«ماكرو الحشرات» بدار الفنون.. عدسة الثابت تكشف «التفاصيل الخفية» وتصافح «الجمال الطائر»
طرابلس – بوابة الوسط الجمعة 09 يناير 2026, 04:20 مساء
تحت شعار «عالم جميل غير مرئي حيث يختبئ الجمال في أدق التفاصيل»، احتضنت قاعة دار الفنون في العاصمة طرابلس، السبت، المعرض الفوتوغرافي عن «ماكرو الحشرات» للفنان الدكتور الطاهر الثابت. وهذا المعرض هو الثاني على مستوى نشاط الثابت الفني، والأول من حيث الفكرة.
جهد الدكتور الطاهر الثابت في تثبيت العدسة، طلبا لتوثيق لحظة التقاء كائنات جارة بالبيئة. عالم يعايشنا، ويمارس طقوس الولادة والموت، يكشف جانبا من جمال وجاذبية وحيوية مناخ، كان ولايزال، بعيدا عنا، بعدما اخترنا الأسمنت، وتركناه يواجه مصير الفناء البطئ. فعند اختفاء النبات تختفي الحشرات، وتصبح النحلة والفراشة واليعسوب واليرقات من عالم الماضي، وربما هي قاب قوسين أو أدنى من ذلك، وهو ما أشار إليه الدكتور الثابت في أكثر من محطة ولقاء.
«ماكرو الحشرات» يعرفنا كيفية النفاذ إلى كثير من هوامش عالم الجمال المنسي، جمال أبعده الإهمال والعشوائية وفوضى البناء، إذ كان حزام المدينة (طرابلس) وغيرها من المدن بمنزلة متنفس فسيح لعديد أنواع الحشرات التي تناولها المعرض. كما جسدت تلك المساحات الخضراء المنقرضة متحفا نباتيا ومدينة نفسية وبصرية للإنسان الباحث عن الصفاء والتأمل. وغابت في المقابل جراء التجريف والمسح أيضا الكثير من الأنواع التي ربما لا يوجد منها في ليبيا فقط، فالحديث عن غياب بيئة عالم الماكرو هو الحديث عن جريمة بيئية بسبق الإصرار والترصد.
من عالم النفايات إلى الجمال
لايزال الدكتور الطاهر الثابت يلقي محاضراته عن النفايات الطبية، وسبل التخلص منها بلا أثر سلبي على البيئة، والنفايات كانت الجسر الذي أوصله إلى جمال عالم الماكرو وهو يحاول البحث عن فضاء صحي لبيئة نظيفة خالية من النفايات، وهنا جاء الاقتراب من المشاتل الموزعة على امتداد الطريق الساحلي فرصة لملاحظة سلوك الحشرات ورصد تنوعها، وازداد الشغف من خلال التكبير المضاعف للعدسة، لتضعه أمام عالم آخر مواز.
– الطاهر الثابت: العشرة آلاف صورة الأولى هي أسوأ ما لديك
– الدكتور الطاهر الثابت: لا أضيع فرصة للتصوير حتى أجمع أكبر تنوع للفراشات الليبية
– الثابت يصدر أول مجلد عربي عن «الزهور الطائرة»
العالم الآخر قاد الثابت أولا إلى تتبع حركة طيرانها، والأوضاع المختلفة التي ينبغي له تصويرها، ومن ثم انتظار اللحظة المناسبة لذلك، التي تعني خوض معركة طويلة مع الصبر والحظ. فمثلا في مجلد «النحل»، نرى أوضاعا مختلفة للنحلة وهي تمتص الرحيق، وأيضا تفاصيل التفاصيل لجسدها، والوبر الذي يغطيه، وكذا الرأس والأرجل، بالإضافة إلى تبيان جمال الالتقاء بالزهرة، وارتباط هذا اللقاء بالعلاقة بين الحشرات والنباتات، وأهمية كل منهما للآخر.
ومن النحلة إلى عالم الفراشات، الذي خصص له الدكتور الثابت أيضا إصدارا خاصا يحتوي الكثير من مميزاتها من حيث اللون والحجم والنوع وأماكن وجودها. وشاهدنا في المعرض بعض اللقطات لتلك الأنواع تُظهر فرادة جمالها وتدرجات ألوانها.
الفراشات وهبها الله سحرا خاصا، حتى أن أحد المصورين أطلق عليها لقب «الزهور الطائرة»، لروعتها. وقد فتن بها الناس على مر العصور، لذا وجدت مرسومة على جدار المباني القديمة للعديد من الحضارات، وهي كائنات متفاوتة الأشكال والأحجام والألوان، لذلك تصل أنواعها إلى أكثر من 15 ألفا، ومنتشرة في جميع دول العالم، خاصة في المناطق المدارية الاستوائية. ففي القارة الأميركية الجنوبية، يصل عدد أنواعها إلى 6000. كما أن طرق وزوايا تصويرها لا محدودة، لاختلاف أجنحتها وتصاميم الرسوم عليها.
بين العناكب واليعاسيب والزهور
كأي مشهد فوتوغرافي يعتمد بصمة الخلفية، أو ما يعرف بـ«البوكيه»، تتحول نظرتنا العادية المجردة بواسطة التكبير المجهري إلى تأمل تفاصيل رائعة قدمتها لنا بعض لوحات المعرض، كما في وضعية الامتداد ليرقة، والنقاط الصفراء على جسمها المنسجمة مع لون المحيط المعزول، بالإضافة إلى أن لغة «الماكرو» تتيح لنا النظر مليا في الأشواك الدقيقة على ظهرها الشبيهة بالفرو، وهي تتأهب لأخذ موضع آخر على الغصن.
وفي حالة «اليعاسيب» تصبح المهمة صعبة نوعا ما بسبب حركتها المستمرة، ويظل الصبر والانتظار الحل الوحيد للحصول على اللحظة الهدف. كما أن تركيبة عيني اليعسوب ولمعانهما يزيدان من درجة تركيزنا على المشهد.
ويقدم الشكل الأنبوبي لليعسوب وأجنحته الزجاجية لحظة تشبثه بالورقة سانحة فوتوغرافية لإظهار جمال تباينه مع المحيط.
وفي حالة العناكب، ومن أجل الحصول على صورة لعنكبوت سرطاني، تُستخدم تقنية «السوبر ماكرو»، أو التكبير المضاعف. ففي حين تعجز مواصفات الضوء العادي على إسعاف المصور، تتدخل التقنية لحل المشكلة، وقد تلجأ لعزل بعض من أجزاء العنكبوت، وهي خطوة فنية بغية الحصول على تفاصيل مجهرية للرأس. ومع أن المجهود كبير في صور العناكب، لكن تظل الحركة البطيئة لها ميزة تمكن المصور من امتلاك خيارات عدة لأخذ الزاوية المناسبة.
وإلى جانب ما ذكرنا من جماليات عالم الماكرو، لا ننسى أن فضاء استقبال ذلك السحر هو العنصر الأساس، وهو «النباتات»، فالزهور الجهنمية والنرجس والبوقرعون تكّون بتأثير ألوانها الصافية مع خلفية جيدة من العزل مشاهد جاذبة للعين، والقصد تكسير النظرة العادية للزهرة، إلي جانب كونها نقطة التقاء ثالوث «الزهرة – الحشرة – العدسة».
جانب من معرض «ماكرو الحشرات» للدكتور الطاهر الثابت بدار الفنون. (بوابة الوسط)
جانب من معرض «ماكرو الحشرات» للدكتور الطاهر الثابت بدار الفنون. (بوابة الوسط)
جانب من معرض «ماكرو الحشرات» للدكتور الطاهر الثابت بدار الفنون. (بوابة الوسط)
جانب من معرض «ماكرو الحشرات» للدكتور الطاهر الثابت بدار الفنون. (بوابة الوسط)
جانب من معرض «ماكرو الحشرات» للدكتور الطاهر الثابت بدار الفنون. (بوابة الوسط)

