احتل القطاع الصناعي الأولوية الكبرى لدى الحكومة السورية على مدار عام 2025، حيث تم إصدار عدد كبير من القرارات لإنقاذ القطاع الذي عانى من تداعيات الحرب التي استمرت منذ عام 2011 وحتى سقوط نظام الأسد في ديسمبر 2024.
كانت الصناعة تمثل أحد أهم موارد الاقتصاد السوري قبل عام 2011 بجانب النفط والزراعة والسياحة، ولكن الحرب المدمرة أدت إلى انهيار القطاع وتدهور البنية التحتية وتدمير عدد كبير من المنشآت الصناعية، بالإضافة إلى عدم القدرة على التصدير أو الاستيراد بسبب العقوبات الاقتصادية التي فرضت على سوريا.
الصناعة السورية كانت تحقق إيرادات كبيرة من الصادرات خاصة في قطاعات الصناعات الغذائية والنسيجية والكيماوية، حيث سجلت مساهمة القطاع الصناعي في الناتج المحلي السوري أكثر من 23% قبل الثورة بحجم صادرات يتجاوز سنوياً 5 مليارات دولار.
ولكن مع بدء الحرب التي شنها بشار الأسد على شعبه خرجت عدد كبير من المصانع من الخدمة بسبب غياب المواد الخام اللازمة للإنتاج أو تدهور البنية التحتية وغياب القوى العاملة البشرية لتتراجع مساهمة القطاع الصناعي إلى 8% من الناتج المحلي وفقاً لبيانات صادرة في عام 2014.
وعانى القطاع الصناعي السوري من هجرة اليد العاملة بسبب موجات النزوح في الداخل والخارج الناتجة عن الحرب، بالإضافة إلى فقدان جزء كبير من مصادر الطاقة مع انهيار محطات إنتاج الكهرباء ما أدى إلى ارتفاع تكاليف التشغيل.
بداية الإصلاح
بعد تولي الحكومة السورية الحالية تم الإعلان عن عدد كبير من الإجراءات لإنقاذ القطاع الصناعي وجذب الاستثمارات المحلية والأجنبية وإعادة تأهيل البنية التحتية المتدهورة للقطاع.
وقررت وزارة الاقتصاد والصناعة السورية منح المستثمرين المتعثرين في المدن الصناعية مهلة لتسوية أوضاعهم واستكمال مشاريعهم.
ونص القرار على منح المستثمرين الذين حصلوا على رخص البناء وأنجزوا الأساسات وفق الرخص الممنوحة أو تنفيذ جزء منها مباشر أو غير مباشر مهلة مدتها تسعون يوماً اعتباراً من تاريخ صدور القرار.
واشترط القرار للحصول على المهلة، استكمال أعمال البناء وفقاً للرخصة الممنوحة وتشغيل المنشأة وإدخالها في الإنتاج خلال مدة لا تتجاوز عام ونصف من تاريخ صدور القرار، أو بيع ونقل الملكية إلى مستثمر جديد.
كما اشترط القرار تقديم برنامج زمني محدد لمراحل تنفيذ المشروع وتشغيل المنشأة، مع ضرورة إدخالها في مرحلة الإنتاج الفعلي خلال مدة أقصاها عام ونصف من تاريخ الحصول على رخصة البناء أو تعديلها.
خفض الضرائب
كما قررت وزارة المالية السورية خفض الضريبة على القطاع الصناعي إلى 10% فقط ضمن النظام الضريبي الجديد، مع تخصيص 25% من حصيلة ضريبة المبيعات، التي ستستحدث بديلاً عن ضريبة الإنفاق الاستهلاكي، لدعم الصناعة والتصدير.
وقال وزير المالية السوري محمد يسر برنية إن الحكومة تعتمد مبدأ التشاركية الفعلية مع غرف الصناعة والتجارة في رسم السياسات الاقتصادية، وخاصة في إعداد النظام الضريبي الجديد، مشيراً إلى أن أي قرارات مستقبلية لن تصدر دون حوار مسبق مع ممثلي القطاع الصناعي.
كما قررت الوزارة منح إعفاء كامل للمنشآت الصناعية المتضررة أو المدمرة من الضرائب إلى حين إعادة تأهيلها، في خطوة تهدف إلى دعم إعادة التشغيل والإنتاج في المناطق المتضررة.
وتم تشكيل لجنة مشتركة، تضم وزارتي المالية، والاقتصاد والصناعة، وهيئة المنافذ البرية والبحرية، لمراجعة قوانين التعريفة الجمركية، والمنع والمنح، بما يتوافق مع ملاحظات المصنعين والتجار.
ووفقاً لوزير المالية، تهدف هذه الإجراءات إلى تنمية الاقتصاد السوري وزيادة الصادرات التي تراجعت بنسبة 90% منذ عام 2010.
وبالإضافة إلى ذلك قررت وزارة الاقتصاد والصناعة السورية تفويض مديريات الصناعة في المحافظات والمدن الصناعية بإصدار التراخيص للمنشآت الصناعية وكل ما يتعلق بها من تمديد وتعديل، مع منح المصنعين إعفاءات جمركية لخطوط الإنتاج واستبدال الآلات.
كما تم تشكيل فريق عمل لحماية المنتج المحلي يقوم بإجراء الدراسات اللازمة لتخفيض الرسوم الجمركية على المواد الأولية بالتنسيق مع هيئة المنافذ البرية والبحرية، مشيراً إلى إصدار تعليمات خاصة بكل صناعة لضمان تحقيق تنافسية عادلة بما يتعلق بالحد الأدنى من الآلات المستخدمة.
الاستثمار الدولي
وبالتوازي مع دعم المصنعين في الداخل، لجأت الحكومة السورية إلى التواصل مع المجتمع الدولي لجذب الاستثمارات الأجنبية للمساهمة في دعم تعافي القطاع الصناعي وتطوير التكنولوجيا ونقل المعرفة.
وقال نائب وزير الاقتصاد والصناعة السوري، باسل عبدالحنان، إن القطاع الصناعي في سوريا واجه صعوبات كبيرة خلال السنوات الماضية، حيث تجاوزت نسبة المصانع المدمرة كلياً أو جزئياً 40%، لافتاً إلى فقدان جزء كبير من الموارد البشرية المؤهلة والكفاءة الصناعية.
وأضاف عبدالحنان أن العديد من المصانع تعاني من عدم مواكبة التطور التقني والرقمي، ما أدى إلى انخفاض معدلات الإنتاج وارتفاع التكاليف وانقطاع في سلاسل التوريد.
وأوضح أن الشراكات الدولية وتبادل الخبرات عنصران أساسيان في مسار التعافي، مؤكداً أهمية تنفيذ مشاريع صناعية حيوية توفر فرص عمل واسعة، وتنشيط التعاون مع الجهات الدولية لدعم برامج التنمية الصناعية في سوريا.
وأشار إلى أن الاستراتيجية الوطنية الحالية تتمحور حول إعادة بناء قاعدة إنتاجية متطورة وتعزيز القدرة التنافسية عبر حزمة أولويات تشمل إعادة تأهيل المشاريع الصناعية القائمة، ودعم المشروعات الصغيرة والمتوسطة، وتطوير البنية التحتية الصناعية عبر إعادة إعمار وتأهيل المدن الصناعية المتضررة، وإنشاء مدن صناعية جديدة متكاملة الخدمات.
ظهور النتائج
حققت الإجراءات التي اتخذتها الحكومة السورية لدعم القطاع الصناعي نتائج جيدة خلال الفترة الماضية، حيث ارتفع عدد المشاريع الصناعية والحرفية المرخصة والمنفذة في المحافظات السورية إلى 3031 مشروعاً خلال أول تسعة أشهر من العام الحالي.
ووفقاً لتقرير مديرية الاستثمار الصناعي والحرفي في وزارة الاقتصاد والصناعة السورية بلغ عدد المشاريع الصناعية المرخصة 2225 مشروعاً، تصدرها القطاع الكيميائي بواقع 643 مشروعاً، يليه القطاع الهندسي بـ 581 مشروعاً، ثم الغذائي بـ 536 مشروعاً، والنسيجي بـ 465 مشروعاً.
وفيما يتعلق بالمشاريع الصناعية التي دخلت مرحلة الإنتاج خلال الأشهر التسعة الأولى من العام الحالي تم تنفيذ 218 مشروعاً صناعياً، وكانت الحصة الأكبر للقطاع الكيميائي بواقع 98 منشأة، ثم الغذائي بـ 74 منشأة، والهندسي بـ 26 منشأة، وأخيراً القطاع النسيجي بـ 20 منشأة.
وبلغ عدد المشاريع الحرفية المرخصة 532 مشروعاً، توزعت ما بين 190 مشروعاً هندسياً، و169 مشروعاً غذائياً، و122 كيميائياً، و51 نسيجياً.
ووصل عدد المشاريع الحرفية المنفذة إلى 56 مشروعاً، توزعت بواقع 39 مشروعاً في القطاع الغذائي، و12 مشروعاً في القطاع الهندسي، ومشروعين في القطاع النسيجي، و3 مشاريع في القطاع الكيميائي.

