تتسلل من ورشات سرية إلى موائد الجزائريين
ح.م
تعبيرية
تتسلل روائح التوابل إلى المطابخ مع اقتراب شهر رمضان، بولاية سطيف، لتستعيد الموائد السطايفية نكهاتها التقليدية، وتزداد شهية العائلات لاستهلاك البهارات بمختلف أنواعها، من الفلفل الأحمر والقرفة إلى الزنجبيل والكمون والزبيب.
غير أن هذه الروائح التي يفترض أن تعكس الدفء والطمأنينة، تخفي في كثير من الأحيان خطرًا صامتًا بات يهدد صحة المستهلكين، في ظل انتشار مقلق لظاهرة الغش في صناعة التوابل، ظاهرة لم تعد معزولة أو محدودة، بل تحولت خلال السنوات الأخيرة إلى نشاط موازٍ يتغذى على الطلب الموسمي المرتفع، ويبلغ ذروته مع اقتراب الشهر الفضيل.
تحتل التوابل والبهارات مكانة مركزية في المطبخ السطايفي خصوصا والمطبخ الجزائري عموما، خاصة في رمضان، حيث لا تكاد تخلو منها الشربة والأطباق التقليدية والحلويات. هذا الإقبال الكبير جعل أسواق التوابل تعرف انتعاشًا ملحوظًا، خصوصًا في مناطق اشتهرت تاريخيًا بهذا النشاط، على غرار الجهة الجنوبية لولاية سطيف، وبالضبط بلدية عين ولمان، التي تحتضن واحدًا من أكبر أسواق التوابل على المستوى الوطني، وتتحول مع اقتراب رمضان إلى نقطة توزيع رئيسية تزود مختلف ولايات البلاد.
في هذه السوق، ينشط تجار جملة معروفون بسمعتهم وجودة بضاعتهم، حيث يتم تسويق توابل محلية وأخرى مستوردة وفق مسارات قانونية واضحة، مع احترام شروط التخزين والنظافة، حفاظًا على ثقة الزبائن واستمرارية النشاط، غير أن هذه الصورة لا تعكس سوى جانب واحد من المشهد، إذ في الجهة المقابلة، وعلى هامش الأسواق المنظمة، تنمو ممارسات خطيرة يقودها محتالو الغش، الذي يتعمدون التشويش على أصحاب المهنة وأهل الاختصاص، وقد وجد المحتالون في التوابل مجالًا سهلًا لتحقيق أرباح سريعة، مستغلين جهل بعض المستهلكين.
آخر صيحات الغش.. فلفل أحمر ممزوج ببقايا الآجر والقرميد
في الأزقة والأسواق الموازية، تُعرض توابل يُفترض أن تكون باهظة الثمن بأسعار زهيدة تثير الشكوك. هنا يكمن بيت الداء، حيث لا يتعلق الأمر بتخفيضات موسمية أو جودة أقل فحسب، بل بمنتجات مغشوشة تشكل خطرًا حقيقيًا على الصحة العمومية. فالفلفل الأحمر، أحد أكثر المواد استهلاكًا في رمضان، يتحول في ورشات سرية إلى خليط قاتل، إذ يلجأ محترفو الغش إلى جمع بقايا الآجر والقرميد من ورشات البناء، ثم طحنها وتحويلها إلى حبيبات دقيقة تُخلط بنسبة معينة مع الفلفل الأحمر الحقيقي.
ولإضفاء لون جذاب، تُضاف أحيانًا ملونات صناعية مخصصة لمواد البناء، تُستعمل عادة في تلوين البلاط وأرصفة الطرقات، قبل أن تُعبأ هذه الخلطة وتُعرض كبهار صالح للاستهلاك.
ويطال الغش مواد أخرى تعرف إقبالًا واسعًا في رمضان، مثل الزبيب. ففي هذا الصنف، يتم استغلال كميات كبيرة من الزبيب المنتهي الصلاحية أو المتبقية من مواسم سابقة، تُشترى بثمن بخس، ثم يُعاد تلميعها بإضافة الزيت لتغيير لونها ومنحها مظهرًا لامعًا يوحي بالطزاجة، مع التلاعب بتواريخ الإنتاج قبل إعادة طرحها في السوق.
أما الزنجبيل، الذي يُروّج له كمنتج صحي ومفيد، فلم يسلم هو الآخر من أيادي الغش، حيث يتم مزجه بالفول المطحون وإضافة ملونات خاصة، ليبدو في شكله النهائي كزنجبيل عادي، بينما هو في الواقع خليط مغشوش يحتوي على مواد أخرى مجهولة المصدر، قد تكون لها آثار صحية خطيرة على المدى القريب أو البعيد.
وفي آخر عملية، تمت منذ يومين، نفذها أفراد الفرقة الإقليمية للدرك الوطني بصالح باي جنوب ولاية سطيف، جرى تفكيك ورشة سرية مختصة في صناعة وترويج التوابل المغشوشة، وحجز أكثر من 25 قنطارًا من التوابل المهيأة للتعليب والتسويق، إلى جانب ضبط عدد معتبر من الآلات والمعدات المستعملة في خلط وغش التوابل. وقدّرت القيمة المالية للمحجوزات بحوالي 121.3 مليون سنتيم، في مؤشر على حجم النشاط غير المشروع والأرباح غير الشرعية التي كان يحققها المتورط على حساب صحة المواطنين.
مختصون يحذرون من التوابل المطحونة مجهولة المصدر
في ظل هذا الانتشار المقلق للتوابل المغشوشة، تؤكد مصالح الرقابة أن الظاهرة لم تعد حالات معزولة، بل نشاطًا منظّمًا يستغل الطلب الموسمي الكبير.
وفي هذا السياق، كشف مفتش بمديرية التجارة بسطيف، في تصريح للشروق اليومي، أن فرق الرقابة تسجّل سنويًا ارتفاعًا محسوسًا في مخالفات الغش المتعلقة بالتوابل مع اقتراب شهر رمضان، موضحًا أن “البهارات من أكثر المواد عرضة للتلاعب بسبب سهولة خلطها وصعوبة كشف الغش فيها بالعين المجردة”.
ويضيف المتحدث أن العديد من الورشات غير الشرعية تنشط خارج أي إطار قانوني، من دون احترام أدنى شروط النظافة أو السلامة، مشيرًا إلى أن بعض المواد المستعملة في الغش “لا علاقة لها نهائيًا بالغذاء، بل تُصنّف ضمن مواد البناء أو الملونات الصناعية الخطيرة”، وهو ما يجعل استهلاكها يشكل تهديدًا مباشرًا للصحة العمومية، خاصة لدى الأطفال وكبار السن.
من جهتهم، يحذّر الأطباء من الانعكاسات الصحية الخطيرة لاستهلاك هذه المواد المغشوشة، حيث أوضح طبيب مختص في الأمراض الداخلية أن “بعض الملونات والمواد المستعملة في غش التوابل قد تسبب تسممات حادة، واضطرابات هضمية، وتلفًا في الكبد والكلى، وحتى أمراضًا مزمنة تظهر آثارها على المدى البعيد”.
وأكد أن خطورة هذه المواد تكمن في كونها تُستهلك يوميًا وبكميات صغيرة، ما يجعل تأثيرها تراكميًا وصعب الاكتشاف في المراحل الأولى.
أمام هذا الانتشار المقلق، يرفع تجار التوابل الحقيقيون بعين ولمان صوت التحذير، مؤكدين أن هذه الممارسات لا تسيء فقط إلى صحة المواطن، بل تضرب سمعة السوق ككل، وتشوه نشاطًا تجاريًا عريقًا لطالما ارتبط بالجودة والثقة. وينصح هؤلاء المستهلكين بتجنب اقتناء التوابل من الأسواق الشعبية والباعة المتجولين الذين يعرضون بضاعتهم على الأرصفة والطرقات، مشددين على أن الأسعار المنخفضة بشكل غير منطقي غالبًا ما تخفي وراءها غشًا أو تدنيًا خطيرًا في الجودة.
ويدعو السيد ناصر حملاوي، وهو تاجر مختص في التوابل بعين ولمان جنوب ولاية سطيف، إلى الابتعاد عن التوابل المطحونة مجهولة المصدر، ويفضلون اقتناء البهارات في شكلها الطبيعي، كالحبوب أو الأعواد، وطحنها داخل المنازل، باعتبارها الطريقة الأضمن لتفادي الوقوع في فخ التوابل المغشوشة، خاصة في فترة تعرف ضغطًا كبيرًا على الأسواق مثل شهر رمضان.
في ظل هذا الواقع، تتحول مائدة الجزائريين من فضاء للطمأنينة إلى ساحة خطر محتمل، خاصة في غياب الوعي الاستهلاكي. فالغش في التوابل لم يعد مجرد مخالفة تجارية، بل تهديد مباشر للصحة العمومية، وجريمة صامتة تتسلل إلى الأطباق اليومية، وتفرض دق ناقوس الخطر قبل أن تتحول النكهة إلى سمّ، والربح السريع إلى مأساة صحية جماعية، خاصة أن التوابل صارت تستعمل كأدوية مكملات غذائية في بعض الأمراض، يلجأ إليها المواطنون لمداواة بعض الآلام مثل القولون وحتى الاوبئة كما حدث مع جائحة كورونا.

