صدرت أغنية «رجل البيانو» للمطرب الأمريكي بيلي جويل عام 1973، وإلى اليوم تعد من أشهر الأغنيات وأكثرها سماعاً وانتشاراً حول العالم، وكذلك من أكثر الأغنيات التي يقوم مطربون آخرون بإعادة غنائها. ولد بيلي جويل عام 1949 في حي برونكس في نيويورك، ونشأ في لونغ أيلاند في بيت ترددت داخله أصداء الموسيقى الكلاسيكية، وكانت مفاتيح البيانو تحت أصابعه الصغيرة منذ أن كان طفلاً، ومن هنا بدأت رحلته الطويلة مع الفن، إلى أن صار من أهم فناني البوب في العالم.
يكتب بيلي جويل كلمات أغانيه ويلحنها بنفسه ويغنيها بصوته الدافئ الصادق، ويعزف على البيانو، بالإضافة إلى مجموعة من الآلات الموسيقية الأخرى، وقد حقق أرقاماً قياسية في دنيا المبيعات خلال مسيرته الفنية الطويلة الممتدة، لكنه في الوقت نفسه حقق شروطاً فنية تضمن لأعماله البقاء والاستمرار. ويمكن القول إنه شاعر ينطلق من الكلمة في المقام الأول، ثم يذهب بها نحو الموسيقى والغناء، وأن الكلمة عنده من أكثر العناصر الجاذبة في أعماله، حيث إنه يضيف إلى كلمات أغانيه ما هو أكثر من التعبير عن المشاعر، فيهتم برسم الصور الخيالية والتعبيرات الشعرية، ويتقاطع أسلوبه مع فنون السرد والسيناريو والمسرح والتشكيل، كل هذا ببساطة ظاهرية تحمل في داخلها عمقاً ومعنى إنسانياً وجمالياً واسعاً. ومن المواقف اليومية العادية يستطيع أن يستخلص صوراً رمزية تعبر عما هو أكبر وأشمل، كالشعور بالوحدة والبحث عن معنى لهذه الحياة، والألم والعجز أمام تغيرات الزمن. يلتقط جويل تفاصيل الحياة في أمريكا بذهن شاعر وعيني صحافي، يرصد المنسيين في الشوارع ويمنحهم صوتاً ويرسم ملامح وجوههم في أغانيه.
في حانة صغيرة
كتب بيلي جويل أغنية «رجل البيانو» من إلهام تجربة حقيقية، عندما كان يغني ويعزف على البيانو في إحدى الحانات الصغيرة المتواضعة، وهو في بداية مشواره الفني، وتصنف الأغنية بين أنواع البوب والروك والفولك. كان جويل يعمل كل ليلة في تلك الحانة، ويراقب الزبائن الوحيدين التعساء، وأحلامهم المكسورة وأحاديثهم الليلية، التي تبوح بالكثير، تبدو الأغنية كفيلم قصير، أو كمشهد من فيلم، مشهد داخلي ليلي في حانة تضم مجموعة من الشخصيات، تذكر هذه الشخصيات إما بأسمائها أو بمهنتها، ويقدم كل شخصية من الشخصيات بلقطة واحدة مكثفة مختصرة، لكنها تفتح في ذهن السامع وأمام عينيه فيلماً كاملاً، وقصة تكشف أحلاماً خائبة وطموحات منكسرة، الكل يجتمع في ذلك المكان، والكل أيضاً يجمع على أن الأحلام لا يمكن أن تتحقق في ذلك المكان، وهناك من يعبر عن أنه عالق في الحانة، وأن الشرط الذي يتوقف عليه تحقيق أحلامه هو الخروج منها. يلجأ هؤلاء جميعاً إلى الرجل الجالس أمام البيانو، ويطلبون منه أن يغني لهم لحناً ينسيهم همومهم، ولو لبضع لحظات، ويقال إن بعض الشخصيات التي وردت في الأغنية حقيقية والأسماء أيضاً.
تتميز الأغنية بتوظيف آلة الهارمونيكا إلى جانب البيانو، ما أضفى على اللحن طابعاً شعبياً يأخذنا إلى أجواء تلك الحانة البسيطة، ومن يجتمع في داخلها، سواء من الزبائن أو من العاملين فيها. قد تبدو أغنية «رجل البيانو» في ظاهرها قصة بسيطة عن موسيقي يعزف لمجموعة من الأشخاص داخل حانة، لكنها في حقيقة الأمر مرآة لمشهد من مشاهد الحياة، تعكس مشاعر شخصيات نسيت في خضم قسوة الواقع، لكن بيلي جويل وثّق همومهم وأحزانهم، التي كان شاهداً عليها، كما طرح أسئلتهم المؤجلة، وعرض أحلامهم المفقودة وما يبحثون عنه، وعبّر عن وحدتهم المؤلمة في موسيقاه التي كانوا يطلبونها كدواء، يجعلهم يشعرون بأنهم بخير ولو لبعض الوقت. تفتتح الأغنية بصوت الهارمونيكا، يتبعه عزف البيانو الهادئ، الذي يخلق جواً من الألفة، يدخل منه المستمع إلى عالم الحانة، وحكايات بيلي جويل التي نسمعها بصوته الجميل، وهو يغني لحناً يجمع بين سرد مشاهد من الواقع والنغم العاطفي المؤثر، تمر الشخصية تلو الأخرى في لقطات قصيرة متتابعة، أشبه بمشاهد سينمائية رسمها جويل بالكلمات. لا تقدم الأغنية حلاً، بل تقدم لحظة دفء وتعاطف، لا تقدم إجابات، لكنها تصغي لأسئلة الغرباء. قد نشعر في لحظة من اللحظات، أثناء سماع هذه الأغنية، بأننا داخل لوحة من لوحات إدوارد هوبر الرسام الأمريكي، الذي برع في التعبير عن الشعور بالوحدة، ومن هذه اللوحات ما كان داخل حانات نيويورك ليلاً.
تعبر أغنية «رجل البيانو» عن الشعور بالوحدة بشكل كبير، لكن اعتراف هؤلاء الأشخاص بالوحدة يخلق ألفة ما، وانتماء لحظياً لمكان مؤقت ولحن عابر، في الحانة كل شخص وحيد، لكن الأغنية تجمعهم وتفسح المجال لمشاركة الحزن، وهكذا تكسر الموسيقى العزلة وتحقق التواصل. صاغ جويل لحناً بسيطاً معبراً باعتماده على الهارمونيكا والبيانو، هذا التبسيط الموفق جعل المستمع يشعر وكأنه في مكان صغير بالفعل، يسمع الموسيقى مباشرة من عازف بسيط وسط زبائن بسطاء، ويشعر بمدى القرب بين الجمهور والفنان.
استطاع بيلي جويل أن يحول هذه الأغنية التي كتبها عن حانة صغيرة إلى أغنية إنسانية، تروي قصص الغرباء الناقصة وأحلامهم الضائعة.
كاتبة مصرية

