القاهرة ـ «القدس العربي» : على هامش النسخة الـ(57) من معرض القاهرة الدولي للكتاب، وحيث كانت شخصية هذا العام هو صاحب نوبل نجيب محفوظ (1911 ــ 2006) أقيم معرضان كل منهما يُعبّر عن الرجل وعالمه الروائي. الأول تناول تصوراً جديداً لأغلفة روايات محفوظ، ويبدو أن هناك مجموعة من الروايات كانت محل اختيار هذه الأغلفة.. (بداية ونهاية، بين القصرين، قصر الشوق، السكرية، اللص والكلاب، أحلام فترة النقاهة، الطريق، ميرامار، خان الخليلي، المرايا) حسب مسابقة أعلنت عنها إدارة معرض الكتاب قبل بدايته بفترة، وهي قاصرة على فنانين مصريين.
أما المعرض الآخر فضم بورتريهات لنجيب محفوظ نفسه، كانت بعد فوزه بنوبل، وقد تم عرض البعض منها في عدة مناسبات، وهي موجودة في متحفه الكائن في تكيّة أبو الدهب، جوار الجامع الأزهر، هذه البورتريهات التي قام برسمها العديد من فناني العالم، دون الاقتصار على بلد أو ثقافة بعينها.
أغلفة الرويات
خاضت أغلفة روايات نجيب محفوظ رحلة طويلة عبر الزمن كما رواياته، فكل منها سيظل يناله التأويل والتفسير، حسب الأساليب والمناهج الحديثة فكراً وفناً. تناول رسم هذه الأغلفة العديد من الفنانين، أهمهم الفنان جمال كامل عبر صفحات مجلة «صباح الخير» منتصف الخمسينيات من القرن الفائت، ثم الفنان سيف وانلي، الذي رسم شخصيات وفصول رواية «المرايا» مسلسلة في مجلة «الإذاعة والتلفزيون»، ثم أتى أشهر مَن جسّد عالم نجيب محفوظ عبر أغلفة رواياته وهو الفنان جمال قطب، وهي الطبعات الصادرة عن (مكتبة مصر)، التي كان لها الأثر الأكبر في الذاكرة البصرية لأجيال عديدة من المصريين. قطب بشكل خاص ــ رغم رسمه أغلفة روايات لكُتّاب آخرين ـ تناول روايات محفوظ بشكل تعبيري مؤثر، من خلال الشخصية الرئيسية والمكان وكذا بعض الرموز والأشكال على استحياء، من دون أن تتصدر الرموز مشهد اللوحة/الغلاف. ثم توالت الأغلفة ورساميها، فدار الشروق على سبيل المثال اعتمدت الفنان حلمي التوني، الذي انتهج التجريد أساساً لترجمة روح الرواية، وإن تباينت أغلفة التوني في جودتها، أو كيفية ترجمة الرواية بصرياً، وكانت في معظمها إلى لوحاته التشكيلية أقرب. من ناحية أخرى اختص الفنان محمد حجي كتاب «أحلام فترة النقاهة» وقام برسم هذه الأحلام التي توالت مُسلسلة في مجلة «نصف الدنيا». ثم جاءت في الأخير أغلفة الطبعة التي أصدرتها مكتبة ديوان، والتي أثارت الكثير من الجدل وقتها.
ونأتي إلى معرض أغلفة محفوظ، الذي أقيم على هامش معرض القاهرة للكتاب، الذي انتهى منذ أيام، وهنا نطالع تجارب عديدة لفنانين جدد، حيث تنوعت أساليبهم وأفكارهم، التي تشكّلت عبر رؤيتهم للرواية التي تم اختيارها. هناك أساليب مُنتحَلة وأخرى اجتهد أصحابها في محاولاتهم التعبير بصرياً عن الرواية المختارة وعالمها. إلا أن الملاحظ أن هناك روايات نالت الكثير من الاهتمام من قِبل الفنانين، على رأسها «اللص والكلاب»، التي تنوعت أغلفتها ومحاولة التعبير عنها، بعدها تأتي رواية «بداية ونهاية»، ثم «أحلام فترة النقاهة»، وأخيراً (الثلاثية). فالفكرة لطيفة في ذاتها، وتكشف عن جيل جديد من الفنانين لم يهجروا الأساليب الكلاسيكية، بل هم يبدعون من خلالها، لا سعياً وراء غواية التكنولوجيا وسخافات الذكاء الاصطناعي في مجال الفن.
محفوظ في عيون العالم
ويأتي المعرض الآخر الذي يصوّر فنانوه شخصية صاحب نوبل في شكل كاريكاتيري، من خلال بعض مفردات تدل على الرجل ومكانته وبيئته.. المآذن، الأهرامات، القلم، الكتاب. وهناك بعض اللوحات التي تم نقلها وتحويرها كاريكاتيرياً من خلال صور صحافية لمحفوظ. الملمح الآخر لهذه اللوحات هو محاولة خلق البورتريه وفق روح الفنان وبيئته، فالفنان الروسي على سبيل المثال، يختلف تماماً عن تصوّر الفنان الألماني، وهكذا تأتي تباينات جمالية تكشف أكثر عن كيفية رؤية واستقبال شخصية نجيب محفوظ من خلال أدبه والتعبير عنها فنياً.

