يأتي فيلم “قيمة عاطفية” (Sentimental Value) بوصفه عملاً ينتمي إلى مرحلة نضج متقدمة في مسيرة المخرج النرويجي يواكيم ترير، الذي راكم منذ بداياته في Reprise عام 2006 مشروعاً سينمائياً متماسكاً ومشغولاً بأسئلة الذاكرة والطموح الفني والإرث العاطفي وهشاشة الروابط العائلية.
انشغل ترير في أعماله السابقة مثل Oslo, August 31st و The Worst Person in the World، بكيفية ترجمة المشاعر الداخلية إلى لغة بصرية، والتوتر الدائم بين الحياة كما تُعاش والحياة كما تُروى. في هذا الفيلم الجديد، يوجه عدسته نحو الداخل، نحو فكرة السلالة نفسها، العائلية منها والفنية.
في قلب الحكاية، يقف غوستاف بورغ، الذي يجسده ستيلان سكارسغارد بأداء يجمع بين الجاذبية والهيمنة. غوستاف مخرج سينمائي مسن، تستند سمعته إلى أمجاد قديمة.
مسيرته في انحدار، زواجه انتهى منذ زمن، وعلاقته بابنتيه ممزقة بفعل سنوات من الغياب والانقطاع. بعد وفاة زوجته السابقة، يعود إلى المنزل العائلي، بيت خشبي فخم مثقل بالذكريات.
هذا البيت ليس مجرد موقع تصوير، بل أرشيف حيّ، مستودع للحنين والصدمة معاً. فيه نشأ غوستاف، وفيه أنهت أمه حياتها بعد أن نجت من تعذيب النازيين خلال الحرب، وفيه تربت ابنتاه قبل أن يتركهما وراءه من أجل فنه.
تبدو القصة بسيطة في ظاهرها. يعلن غوستاف نيته إخراج فيلم جديد عن والدته، مستخدماً البيت العائلي موقعاً أساسياً للتصوير. يطلب من ابنته الكبرى نورا، وهي ممثلة مسرحية ناجحة لكنها مضطربة داخلياً، أن تؤدي دور الشخصية المستلهمة من جدتها.
ترفض نورا. جرح الإهمال الأبوي لا يزال مفتوحاً، وهي تدرك أن عرض والدها ليس مصالحة خالصة بقدر ما هو محاولة لإحياء مسيرته. بعد رفضها، يسند الدور إلى رايتشل كيمب، نجمة هوليوودية شابة تنجذب إلى هيبة المشروع وثقله العاطفي.
هذا القرار يعيد إحياء مرارات قديمة ويفرض على الجميع سؤالاً صعباً: هل يستطيع الفن إصلاح ما أفسدته الحياة، أم أنه يجمّل الأذى ويعيد صياغته فقط؟
بين الفن والذاكرة
يبني ترير فيلمه على حوار معقّد بين الفن والذاكرة. غوستاف يجسد الفنان الذي يحوّل المأساة الشخصية مادة إبداعية، ويؤمن ربما بصدق أن تحويل الألم إلى سينما هو شكل من أشكال الحفظ والخلود. غير أن الفيلم يقوّض هذا التصور تدريجاً. نوبات القلق التي تعانيها نورا، وترددها تجاه مهنتها، ورفضها الحاد لسيناريو والدها، كلها تشير إلى أن الفن قد يكون أيضاً قناعاً، بل آلية مراوغة عاطفية.
في المقابل، تمثل أغنيس، الأخت الصغرى والمؤرخة الأكاديمية، مقاربة مختلفة للماضي. حيث يختلق غوستاف سردية فنية، تبحث هي عن الوقائع وتدقق في السياق. هذا التوتر يعكس نقاشاً أوسع حول تمثيل الصدمة: هل يُكرَّم الماضي عبر إعادة تخيّله درامياً أم عبر تفكيكه تاريخياً؟
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
أداء سكارسغارد محوري في إنجاح هذا البناء. غوستاف أناني، ساحر، حاد الذكاء، ومراوغ أخلاقياً. يملأ الغرف بحضوره، لكنه ينكمش في عزلته الخاصة. يرفض الفيلم اختزاله في صورة شرير أو ضحية. بدلاً من ذلك، يكشف عن الأنانية البنيوية التي قد تتسلل إلى الممارسة الفنية.
يبدو أن أبوة غوستاف لا تعمل إلا من خلال عدسة الكاميرا. يستطيع رعاية ممثلين، لكنه يعجز عن رعاية ابنتيه. استبدال نورا برايتشل يجسد هذا الإزاحة بوضوح، كأن الأب لا يستطيع الحب إلا حين يُمرَّر عبر الخيال.
أما ريناتي رينسفه، فتعطي نورا عمقاً داخلياً متقلباً. تتأرجح بين السخرية والهشاشة والغضب المكبوت. لغة جسدها أمام والدها تختزن تاريخاً من الإهانات الصغيرة وخيبات الأمل المتراكمة.
يتقن ترير التقاط هذه الطبقات الصامتة. الحوارات محمّلة بالوقفات والنظرات والتحولات النبرية التي تفوق في دلالتها أي مواجهة مباشرة. الانفراجات العاطفية تأتي ببطء، أحياناً بلا كلمات، فيما يذكّر بجوهر سينما بيرغمان في تفكيك العلاقات العائلية المتوترة.
ومع ذلك، لا يخلو الفيلم من إشكال. قد يرى بعض المشاهدين أن خاتمته تميل إلى تليين الحدة الأخلاقية. يُعترف بموهبة غوستاف، ويقترب السرد من نبرة تصالحية.
يبرز هنا سؤال مشروع: هل يمنح الفيلم شخصية الأب قدراً زائداً من التسامح؟ هل يبرر الفن الإهمال؟ أم أنه يقرّ فقط بتعايش العبقرية مع الفشل الإنساني؟ يبدو أن ترير لا يسعى إلى إصدار حكم بقدر ما يطمح إلى إبراز التعقيد. العلاقات المتصدعة نادراً ما تختزل في إدانة واحدة، فهي تجمع المودة والمرارة والإعجاب والتعب في آن.
يتميز الفيلم بسلاسة بصرية وإيقاع محسوب. التصوير والمونتاج يمنحان حيوية لعمل يعتمد كثيراً على الحوار. تتداخل مشاهد الحاضر مع لقطات تبدو أحياناً من فيلم غوستاف داخل الفيلم، ما يزعزع الحدود بين الذاكرة والتمثيل.
هذا الغموض البنيوي يعكس أطروحة العمل نفسها: الذاكرة ليست حيادية، بل تُعاد صياغتها باستمرار. البيت يتحول إلى استعارة للسينما، فضاء تتعاقب فيه الأجيال، تؤدي أدوارها ثم تترك آثارها خلفها.
في المحصلة Sentimental Value ليس فيلماً عن المصالحة بقدر ما هو عن الاعتراف. يعترف بأن الفن لا يصلح كل ما تكسره الحياة، لكنه يعترف أيضاً بأن الحياة لا تنفصل عن القصص التي ننسجها عنها.
فيلم غوستاف قد لا يعيد بناء علاقته بابنتيه، لكنه يكشف الشوق الكامن تحت غروره. رفض نورا لا يمحو إرثها الفني، بل يعيد تعريف موقعها داخله. إنجاز ترير يكمن في قدرته على احتضان هذه التناقضات من دون أن يسقط في عاطفية مبتذلة، حتى وهو يغامر بعنوان يستدعيها.
يبقى الفيلم في الذاكرة لأنه يرفض التطهير السهل. يوحي بأن العائلة، مثل العمل الفني، بناء ناقص، يتشكل بقدر ما يتشكل من الحضور، يتشكل أيضاً من الغياب.
وإذا كان هناك شكل من أشكال النعمة هنا، فهو متواضع ومشقوق بالتجربة. ليس غفراناً مسرحياً صاخباً، بل إقرار هادئ بأن الحب والأذى كثيراً ما ينبعان من الجذر ذاته.
في مواجهة هذه الحقيقة، يرسخ ترير مكانته كمخرج شديد الحساسية تجاه العلاقة الملتبسة بين التاريخ والفن والحاجة الإنسانية العميقة إلى أن يُرى الإنسان حقاً.

