
صحة المرأة تحت ضغط التمييز

صحة المرأة تحت ضغط التمييز
تتعرض النساء، على مدار حياتهن اليومية، لأشكال متعددة من التمييز، لا تترك أثرها فى التجربة النفسية وحدها، بل تمتد تداعياتها إلى الجسد ذاته، وصولًا إلى تغيّرات ملموسة فى بنية الدماغ. وكشفت دراسات حديثة أن التعرض المستمر للمضايقات أو لأى من أشكال التمييز الجنسى اليومى قد يؤدى إلى آثار طويلة الأمد، من بينها «ترقق» أجزاء من الدماغ، بما ينعكس على الصحة النفسية وجودة الحياة بشكل عام. ورغم النجاحات التى حققتها حركات حقوق المرأة خلال القرن الماضى فى العديد من الدول، حيث أصبحت المساواة فى الأجور حقًا قانونيًا، وأُدرج التمييز على أساس الجنس ضمن الجرائم المعاقب عليها، فإن القلق يتزايد إزاء ما يبدو أنه تراجع فى مسار المساواة. إذ تُظهر الإحصاءات أن فجوة الأجور بين الجنسين لا تزال ثابتة، فى حين يشهد العنف ضد النساء والفتيات ارتفاعًا مستمرًا فى معدلاته.

صحة المرأة تحت ضغط التمييز
وعلى الصعيد العالمى، تبدو الأرقام مقلقة بشكل خاص، إذ تشير التقديرات إلى أن واحدة من كل ثلاث نساء تقريبًا تعرضت للعنف الجسدى أو الجنسى، أو لكليهما. وإلى جانب هذه الأشكال الصريحة من العنف، تتغلغل فى الحياة اليومية أنماط أكثر خفاءً من التمييز الجنسى، مثل الاستخفاف أو التقليل من شأن المرأة، أو ما يُعرف بالتمييز المقنّع الذى يظهر أحيانًا فى صورة مجاملات تبدو إيجابية، لكنها تفترض ضمنيًا أن النساء أكثر لطفًا أو عاطفية بطبيعتهن، فى مقابل تصوير الرجال على أنهم أكثر عقلانية أو سيطرة. وتوضح عالمة الاجتماع باتريشيا هومان، من جامعة ولاية فلوريدا الأمريكية، فى تصريحات نقلتها «بى بى سى»، أن التمييز الجنسى البنيوى يتمثل فى عدم مساواة منهجية بين الرجال والنساء فى توزيع السلطة والموارد، وهو نمط متجذر فى الهياكل الاجتماعية والاقتصادية، وليس مجرد ممارسات فردية معزولة.
وكشفت دراسة واسعة النطاق، حللت أكثر من 7800 صورة مسح دماغى فى 29 دولة، أن اختلالات التوازن بين الجنسين داخل المجتمعات يمكن أن تُحدث تغييرات جسدية فعلية فى أدمغة النساء. فقد أظهرت النتائج أن النساء اللواتى يعشن فى بلدان ترتفع فيها مستويات عدم المساواة بين الجنسين يمتلكن سماكة قشرية أقل فى مناطق الدماغ المرتبطة بالتحكم العاطفى، والمرونة النفسية، والاضطرابات المرتبطة بالتوتر، مثل الاكتئاب واضطراب ما بعد الصدمة. ويُعزى هذا التغير، من منظور الطب النفسى، إلى الضغوط المزمنة الناجمة عن عدم المساواة، والتى تؤثر فى عملية تُعرف باللدونة العصبية، وهى قدرة الدماغ على التكيف مع الخبرات التى يمر بها الإنسان أو ما يتعلمه. فالإجهاد المزمن يُضعف هذه القدرة الطبيعية، ما يؤدى بمرور الوقت إلى تغيرات فى بنية الدماغ ووظائفه. وأشار الباحثون إلى أن هذه الاختلافات الدماغية تقل حدتها فى الدول التى تتمتع بمستويات أعلى من المساواة بين الجنسين، كما أنها لم تُلاحظ بالقدر نفسه لدى الرجال، وإن كان الرجال قد أظهروا بدورهم تغيرات دماغية أكبر فى الدول الأقل مساواة. وتعزز هذه النتائج ما توصلت إليه دراسة بريطانية أظهرت أن النساء اللواتى تعرضن للتمييز الجنسى عانين من تدهور ملحوظ فى صحتهن النفسية بعد أربع سنوات. ففى دراسة شملت ما يقرب من 3000 امرأة، أفادت واحدة من كل خمس نساء بتعرضها لشكل من أشكال التمييز الجنسى، تراوح بين الشعور بعدم الأمان فى الأماكن العامة، والتعرض للإهانة، وصولًا إلى الاعتداء الجسدى. وكانت هؤلاء النساء أكثر عرضة بثلاث مرات للإبلاغ عن ضائقة نفسية وانخفاض فى مستوى الرضا عن الحياة. وتؤكد روث هاكيت، أخصائية علم النفس الصحى فى كلية كينجز كوليدج لندن، والمؤلفة الرئيسية لهذه الدراسة، أن التعرض المتكرر للتجارب المرهقة مع مرور الزمن قد يؤدى إلى إجهاد الجسم، ومن ثم ترتبط هذه التغيرات البيولوجية الضارة بتدهور الصحة النفسية. وتضيف: «هذا ببساطة يُنهك الناس». فى المقابل، أظهرت دراسات أخرى أن النساء اللواتى يعشن فى مجتمعات أكثر مساواة بين الجنسين يسجلن معدلات اكتئاب أقل، كما أن النساء فى علاقات أكثر مساواة يتمتعن بصحة نفسية أفضل، ما يسلط الضوء على الأثر الإيجابى للبيئات العادلة والداعمة. ويمتد التمييز كذلك إلى مجال الرعاية الطبية، لا سيما فيما يتعلق بصحة المرأة. فقد وجدت إحدى الدراسات أن النساء فى أقسام الطوارئ أقل عرضة لتلقى مسكنات الألم الأفيونية مقارنة بالرجال. كما كشفت دراسة أخرى أُجريت عام 2024 أن النساء أقل احتمالًا لتلقى مسكنات ألم أخرى، حتى عندما تكون أعراض الألم لديهن مماثلة لأعراض الرجال. ويشير مؤلفو الدراسة إلى أن هذه النتائج تكشف عن تفاوت منهجى بين الجنسين فى إدارة الألم، إذ تكون المريضة التى تغادر قسم الطوارئ أقل حظًا بكثير فى تلقى العلاج اللازم لشكواها مقارنة بالمريض.

