عام 1946، وفى ظل التغيرات السياسية والاقتصادية والفنية التى تجتاح العالم وقتها إبان الحرب العالمية الثانية، وفى حى شبرا العريق، جاء ميلاد داوود عبدالسيد، ابناً وحيداً لأبويه، ينتقل بصحبتهما طفلاً للعيش فى مصر الجديدة. ينغمس فى القراءة، يفكر كثيراً، يتأمل طويلاً، للدرجة التى تجعله يتمنى العمل بالمجال الصحفى.
ويتغير الحلم بسبب ابن خالته الذى كان يسعى للعمل بالفن، واصطحب معه «داوود»، المراهق الصغير، إلى الاستديو وصادف تصوير فيلم «من غير ميعاد»، للمخرج أحمد ضياء الدين، وبطلتاه نادية لطفى وسعاد حسنى، ليصاب بالانبهار والهوس الذى يصيب عشاق الفن.. يقرر «ابن الخالة» الالتحاق بمعهد السينما، ويفعل مثله، ليُرفض الأول ويقرر دراسة الطب ثم الهجرة للخارج، ويتم قبول الشاب الذى أصابه عشق الفن، ليصبح فيما بعداً مخرجاً بدرجة فيلسوف، يضع الفيلم أمام الجمهور، ويتركه يشاهد العمل بكامل حريته وحسب ما يهديه تفكيره ورؤيته، يفتح أمامه باب التساؤلات والتحليلات.
تشعر معه بأنه دائماً «مهموم» بالناس، يريد أن يكون صاحب بصمة فريدة لا يشبه غيره وكان له ذلك، حرص على كتابة سيناريوهات جميع أفلامه، ما عدا فيلماً واحداً، «أرض الأحلام»، آخر ظهور سينمائى للسيدة فاتن حمامة، لا يشغل باله بتقديم أكبر عدد من الأفلام، ولكن يرُيد الأفضل.
لذا اكتفى بتقديم 9 أفلام روائية طويلة، منها فكرة ظلت معه 10 أعوام حتى قرر أن تخرج للنور ويُهدينا «أرض الخوف» لنغوص فى عالم «يحيى أبودورة»، وكنا قبلها ما زلنا داخل «الكيت كات» نسير مع «الشيخ حسنى» بكل ما يحمله من تفاصيل، عوالم «داوود» مليئة بالشخصيات والأماكن التى تترك أثرها فى النفوس، ونهايات الحدوتة تكون على الشاشة، ولكن فى عقل المشاهد الذى يغادر قاعة السينما تستمر الحكاية ويصبح جزءاً من الحدث وليس مجرد متلقٍ.
لجأ إلى الإخراج والكتابة ليمنح نفسه الحرية الكاملة فى تقديم ما يريد وأن يسيطر على أبطال حكاياته، بعدما عمل مساعداً للإخراج فى نهاية فترة الستينات ولكن لم يستمر طويلاً، ويكون أول عمل يحمل توقيعه بصفته مخرجاً عام 1985 من خلال «الصعاليك»، وفى عام 2015 يقرر التوقف بعد آخر أفلامه «قدرات غير عادية».
جاء قراره مع نهاية عام 2021 «مش هشتغل تانى»، اعتبرها عشاق سينما داوود عبدالسيد، مجرد هُدنة، واعتبرها استراحة حتى ينعم بالجلوس فترة أطول مع زوجته الحبيبة كريمة كمال التى عاش بصحبتها نحو 40 عاماً، وأنجبا ابنهما الوحيد «يوسف»، معهما يشعر بـ«الونس»، حضن العائلة و«طبطبة» الأصدقاء، هما الملاذ الآمن لرجل أحب السينما، لم يعتد أن ينطق آهات الوجع، فى ظل تداعيات إصابته بمرض الفشل الكلوى، وكما قرر العيش فى هدوء يأتى رحيله بسلام.
لا يصنع أفلامه للمهرجانات، وإنما للجمهور فى قاعات العرض، لا يقدم ألغازاً، وإنما شخصيات ومواقف وأحداث عن بشر من «لحم ودم»، هو يريدك أن تتأمل ما تراه، تنفعل معه، وتفكر أيضاً، عبارات جاءت على لسان الناقد محمود عبدالشكور، خلال صفحات كتاب «داوود عبدالسيد.. سيرة سينمائية». ولم تكن أى سيرة، إنه مشوار رجل يحمل كثيراً من الشغف والعشق تجاه «كاميرا السينما»، منحها شبابه وكهولته، ومنحته محبة الناس وإيمانهم به. «كان الراحل نموذجاً نادراً للمبدع المثقف»، هكذا نعت الشركة المتحدة للخدمات الإعلامية، ببالغ الحزن والأسى، رحيل المخرج الكبير داوود عبدالسيد ووفاته عن عمر 79 عاماً، أحد أهم رموز السينما المصرية والعربية، وصاحب التجربة الفنية المتفردة التى أثرت الوجدان وطرحت أسئلة الإنسان والمجتمع بصدق وعمق، وتأكيدها أنه قدم أعمالاً خالدة ناقشت قضايا الإنسان والمجتمع بجرأة وصدق وعمق، وأسهمت فى ترسيخ مكانة السينما المصرية كأداة للتنوير «إرثه الفنى والفكرى سيظل حاضراً، وأعماله ستبقى شاهدة على موهبة استثنائية، ورؤية لا تموت».

