تتعدد قصص الصدام بين الفن والديكتاتورية، ومن أبرز تلك القصص قصة الفنان التشيلي فيكتور خارا، مع ديكتاتور بلاده بينوشيه، ولد فيكتور خارا عام 1932 واغتيل عام 1973 عندما كان في الأربعين من عمره، وكان ذلك بعد وقت قصير من سيطرة بينوشيه على تشيلي. وبينوشيه ذاته قصة من قصص الديكتاتورية المروعة في العالم، وحكاية بشعة من حكايات الدم، كان بينوشيه شبحاً هائلاً من الخوف، تجسد على أرض تشيلي أرعب الشعب طيلة 17 عاماً، لكن هذا الخوف المتجسد كان يخاف من نغمة موسيقية تعزفها أصابع موسيقار، وكلمة تنطلق مغناة من حنجرته، بعد أن خطها بقلمه، كانت الموسيقى تثير أعصابه وتزعزع جوانب نفسه، فكان قضاؤه عليها أمراً محتوماً.
امتلأت تشيلي بالرعب بعد أن امتلكها بينوشيه بانقلابه الدموي عام 1973، واغتال رئيسها المنتخب ديمقراطياً سلفادور أليندي، وقصف قصر الرئاسة بنيران الدبابات وقذائف الطائرات. لكنه كان يخاف، وللخوف سلطة تفوق سلطة الديكتاتورية، لذلك يدرك كل ديكتاتور أهمية إشاعة الخوف في النفوس، بل ضرورة أن يغرق الجميع في بحور الخوف، ليبحث الشعب عن طوق النجاة، في طرقات الصمت والجبن وخيانة الحق التي لا مفر منها، ولأن الديكتاتور أيضاً يخاف، يدرك جيداً حتمية القضاء على كل ما يخيفه، ومطاردة جميع الأشباح من حوله والتخلص منها. لذا أخذ بينوشيه يحرق الكتب في الشوارع ويخرس الموسيقى، ومضى يقتلع الشعر والفن والأدب من أرض تشيلي، ويغلق جميع منافذ الوعي والجمال على الشعب، ليتركه وحيداً مع خوفه في ظلمة العقل وخواء الروح.
خمسة أيام مع بينوشيه
كرس فيكتور خارا حياته القصيرة للنضال السياسي والموسيقى والغناء والمسرح، ليتحول إلى أيقونة عالمية للمقاومة بالفن، لا يزال إشعاعها يمتد خارج تشيلي. عندما نطالع سيرة فيكتور خارا نجد أنه كان مسرحياً في المقام الأول، درس الإخراج المسرحي بشكل أكاديمي، وعمل أستاذاً للمسرح في الجامعات التشيلية، وقام بإخراج أهم القطع المسرحية، سواء للمؤلفين العالميين، أو الكتاب المحليين في بلاده، ونظراً لخلفيته اليسارية كان يميل إلى الواقعية الاشتراكية كمذهب فني، وإلى الأعمال التي تسلط الضوء على كفاح ومعاناة الطبقات الكادحة. وفي الموسيقى أسس خارا ما يعرف باسم «الأغنية التشيلية الجديدة»، وهي حركة فنية أعادت تشكيل الأغنية التشيلية من خلال إحياء الفولكلور ودمجه بالمضامين السياسية والاجتماعية. كان يكتب كلمات أغانيه ويلحنها بنفسه ويؤديها بصوته الجميل، كما كان يعزف على الغيتار الكلاسيكي، وكان رفيقه الدائم، الذي يكمل صورته الأيقونية، لكنه استخدم الغيتار الكهربائي في بعض أعماله التجريبية أيضاً.
ترك فيكتور خارا عدداً كبيراً من الأغنيات، من أشهرها أغنية «مانيفيستو» وهي قطعة رائعة لحناً وغناءً، أما كلماتها الخالدة فتعكس مفهومه للفن ورؤيته له كوسيلة لقول الحق ومساندة المظلومين، هي فلسفته الفنية وبيانه الخاص، بأن الغناء رسالة وليس ترفاً. على الرغم من عنوان الأغنية، الذي يبدو سياسياً جافاً، إلا أن الأغنية رقيقة اللحن عميقة الأداء التعبيري، فالمانيفيستو هنا ليس قائمة مطالب سياسية، بل هو إعلان خارا عن أن الفنان لا يملك صوته، وأن صوته هذا يجب أن يكون صوتاً لمن لا صوت لهم، كما أنه إعلان براءة من النجومية الزائفة والتمحور حول الذات، وأن علاقته بالموسيقى ليست طلباً للشهرة والمجد العابر، وإنما هي التزام بالصدق المطلق، حتى لو كان الثمن هو حياته، ويمكن القول، إن خارا تنبأ بمقتله ومصيره المحتوم في هذه الأغنية، التي قال فيها كلمته لتبقى بعد موته.
ومن أجمل أغانيه الأخرى أغنية «أنا أتذكرك يا أماندا»، التي تحكي قصة حب بين عامل وعاملة في مصنع، وتصور آلام وآمال الطبقة العاملة، وأماندا هو اسم والدته، لكنه جعله رمزاً لكل امرأة عاملة تكافح مع حبيبها. وأغنية «الحق في العيش بسلام» التي غناها تحية لنضال شعب فيتنام، وصارت من أهم أناشيد الاحتجاج والدعوة للسلام في العالم، وصرخة فنية ضد الحروب في كل زمان ومكان. وأغنية «صلاة لفلاح» التي غناها لفلاح يحرث الأرض، حيث يدعو الفلاحين للاتحاد والمطالبة باسترداد أراضيهم. وللفلاح أيضاً قدم أغنية «المحراث»، التي تمجد العمل اليدوي، وتصف العمل الشاق والمعاناة اليومية للفلاح، وارتباطه الوثيق بالأرض. وأغنية «سننتصر» التي تعد من الأناشيد السياسية البارزة في تشيلي، ويقال إنها كانت النشيد الرسمي لتحالف الوحدة الشعبية، الذي أوصل سلفادور أليندي إلى الحكم. وأغنية «الطيف العائد» التي كتبها عن تشي غيفارا المقاوم الذي كان يطارد كطيف يصعب الإمساك به. وأغنية «المتدينة»، التي حملت نقداً لاذعاً لمظاهر النفاق الديني وادعاء الورع، ويقال إن هذه الأغنية سببت له بعض المشكلات مع الكنيسة في ذلك الوقت. وكانت قصيدة «ستاد تشيلي» آخر ما كتبه خارا في مكان مقتله.
لم تكن موسيقى فيكتور خارا ترفاً فكرياً، بل كانت انعكاساً لمبادئه ومواقفه التي دفع حياته ثمناً لها، ووقف بكل ثقله الفني خلف مشروع سلفادور أليندي، مؤمناً بأن الفن يجب أن يكون في خدمة الإنسان وقضايا الشعب العادلة. هذا الالتزام القوي جعل منه خطراً كبيراً في نظر الديكتاتور بينوشيه، الذي لم يحتمل وجوده أكثر من خمسة أيام، حيث ارتعد الرصاص أمام الأغنية. في يوم الانقلاب 11 سبتمبر/أيلول 1973 توجه خارا إلى الجامعة التي كان يعمل فيها، وأقام وقفة لدعم الرئيس سلفادور أليندي، فحوصرت الجامعة وقصفت بواسطة الدبابات، وتم اعتقال خارا مع الآلاف من الطلاب والأساتذة والشعب، واقتيدوا جميعاً إلى ستاد تشيلي، الملعب الذي تحول إلى معتقل وساحة قتل. تعرض خارا خلال أيام اعتقاله القليلة إلى تعذيب وحشي مروع، فتم سحق أصابع العازف الماهر بقواعد البنادق، وسخر منه الجنود قائلين «اعزف الآن إن كنت تستطيع» فغنى بصوت عال نشيد «سننتصر» لتشجيع رفاقه. وفي يوم 16 سبتمبر 1973 تم إعدام خارا وقتله بواسطة 44 رصاصة استخرجت من جثمانه في ما بعد، وتم إلقاء جثته في طريق عام ليعثر عليها بعض المواطنين ويتعرفوا على شخصية خارا ويبلغون زوجته.
كاتبة مصرية

