تابع أحدث الأخبار
عبر تطبيق
صدر حديثًا عن الهيئة العربية للمسرح ضمن إصدارات مهرجان المسرح العربي في دورته الـ 16 والتي تقام تحت رعاية الرئيس عبد الفتاح السيسي، خلال الفترة من 10 وحتى 16 يناير الجاري، كتاب «المسرح الغنائي في مصر من البدايات حتى نهاية القرن العشرين» للدكتورة ياسمين فراج.
ويُعد الكتاب توثيقاً وتحليلاً تاريخياً وموسيقياً للمسرح الغنائي في مصر منذ مطلع القرن الـ 20، وينطلق الكتاب من خلال المنهج التاريخي متخذًا التحليل «سيسيوميوزيكSocio-music»، والذي تجمع فيه بين دراسة أوضاع المجتمع الذي أنتجت فيه العروض المسرحية الغنائية، وبين التحليل الموسيقى لشكل ومضمون الأغاني والألحان.
موسيقى المسرح ومسرح موسيقى
تبدأ الدكتورة ياسمين فراج كتابها بتساؤل منهجي عميق حول الفرق بين «موسيقى المسرح ومسرح الموسيقى»، مؤكدة أن هذا الالتباس كان الدافع وراء تقديم دراستها «المسرح الغنائي في مصر». ومن هذا المنطلق، لا يأتي الكتاب كتوثيق تاريخي فحسب، وإنما محاولة جادة لفك شفرات هذا الفن وربطه بتحولات المجتمع المصري عبر قرن من الزمان.
وتقول “فراج”: «موسيقى المسرح ومسرح الموسيقى مصطلحان ظل تفسيرهما يؤرقني طوال سنوات دراستي ثم عملي في مجال المسرح والنقد والتدريس الأكاديمي، ومن هنا ارتأيت أنه من الضروري أن أقدم دراسة واسعة عن المسرح الموسيقي الذي نعرفه في مصر والوطن العربي باسم المسرح الغنائي»
تغيرات القرن العشرين و«الجذور التاريخية»
وعلى الرغم من أن الدكتورة ياسمين فراج قد عرجت خلال تلك الدراسة عن الجذور التاريخية للموسيقى، بدءً من الحضارة المصرية القديمة، إلا أنها قد قامت بتحديد الإطار الزمني للدراسة وهو القرن العشرين “زمن التغيرات الكبرى في مصر والوطن العربي” ما أعطى الدراسة رؤية تحليلية رصينة، إذ تقول في هذا الصدد :«أما الحدود الزمانية فهو القرن العشرين لأنه شهد تغيرات سياسية واجتماعية أثرت على شكل ومضمون المسرح الموسيقي في مصر»، وهنا نجد أن “فراج” لم تتعامل مع الفن المسرحي باعتباره ظاهرة معزولة عن المجتمع بل كمرآة للمتغيرات الكبرى مثل ثورة 1919، وثورة 1952، والانفتاح وغيرها من المتغيرات المجتمعية والسياسية.
«موسيقى المسرح ومسرح الموسيقى مصطلحان ظل تفسيرهما يؤرقني طوال سنوات دراستي ثم عملي في مجال المسرح والنقد والتدريس الأكاديمي»
وتقول فراج : «كان لابد من العروج على بدايات المسرح الموسيقي في تاريخ مصر بدءاً من عصور المصريين القدماء وما بعده كإطلالة توثق لأصول هذا النوع من المسرح في تاريخ مصر»
وهنا نجد أن المؤلفة انحازت لفكر التأصيل والأصالة للموسيقى المصرية واتباعها للمنهج التاريخي للدخول للمسرح الغنائي في مصر وتجذره في التاريخ.
مستعرضًة في هذا الشأن الأصول للموسيقية في الحضارة المصرية القديمة إذ تناول الكتاب بدايات المسرح الغنائي في مصر القديمة، ومنها “نصوص الأهرام” وبردية “الرامسيوم الدرامية” و”لعبة الرياح الأربع”، كإطلالة توثق أصالة هذا الفن في تاريخ مصر ، متناولاً التأثيرات الوافدة ودور المسرح الذي صاحب الحملة الفرنسية، وظهور “مسرح الجمهورية والفنون” في الأزبكية.
مشيرًا إلى تجربة “مارون نقاش” الذي قدم أول مسرحية غنائية حديثة بالعربية وهي “مسرحية البخيل عام 1847″، وكيف مهد الطريق لمن جاء بعده في مصر.
عصر الرواد والفرق الكبرى
لم تتوقف “فراج” عند تلك الحدود التاريخية وإنما اتخذتها كبداية لتحليل وتسجيل المسرح الغنائي في مصر أخذه في الحسبان الفرق الموسيقية المتخلفة ومنها الفرقة الشامية والتي برز دورها في مطلع القرن العشرين ومنها فرقة “أبو خليل القباني” و”اسكندر فرح” في إرساء قواعد المسرح الغنائي الحديث في مصر، حيث كانت فرقهم بمثابة المدرسة التي تخرج منها كبار الملحنين والمطربين.
«لم يكن سيد درويش مجرد ملحن للمسرح، بل كان ثورياً نقل الألحان من التخت التقليدي إلى التعبير الدرامي الذي يخدم الشخصية فوق خشبة المسرح»
ثم تناولت الفرق الموسيقية المصرية ومنها فرقة سلامة حجازي وسيد درويش، إذ يُعد سلامة حجازي أول من أسس فرقة مسرحية غنائية مصرية خالصة، وتميز أسلوبه بالمزج بين المدرسة الدينية والغناء التركي مع الاستعراض الصوتي.
أما سيد درويش، والذي يصفه كبار النقاد بـ «رائد التطوير الحقيقي»، حيث نقل المسرح الغنائي من “التطريب” إلى “التعبير الدرامي”، واهتم بملاءمة اللحن للشخصيات والبيئة.
وتقول فراج عن سيد درويش :«لم يكن سيد درويش مجرد ملحن للمسرح، بل كان ثورياً نقل الألحان من التخت التقليدي إلى التعبير الدرامي الذي يخدم الشخصية فوق خشبة المسرح».
ثم تناولت “الفرق الكوميدية” ودورها في إنتاج الأوبريت والاسكتشات الغنائية، ومنها فرقة “نجيب الريحاني” و”علي الكسار” و”منيرة المهدية”، ولم تترك “فراج” الأمر عند هذا الحد بل تطرقت أيضًا إلى دور الكورال والتطور الدرامي إذا قالت: «لعب الكورال في المسرح الغنائي المصري في النصف الثاني من القرن العشرين دوراً درامياً هاماً، ولم يعد مجرد سنّيد للمطرب، بل أصبح جزءاً عضوياً من نسيج العرض المسرحي الملحمي».
كما أشارت “فراج” إلى عدد من الإشكاليات التي تواجه المسرح الغنائي في مصر في القرن العشرين وهي من ضمن التساؤلات التي انطلقت منها الدراسة في محاولة منها للكشف عن هذا الخلل بعدما كان المشهد المسرحي الغنائي في قمة تألقه ، متطرقة إلى “التقنيات الموسيقية” داخل المسرح وكيف انتقل من النمط التقليدي إلى النمط الحديث المتأثر بالمسرح العالمي، وإشكاليات الغناء المسجل الـ Playbackوأثره على الفن، مؤكدًا على أن اعتماد تلك التقنية أدت إلى فقدان المسرح لحيويته إذ قالت :«إن الاعتماد على الغناء المسجل في العروض المسرحية الغنائية الحديثة أدى إلى فقدان المسرح لحيويته ولحظة الإبداع الآني التي كانت تميز عروض الرواد».

هذا بالإضافة إلى أنها تناولت أيضًا في دراستها التحولات السياسية والاجتماعية ما بعد ثورة 1952 وعصر المؤسسات وتكوين فرقة المسرح الغنائي، والمسرح الملحمي وظهور مسرح التليفزيون، والمسرح التجاري، وبعض القضايا الفنية والتقنية في النصف الثاني من القرن العشرين، ومنها تطور الموسيقى، والغناء المسجل والذي انتقده الكتاب بشدة ورصد عملية التحول نحو الغناء المسجل، معتبراً أنه قضى على التجويد الحي وتفاعل الجمهور.
«إن الاعتماد على الغناء المسجل في العروض المسرحية الغنائية الحديثة أدى إلى فقدان المسرح لحيويته ولحظة الإبداع الآني التي كانت تميز عروض الرواد».
ومن هذا الرصد نجد أن هذه الدراسة للدكتورة ياسمين فراج تمثل محاولة جادة وبداية لملء فراغ في المكتبة العربية التي تفتقر للمراجع العلمية التي تجمع بين التحليل الموسيقي الأكاديمي والتحليل المسرحي الدرامي، متخذًا طريقة تحليل الـ «سيسيوميوزيك» الذي ربطت من خلاله شكل العرض المسرحي ونوع المجتمع.


