تبدو الصحراء الكبرى للعين غير المعتادة فضاءً ممتدًا بلا معنى، غير أنّها بالنسبة للطوارق عالم نابض بالرموز، مكتنز بالذاكرة، وكلّ رملة فيه تحمل أثرًا، وكلّ نسمة ريح تحمل قصة. في هذا العالم، لا تكون الإمزاد مجرد آلة موسيقية، بل كائنًا رمزيًا يربط بين الإنسان والأرض، بين المرأة والمجتمع، وبين الماضي واللحظة. ولأنّ الإمزاد تنتمي إلى طبقات الثقافة الشفوية القديمة، فإنّها لا تتكلم بل تُنصِت؛ ولا تعزف بل تستدعي الذاكرة، ولا تُسمَع بل تُستشعَر. إنّ تناول الإمزاد بمنظور أنثروبولوجي وفلسفي معًا يتيح قراءة هذه الآلة بوصفها بنيةً من المعاني المتشابكة، وليست مجرد أداة تصدر صوتًا.
من حيث جذورها، تتقاطع حول الإمزاد الحكايات الشعبية التي تشبه الأساطير الأولى. تُروى قصة امرأة وحيدة عزفت على وتر واحد لتبكي غياب محاربٍ رحل ولم يعد، وتُروى قصة أخرى عن نساء يعزفن لرفع معنويات الرجال قبل الحرب. وفي كلا الروايتين، تظهر سلطة الوجدان الأنثوي على بنية المجتمع، فالإمزاد هنا ليست ملكًا لمن يعزف، بل لمن يستمع أيضًا. إنها وسيلة لبناء الشعور الجمعي، بما فيه من حنين، خوف، فرح، وتوتر. هذه الخلفيات الشعبية تُضفي على الإمزاد طابعًا أسطوريًا يجعلها تقف على التخوم بين الواقعي والرمزي، بين التاريخي والأسطوري، وهو ما يمنحها ثراءً فلسفيًا فريدًا.
ومن الناحية الأنثروبولوجية، تصبح الإمزاد جهازًا يُنظّم البنية الاجتماعية للطوارق. فصوتها يُستعمَل لترسيخ الهوية، فهي بمثابة توقيع صوتي للقبائل، وبمجرد سماع نبرتها يعرف الناس أنّهم في مجال ثقافي محدد. الصوت هنا ذاكرة، وذاكرة الطوارق ليست مكتوبة بل محفوظة في الذبذبات التي تنتقل من جيل إلى آخر. والإمزاد بوصفها أداة الأنثى، تمنح المرأة موقعًا مركزيًا في إنتاج الوعي الجمعي. فالعزف ليس ترفًا ولا مقتصرًا على الأفراح، بل فعلًا رمزيًا يعيد إنتاج دور المرأة باعتبارها حاملة الذاكرة، وحافظة المعنى، وساردةً غير ناطقة لتاريخ القبيلة.
وتتجلى الوظيفة الطقسية للإمزاد في ارتباطها بأوقات مخصوصة. تُعزف في الليل، حين يهدأ كل شيء، ويصير السكون جزءًا من نسيج العالم. تُعزف في الاحتفال ببطولة محارب، أو في لحظة حزن مرافق لفقدان رحيل، أو حين تتوتر العلاقات داخل الجماعة. اللحن ليس مجرد نغم، بل وسيلة لتليين النفوس وتصفية القلوب. فالصحراء قاسية بطبيعتها، لكن الطوارق عرفوا كيف يخلقون من داخلها أدوات للتهدئة. الإمزاد هنا ليست صوتًا داخل الصحراء، بل حضورًا مضادًا لقسوتها.
وما يميز الإمزاد بشكل فريد هو أنّها تُعزف بوتر واحد، وهذا ليس مجرد تفصيل تقني بل علامة فلسفية عميقة. فالوتر الواحد يعكس إيمانًا عميقًا بأنّ الوحدة أصل الأشياء، وأن تعدد الأصوات ليس ضروريًا للتعبير عن ثراء الحياة. يكفي صوت واحد، لكنه الصوت الصحيح، كي يقول كل شيء. هذا التوجه الجمالي يعكس ما يمكن تسميته “جمالية الاقتصاد”: حيث البساطة ليست فقرًا بل تركيزًا للمعنى. فالإمزاد لا تحتاج إلى ضجيج لتكون مؤثرة، بل إلى صدق يمر من يد العازفة إلى قلب المستمع.
ومع صوت الإمزاد، يصبح الزمن شيئًا غريبًا، وكأنه يتوقف. في فلسفة الوجود، الزمن ليس خطوطًا بل لحظات ممتلئة بالحضور. والمستمع للإمزاد، خصوصًا في الليل، يختبر لحظة من هذا النوع: لحظة بلا بداية ولا نهاية، لحظة وجودٍ خالص. فالإمزاد لا تحكي قصة بالمفهوم الخطي، بل تفتح بابًا إلى إحساس وجودي يقترب مما يصفه هيدغر بالوجود الأصيل، حين يتصل الإنسان بجوهره بعيدًا عن ضجيج العالم. إنها آلة تُبطئ الزمن، وتجعله مائيًا، شفافًا، قابلاً للانصات.
أما من منظور فلسفة الجسد، فالإمزاد لا تُفهم إلا باقترانها بجسد المرأة الذي يحتضنها. فهي ليست آلة على ركبتين، بل امتداد لجسدٍ يرسل عبر اليد والصدر والكتف اهتزازات تكمل اهتزاز الوتر. الانحناءة التي تعزف فيها المرأة تشبه انحناءة الأم فوق طفلها، فيها حنان ورعاية، لكن فيها أيضًا قوة ثابتة. هكذا يصبح العزف فعلًا جسديًا-روحيًا، لا مجرد تقنية. الصوت الذي يخرج من الإمزاد هو في جزء منه صوت الجسد نفسه، وهو ما يفسر سرّ تأثيره العميق.
وفي خلفية كل ذلك يبرز سؤال فلسفي أساسي: لماذا يحتاج الإنسان إلى الموسيقى؟ في الصحراء، حيث الصمت مخيف ومطلق، تصبح الإمزاد وسيلة لمقاومة الفراغ. إنها ليست صوتًا فقط، بل معنى في عالم يبدو بلا معنى. الرجل الذي يقطع الصحاري على جمله يحتاج إلى شيء يربطه بإنسانيته، بشيء أكبر من الجهد اليومي. والإمزاد تؤدي هذا الدور. إنّها تجيب عن سؤال الوجود بطريقة ناعمة: الوجود ليس مجرد معركة للبقاء، بل أيضًا بحث عن جمال يبرّر هذا البقاء.
ومع الحداثة، تجد الإمزاد نفسها أمام تحديات جديدة. التكنولوجيا تقتحم الأعراس والاحتفالات، والأصوات الاصطناعية تغطي على لحن الوتر الواحد. لكن السؤال العميق هو: هل يمكن للآلة الحديثة أن تأخذ مكان آلة تأتي محمولة بقرون من المعنى؟ الصوت الحديث قد يكون أعلى، لكنه بلا ذاكرة، والإمزاد ليست مجرد صوت، بل تاريخ يتكلم من خلال جسد امرأة. الخطر الأكبر ليس اختفاء الآلة، بل اختفاء السياقات التي تُعزف داخلها، فالطقس هو الذي يمنحها قوتها، لا الآلة في ذاتها.
ومع ذلك، انتبه الطوارق لهذا الخطر، فظهرت مبادرات لإحياء تعليم الإمزاد للفتيات الصغيرات، سواء في الجزائر أو مالي أو النيجر. هذا ليس مجرد تدريب موسيقي، بل إعادة بناء لدور المرأة في المجتمع، وإعادة وصل الحاضر بالماضي. تعليم الإمزاد يعني تعليم الجيل الجديد كيف ينصت، كيف يعيش اللحظة، وكيف يتواصل مع حكمة الأجداد. كل عزف هو جسر بين زمانين، وصوت صغير يقاوم النسيان.
ولأنّ الإمزاد ترتبط بالروح أكثر من ارتباطها باللحن، فهي تُعلّم الإنسان قيمًا عميقة. تُعلّمه الصبر، لأنّ اللحن لا يبدأ بقوة بل يتسلل ببطء. تُعلّمه الوحدة، لأن الوتر الواحد يكشف قدرة الصوت البسيط على خلق فضاء واسع. تُعلّمه الحضور، لأن الاستماع للإمزاد يحتاج إلى خلوة داخل الذات. تُعلّمه التسامي، لأنّ النغمات التي تُعزف في الليل تقود المستمع إلى حالة أقرب إلى التأمل. وتُعلّمه المقاومة، لأنّ استمرار الإمزاد رغم كل محاولات المحو دليل على قوة الثقافة وعلى قدرة الذاكرة الجمعية على حماية رموزها.
ولعل أجمل ما في الإمزاد أنّها تربط الإنسان بالصحراء بطريقة فريدة. الصحراء تمثل الفراغ، والإمزاد تمثل الامتلاء. الصحراء قاسية، والإمزاد دافئة. الصحراء صمت، والإمزاد كلام. في هذا التناقض يتحقق نوع من الانسجام. فالإمزاد لا تعارض الصحراء، بل تكملها. الصوت الذي يصدر عن الوتر الواحد يبدو وكأنه يخرج من الرمال نفسها، كأن الأرض تتكلم بلسان المرأة.
هكذا، تصبح الإمزاد ليس مجرد أثر من الماضي، بل دعوة دائمة للعودة إلى الجذور، للإنصات إلى الذات، وللتأمل في حقيقة الوجود. وكلما عزفت امرأة طارقية إمزادها، شعر المستمع بأن العالم، رغم صخبه وتغيره، ما يزال يحتفظ بمساحة صغيرة للنقاء، للحكمة، وللصوت الذي يعرف كيف يقول الكثير بوتر واحد فقط.

