، ويتيح للقارئ أن يعيش كل حدث مع شخصياته وكأنه فيلم مرسوم، ويؤكد المنظّمون أن هذا الفن لا يقتصر على التسلية، بل يعكس ثقافة المجتمع ويعبر عن الناس ومدنهم وقضاياهم اليومية.
انتقاد الأوضاع بطريقة فكاهية
وأشار خبير الآثار الدكتور عبد الرحيم ريحان، عضو لجنة التاريخ والآثار بالمجلس الأعلى للثقافة ورئيس حملة الدفاع عن الحضارة المصرية، في حديثه لـ«الوطن»، إلى أن القصص المصورة ظهرت في مصر القديمة على شكل كاريكاتير ساخر، استخدم كأداة فنية لنقد الأوضاع السياسية والاجتماعية بطريقة فكاهية، وارتبط هذا الفن دائمًا بإبراز التناقضات والسخرية من الواقع، حيث استُخدمت الرموز الحيوانية بدل الشخصيات البشرية للتعبير عن الانتقادات بشكل غير مباشر.
فالفأر، على سبيل المثال، كان يصور عادة كحيوان ضعيف يظهر في هيئة القاضي، للدلالة على الفساد أو التلاعب بالسلطة، بينما القطة، المعروفة بقدرتها على اصطياد الفئران، تظهر في دور المنفذ، لتوضيح التناقض العميق في الأدوار الاجتماعية وتدهور القيم التقليدية، وقد وجدت هذه الرسومات في الفترة التي أعقبت نهاية الدولة الحديثة، حيث فقدت السلطة المركزية قوتها، وعمّت الفوضى في البلاد، ما أتاح للفنانين التعبير عن نقدهم الاجتماعي والسياسي بشكل ساخر.

ورصد 5 علماء مصريات بريطانيين، وهم جان دوريس، إف إل ليونيه، أيه أيه إس إدواردز، جان يو يوت، وسيرج سونرون، في الموسوعة التاريخية «معجم الحضارة المصرية القديمة»، أن المصريين عرفوا فكرة صراع القط والفأر قبل أكثر من 3300 سنة، حيث عثروا على رسومات على الأوستراكا وأوراق البردي، مكتوب عليها نصوص مثل: «تصبح القطة عبدة لدى مدام فأرة»، وأظهرت معارك بين جيش من الفئران وفرقة القطط، تمامًا كما في القصص المصورة المعاصرة.
وينوه الدكتور عبد الرحيم ريحان إلى دراسة أثرية للدكتور رضا الشافعي المتخصص في الآثار المصرية القديمة، التي أشارت إلى رسم ساخر في دير المدينة يظهر فأرة تقوم بتقاذف كرات من صندوق أمامها، وهي تؤدي اللعبة بسعادة، وهو مثال على استخدام الألعاب للتعبير الفني.
انقذ نفسك بنفسك
ومن بين الألعاب الشهيرة في حياة المصري القديم، ظهرت لعبة «اللعب بالكوخ أو التخشيبة»، والتي تم تصويرها على كتلة حجرية في مقبرة تعود للدولة القديمة، محفوظة الآن في المتحف البريطاني، حيث تظهر مجموعة من الأطفال يلعبون ويتفاعلون في مشهد يحمل عنوانًا يوجه رسالة تعليمية: «انقذ نفسك بنفسك يا صديقي».
ويعتبر مهرجان كايرو كوميكس الكوميكس الفن التاسع لأنه يجمع بين الرسم والأدب والمسرح والسينما، ويتيح للقارئ أن يعيش كل حدث مع شخصياته وكأنه فيلم مرسوم، ويؤكد المنظّمون أن هذا الفن لا يقتصر على التسلية، بل يعكس ثقافة المجتمع ويعبّر عن الناس ومدنهم وقضاياهم اليومية، مع امتداد جذوره إلى آلاف السنين من التعبير البصري المصري.
اختتم مهرجان كايرو كوميكس فعالياته أمس 10 نوفمبر، ليؤكد نجاح الدورة العاشرة في تقديم أرشيف حي للقصة المصوّرة المصرية، وربط الماضي بالحاضر، وإتاحة الفرصة للأجيال الجديدة للتعرف على تاريخ هذا الفن والتفاعل معه، وقد أثبت المهرجان مرة أخرى أن الكوميكس ليس مجرد متعة بصرية، بل وسيلة تعبيرية ثقافية تثري المجتمع وتوثّق هويته على مدار مئة عام.

