كتبت – فاطمة الحديدية
في إطار الاهتمام المتزايد بدراسة القضايا التنموية وتعزيز المشاركة المجتمعية في صنع القرار، يواصل عدد من أبناء المجتمع جهودهم لتعزيز العمل التطوعي، بما ينسجم مع الخطط والبرامج الوطنية الهادفة إلى تسخير الإمكانيات، لتطوير العمل التطوعي وتبني مشاريع الشباب ومبادراتهم لتكون جزءا من منظومة العمل الوطني التشاركي، وتنسيق الجهود بين مؤسسات المجتمع المدني، بمجال العمل التطوعي، للوصول إلى قاعدة متينة تحتضن المتطوعين، وتبرز إسهاماتهم في الجهود المشتركة التي يحتاج إليها المجتمع خاصة في بعض الظروف الاستثنائية والحالات التي تستدعي مشاركة المتطوعين مع بقية الجهات في إنجاز عمل وطني مجتمعي.
ومن بين هذه الجهود، الدراسة البحثية للباحث خليفة الضباري التي سلطت الضوء على جوانب مهمة تتعلق بالتنمية وأثر العمل التشاركي في تحسين جودة الحياة، حيث اختار الباحث محافظة شمال الباطنة كعينة بحثية؛ لما تتمتع به من خصائص ديموغرافية واجتماعية، واستذكار نماذج من المبادرات الشبابية التطوعية التي ساهمت في الارتقاء بمستوى ولايات المحافظة بمجال العمل التطوعي.
وأوصت الدراسة، بتوسيع دائرة الاهتمام المستقبلي بالمشاركة المجتمعية في مجالات الحوكمة المحلية والتوازن البيئي، وإيلاء أهمية للقضايا الملحة التي تلامس الشريحة الأبرز في المجتمع العُماني “فئة الشباب”، وتكثيف مستوى المشاركة المجتمعية فيها. بالإضافة إلى توسيع دائرة الاهتمام بمجالات التحول الرقمي والحوكمة وتمكين التقنيات الحديثة في اتخاذ القرارات، والعمل على تطوير مركز وحدة التفكير وتوسيع دائرة الشراكات مع القطاع الخاص في تجويد الفكرة وحوكمتها.
كما أكدت الدراسة على أهمية صياغة دليل إجرائي تنظيمي للمشاركة المجتمعية ليكون إطارا مرجعيا لعناصر الشراكة.
وبين الباحث ضرورة الاهتمام بمشاركة فئة ذوي الإعاقة وأصحاب المهن وضمان إدراجهم في العمل التشاركي والعملية التنموية، وأهمية القيم الدينية في تصورات الفاعلين كدافع للسلوك التشاركي، كما يبرز أهمية الخطاب الديني والمؤسسات الدينية ودورها في التعبئة الاجتماعية وتعزيز الدافعية نحو العمل التطوعي والفعل التشاركي، والإسهام في تحقيق التنمية المحلية.
وأظهرت نتائج الدراسة التي أجراها الضباري أن هناك إقبالا جماهيريا مرضيا في محافظة شمال الباطنة على العمل التشاركي في المجتمعات المحلية بمختلف ولايات المحافظة، وذلك ينم عن ثراء في مصادر رأس المال الاجتماعي في المجتمع العُماني. كما أظهرت الدراسة أن هناك تدرجا هرميا تتبناه الإدارات المحلية في محافظة شمال الباطنة في التفاعل مع الجمهور الفاعل في التعاطي مع القضايا المحلية والتنموية يتسق ذلك مع النموذج التشاركي الذي تتبناه الحكومة العُمانية.
كما أظهرت تنوعا في المجالات والموضوعات التي تستهدفها البرامج والورش التشاركية بين الحكومة متمثلة في الإدارات المحلية في محافظة شمال الباطنة، والفاعلين المحليين في قطاعات التنمية المحلية المختلفة وفقا لتصورات العينة، حيث برزت التالية وفقا للآتي: الخدمات البلدية والخدمات العامة، والتنمية السياحة، ومجالات الاستثمار والاقتصاد التضامني، ودعم المشروعات الصغيرة والمتوسطة، ثم مجالات الرعاية الاجتماعية.
وعكست نتائج الدراسة انخفاضا في المشاركة المجتمعية في مجال الحوكمة المحلية والتوازن البيئي وصون الطبيعة، الأمر الذي يستدعي التوقف على هذه المجالات وإعطائها مساحة كافية من المشاركة خلال المراحل اللاحقة. كما أن مجالات العمل والتشغيل وقضايا الباحثين عن عمل، وقضايا التنمية السياحية والاستثمار، من أبرز المجالات التي تستدعي تكثيف مستوى المشاركة المجتمعية في القضايا المتعلقة كونها قضايا ملحة تلامس فئة الشباب.
وبرز في محافظة شمال الباطنة نموذجان جديران بالاهتمام يتمثلان في مركز وحدة التفكير والمبادرات الشبابية، إذ ارتكزا على إمكانات الشباب والخبراء المحليين اعتمادا على تقنيات مبتكرة ومسابقات تحفيزية واستقطاب الأفكار المعاصرة وتحويل الأفكار إلى مشروعات قابلة للتنفيذ.
كما أن القيم الدينية هي الأكثر تأثيرا في تشكيل المشاركة المجتمعية، تأتي القيم الوطنية تاليا، ثم القيم الاجتماعية أخيرا. كما بيّنت النتائج وجود معرفة بقنوات الاتصال بين الإدارات المحلية ومختلف شرائح المجتمع تضمن إيصال أفكارهم وتطلعاتهم، وأيضا تقييم جودة الخدمات العامة أو تمرير البلاغات والشكاوى وتتبع سيرها.
وأظهرت الاستجابات مستوى مرتفعا من المعرفة بالقوانين المنظمة للتنمية المحلية التي تعزز اللامركزية، وتعكس النتائج ثقة متوسطة للمجتمع المحلي بمكونات الإدارات المحلية كونها تنظيما مؤسسيا وأعضاء، وأن زيادة مستوى الثقة يعد مطلبا تنمويا خلال المرحلة القادمة.
وأفرزت استجابات العينة مجموعة من التحديات التي تواجه الفعل التشاركي في محافظة شمال الباطنة ومن أهمها: الأفكار السائدة بين أوساط الشباب أن رأيهم غير مؤثر في القرار التنموي، وضعف مستوى الإدارة والتنسيق بين المبادرات والجهود التطوعية في المحافظة.
ملامح الفعل التشاركي
وقال الضباري: إن دراسته هدفت إلى التعرّف على نظرة المجتمع العُماني لمستوى المشاركة المجتمعية ودورها في تنمية المحافظات، وكيف يقيّم الناس واقع التشاركية في التنمية المحلية. كما ركزت على توضيح كيفية تنظيم العمل التشاركي في سلطنة عُمان، والعوامل التي تؤثر في شكله ومساره، بالإضافة إلى فهم القيم والدوافع التي تحرّك العُمانيين للمشاركة المجتمعية، باعتبارها جزءًا من الموروث الثقافي والوعي الاجتماعي.
واستهدف الضباري رصد الجهات والقوى المؤثرة في التنمية المحلية، ودورها في صياغة السياسات الخاصة بتنمية المحافظات. وسلط الضوء على العلاقة بين المشاركة المجتمعية ونهوض المحافظات العُمانية، وكيف تسهم التشاركية في دعم المشاريع والخطط التنموية. وكذلك استكشاف فرص وتحديات العمل التشاركي من وجهة نظر الفاعلين في الساحة التنموية.
وتبرز أهمية الدراسة في الموضوع الذي يسعى للكشف التفصيلي عن تكوين الفعل التشاركي لفهم تفصيلاته ومكوناته، وصولا إلى توقع مآلاته المستقبلية، الأمر الذي سيسهم في توجيه هذا الفعل المجتمعي فيما يخدم التنمية المحلية، وتحسين هذه الدراسة من خلال التوصل إلى توصيات ومقترحات تسهم في تنظيم العمل التشاركي في المحافظات، وتعزيز السبل التي تنطلق منها الطاقات المجتمعية للمشاركة الفعّالة، وتذليل الصعوبات التي تواجه صناعة القرار المحلي، وتحقيق تنمية شاملة وفقا لأهداف الرؤية المستقبلية، والتوصل لأسس ومعطيات يمكن من خلالها الانطلاق إلى دراسات مستقبلية والبحث في مجالات أخرى.
وذكرت الدراسة التي أجراها الضباري تطور الفعل التشاركي عبر الحقب الزمنية المختلفة، بدءا من محورية القبيلة في تنظيم شؤون الحياة الاجتماعية وإدارتها بشكل عام، مرورا بأنظمة الأفلاج والري التي تعد من أبرز النماذج التاريخية التي أسست الممارسة التشاركية في المجتمع العُماني، فضلا عن نظام الوقف الذي يعد من أبرز الممارسات المحلية في المجتمع العُماني وإحدى صور التنظيم المجتمعي الذاتي، التي ترجع جذورها إلى قيم وتعاليم الدين الإسلامي. وظهرت “السبلة العُمانية” لتكون شكلا اجتماعيا وسمة من سمات المجتمع العُماني، حيث تعد برلمانا تقليديا محليا، وأداة من أدوات المشاركة، أما “البرزة” فهي مجالس العلماء والأعيان وهي شائعة في المجتمع العُماني، إذ تأخذ صورا وأنماطا تعبر عن وسائل تشاركية بين مكونات المجتمع المحلي.
وأضاف الضباري أن الجولات السامية التي كان يقوم بها السلطان قابوس – طيب الله ثراه – وزياراته الدورية لمختلف محافظات السلطنة، ظاهرة اجتماعية وتجربة فريدة للمشاركة المجتمعية تعبر عن الترابط الوثيق بين القيادة والشعب، وشكلت هذه الجولات فرصة لرصد التحولات الاجتماعية في المجتمعات المحلية، والوقوف على احتياجات المواطنين ومشكلاتهم.
وحظي تطبيق مبادئ الشورى في المجتمع العُماني بأهمية كبيرة، بحيث أسهم المجلس الاستشاري من خلال ما قدمه من دراسات وتوصيات في مجال التنمية الزراعية والسمكية والتنمية الصناعية والاقتصادية، واهتم المجلس بدراسة قضايا التعمين في الوظائف في قطاعيه العام والخاص.
وأكد الضباري أن “رؤية عُمان 2040” تبنت أسلوبا تشاركيا أكثر قربا من المواطنين ونهجا وسعت فيه من هامش المشاركة المجتمعية، ويتجلى ذلك في المشروعات الوطنية ومجمل القضايا العامة والبرامج التنموية، وإتاحة المجال للأفراد لعرض رؤاهم ومقترحاتهم.
وتعد المبادرات المجتمعية عاملاً أساسياً في بناء مجتمعات قوية ومستدامة وتعزيز العمل الجماعي لتحقيق التغيير الإيجابي وتحسين حياة الناس، وقد أولت سلطنة عُمان اهتماماً كبيراً بهذا الجانب من خلال تبني العديد من البرامج والمبادرات التي تهدف إلى تعزيز المشاركة المجتمعية ودعم التنمية المستدامة وتحسين جودة الحياة. وفي هذا الإطار، احتضنت وزارة الثقافة والرياضة والشباب المبادرات الشبابية بهدف استقطاب القدرات والإمكانيات وتوظيفها في خدمة المجتمع، وإبراز مواهب الشباب وتشجيع تبادل الخبرات بينهم، بما يسهم في توسيع مشاركتهم في مسيرة التنمية الاجتماعية.
مبادرات الشباب
ويمثل العمل التطوعي دورا حيويا في بناء المجتمعات وتعزيز روح المشاركة والمسؤولية بين أفرادها، إذ يشكل ركيزة أساسية لدعم المبادرات المجتمعية واستثمار طاقات الشباب في أعمال تعود بالنفع على الوطن. وتتجدد الدعوة إلى ترسيخ ثقافة التطوع، وتوسيع مساحة الإسهام المجتمعي، بما يسهم في خلق مجتمع أكثر تماسكًا ووعياً، قادر على مواجهة تحديات المستقبل بروح التضامن والعمل المشترك.
ومن بين هذه المبادرات برزت مبادرة “نهتم” الصحية التي ترأسها عائشة العمرية، والتي تهدف إلى تحسين النمط الصحي المجتمعي ورفع مستوى الوعي الصحي من خلال إقامة البرامج والفعاليات التي تسهم في الوقاية من الأمراض المزمنة ومعالجة السلوكيات غير الصحية، إضافة إلى تنفيذ الدراسات ورفع التوصيات التي تساعد في الوصول إلى مجتمع صحي واعٍ.
وأكدت العمرية أن المبادرة جاءت لتكون منصة شبابية فاعلة تسعى إلى رفع مستوى جودة الحياة الصحية والسيطرة على الأمراض المزمنة والوقاية منها، مشيرة إلى أن “نهتم” الصحية ليست مجرد اسم، بل هي رسالة نوجهها لكل فرد في المجتمع بأن الاهتمام بالصحة مسؤولية مشتركة تبدأ من التوعية وتنتهي بتحسين جودة الحياة”.
وقد نفذت المبادرة العديد من الفعاليات والبرامج من بينها فعالية “السكر وقاية وتعامل”، والملتقى النسائي الأول بمحافظة شمال الباطنة حول الرضاعة الطبيعية، وفعالية “صحة الفم”، وورش بناء الثقة بالنفس والفنون الصحية لإدارة الغضب، إلى جانب تدشين “البرنامج التدريبي لسينما نهتم الصحية” بمدينة البريمي، وتطبيق السينما الصحية في الحملة الوطنية حول الإنفلونزا الموسمية تحت شعار “شتانا غير.. أحبابنا بخير”، والمشاركة في المؤتمر العُماني الأول للمدن الصحية بمدينة صلالة، وحملة “نقاء وحياة”، وفعالية “المرأة.. نبض الوطن” بمناسبة يوم المرأة العُمانية.
وتعد أبرز إنجازات المبادرة تطوير مشروع “سينما نهتم الصحية”، الأول من نوعه على مستوى السلطنة، والذي يعتمد على الوسائل السمعية والبصرية لنشر الوعي الصحي بأسلوب ممتع وشيق يصل إلى مختلف شرائح المجتمع، حيث لاقى المشروع اهتماماً واسعاً من عدة جهات حكومية، وتم التعاون مع وزارة الصحة وعدد من المدارس المعززة للصحة لتنفيذ برامج تدريبية وتوعوية باستخدام هذه الوسيلة المبتكرة.
واختتمت العمرية تصريحها بالتأكيد على أن المبادرة تسعى إلى أن تكون نموذجاً يحتذى به في العمل التطوعي الصحي، وأن تغرس في الأجيال القادمة قيمة الاهتمام بالصحة كجزء من الهُوية العُمانية.
مبادرة كفاءة
وقال إبراهيم المطروشي رئيس مبادرة “كفاءة”: هذه المبادرة هي مشروع شبابي غير ربحي يأتي تحت إشراف وزارة الثقافة والرياضة والشباب، ويُعد أحد البرامج الهادفة إلى الاستثمار في طاقات الشباب وصقل قدراتهم. وتُعنى المبادرة بتأهيل الشباب وتنمية مهاراتهم المهنية والحرفية، وإعدادهم للدخول بثقة إلى عالم ريادة الأعمال. وتستهدف المبادرة الفئة العمرية من عمر 15 إلى 30 سنة من مختلف ولايات محافظة شمال الباطنة، حيث تعمل على اكتشاف مواهب الشباب وتطويرها، وتمكينهم من تحويل مهاراتهم وشغفهم إلى مشاريع ريادية قادرة على المنافسة والاستدامة. وتقدّم “كفاءة” سلسلة من الورش التدريبية المتخصصة، والبرامج التأهيلية، واللقاءات الإرشادية التي تُسهم في بناء جيل عُماني مسلح بالمعرفة والكفاءة والإبداع، وقادر على مواكبة التغيرات المتسارعة واغتنام الفرص المستقبلية. كما تركز على تعزيز ثقافة العمل الحر، وتحفيز روح الابتكار، وتهيئة بيئة داعمة للمبادرات الشبابية التي تنهض بالمجتمع وتسهم في التنمية الاقتصادية للمحافظة.
مبادرة “علمني”
وتحدثت شادية الشبلية حول مبادرة “علمني” التي شملت ألف طالب وقالت: تهدف المبادرة إلى تعزيز وترسيخ القيم الأخلاقية، وأيضا الحفاظ على العادات والتقاليد وتعزيز الانتماء الوطني، كما تهدف المبادرة إلى ترسيخ مفاهيم التعايش والتلاحم بين أفراد المجتمع، وكذلك عقد شراكات وبناء برامج داعمة للقيم ومعززة للسلوك الإيجابي، كما أن المبادرة تسعى إلى تحقيق أعلى درجات التميز في تثقيف المجتمع بالقيم والسلوكيات المرغوبة بقيادة ملهمة ومشاركة مجتمعية”.

