الرباط ـ «القدس العربي»: لم يكن تنظيم المغرب لكأس إفريقيا للأمم مجرد حدث رياضي عابر، بل تحول إلى لحظة جامعة، تداخلت فيها الكرة بالموسيقى، وامتزج فيها الإبداع الفني بعمق حرف الصناعة التقليدية، في صورة تعكس مغربا متعدّد الروافد، قادرا على تحويل تظاهرة رياضية قارية إلى منصة للإشعاع الثقافي والحضاري.
على المستوى الفني، رافقت البطولة موجة من الأعمال الموسيقية التي عكست تنوع الذائقة المغربية وتعدد أساليب التعبير. الأغنية الرسمية المنشورة على القناة الرسمية لـ «الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم»، بتوقيع الموسيقي العالمي المغربي ريدوان، والتي تم تقديمها خلال حفل الافتتاح الرسمي لـ «الكان» في ملعب مولاي عبد الله في الرباط، من طرف الفنانة البنينية العالمية أنجليك كيدجو، والفنان يوسف أقديم المعروف بـ «لارتيست»، إلى جانب المغربية خولة مجاهد المعروفة باسم «جايلان». الأغنية التي لاقت انتشارا كبيرا، جاءت وفق منطق التظاهرات الكبرى، بإيقاع عالمي ورسالة تحفيزية وصورة موجهة لجمهور واسع داخل القارة وخارجها. عمل يؤدي وظيفة التعبئة والاحتفال الجماعي، ويضع نفسه في خدمة الحدث أكثر مما يسعى إلى مغامرة فنية عميقة.
في موازاة ذلك، برزت أغنية «المغربية» التي جمعت حاتم عمور ومجموعة فناير وسلمى رشيد، كعمل أكثر قربا من الحس الوجداني للجمهور واحتفاء بالأمهات المغربيات، حيث راهنت الأغنية على استحضار عناصر من الهوية والذاكرة الجماعية، مستهدفة الأسر المغربية أولا وجاعلة من الأمهات وتضحياتهن جوهرة تاج المجتمع.
وفي منحى مختلف، جاءت أغنية «أشكيد»، وهي كلمة أمازيغية تعني «تعالَ»، للرابور مسلم وديزي دروس وأسماء أخرى من مشهد الراب، لتكسر القوالب الاحتفالية الكلاسيكية، وتقدم قراءة شبابية للحدث، عبر استحضار الإيقاع الصريح وخطاب الفخر والتحدي، جعلت من هذا العمل تعبيرا عن جيل يرى في كأس إفريقيا مناسبة لإبراز حضوره الثقافي، لا مجرد لحظة استهلاكية للفرجة الرياضية.
كما برزت أغنية «ماروكينوس» التي جمعت منال بنشليخة وزهير بهاوي ونعمان بلعياشي، كعمل شبابي يعكس تحولات الأغنية المغربية المعاصرة. وهي الأغنية راهنت على إيقاعات عصرية ولغة قريبة من الجيل الجديد، وقدمت صورة مغرب واثق من تنوعه وانفتاحه، يحتفي بهويته بأسلوب حداثي يجمع بين البوب والإيقاعات الحضرية، في تعبير فني يواكب روح الاحتفال ويخاطب جمهورا واسعا داخل المغرب وخارجه.
أغنية «مرحبا بيكم» لمهدي مزين وهند زيادي جاءت كتحية موسيقية دافئة للمستمعين، مستلهمة روح الضيافة المغربية الأصيلة وانفتاحها على الثقافات المختلفة، بمزيج من الإيقاعات العصرية واللمسات التقليدية، حيث نجح الثنائي في تقديم عمل فني ممتع يعكس الفرح والانتماء، ويخلق جوا من التفاعل والحيوية.
هذا التعدد في التعبيرات الموسيقية لم يكن معزولا عن باقي مكونات المشهد الثقافي الذي رافق البطولة. ففي الموازاة مع الإيقاعات والأصوات، حضرت الحِرف المغربية بقوة، مؤكدة أن الاحتفال لم يكن سمعيا وبصريا فقط، بل كان أيضا حسيا وملموسا.
وطيلة هذا الحدث الرياضي الإفريقي، تتحول مناطق المشجعين «فان زون» في الرباط وطنجة وفاس والدار البيضاء ومراكش وأغادير، إلى فضاءات نابضة بالحرف والإبداع، لا تقل حيوية عن المدرجات. تضم أروقة للعرض، وعروضا تفاعلية لمهارات الصناع التقليديين وأنشطة موجهة للزوار، جعلت من هذه الفضاءات منصات مفتوحة للتعريف بجمالية وتنوع المنتوج التقليدي المغربي والإفريقي.
أكثر من 300 صانع تقليدي وتعاونية ومقاولة حرفية من المغرب ومن بلدان إفريقية مشاركة في البطولة، قدموا فسيفساء غنية من المنتجات، من الزرابي والنسيج، إلى الفخار والخزف، مرورا بالنحاسيات والخشب والحلي والمجوهرات والجلد والأحذية التقليدية والرخام والديكور.
لم تقتصر مناطق التشجيع الخاصة على بث المباريات وجمع الجماهير، بل تحولت إلى فضاءات ثقافية حية، تحتضن فرقا موسيقية مغربية قدمت عروضا مباشرة على إيقاع الفرح الجماعي. تنوعت الأنماط بين الموسيقى الشعبية، والفيوجن، والإيقاعات الإفريقية، ما جعل الـ «فان زون» مسارح مفتوحة تلتقي فيها الأذواق، ويصبح فيها التشجيع فعلا احتفاليا يتجاوز تسعين دقيقة.
وفي قلب هذا المشهد، حضر الشاي المغربي كعنصر رمزي لا يقل أهمية عن الموسيقى. بأوانيه التقليدية، وطريقة سكبه، وروائحه الزكية، كان الشاي جزءا من تجربة المشجع والزائر، يعكس طقوس الضيافة المغربية التي تقوم على الكرم والتقاسم. إذ لم يكن مجرد مشروب، بل لحظة تواصل واستراحة تعيد وصل الجمهور بروح المكان.

