زنقة 20 ا الرباط
كشف المجلس الأعلى للحسابات، في تقريره السنوي برسم 2024-2025، عن اختلالات مهمة في تدبير مشاريع البناء واقتناء العتاد العلمي بالجامعات العمومية، مؤكداً أن نقص التخطيط والتتبع والمراقبة ساهم في تعثر عدد من المشاريع وتأخرها، في وقت يعرف فيه التعليم العالي ضغطًا متزايدًا على مستوى البنيات التحتية والتجهيزات.
وأبرز التقرير أن عدد الطلبة بالجامعات العمومية عرف ارتفاعًا ملحوظًا، إذ انتقل من 541.375 طالبًا خلال الموسم الجامعي 2012-2013 إلى 1.106.225 خلال موسم 2023-2024، وهو ما أدى إلى ارتفاع معدل عدد الطلبة لكل 100 مقعد من 174 إلى 258 طالبًا، خاصة بمؤسسات الاستقطاب المفتوح. وفي المقابل، تواجه مختبرات البحث العلمي إكراهات مرتبطة بتوفر العتاد العلمي وصيانته.
وفي ما يخص مشاريع البناء، أفاد التقرير أنه تم خلال الفترة 2012-2023 إنجاز 279 مشروعًا، شملت 22 مؤسسة جامعية جديدة، و23 مصلحة مشتركة تابعة لرئاسة الجامعات، و234 عملية توسعة. غير أن المجلس سجل غياب رؤية واضحة وأهداف واستراتيجيات دقيقة لتطوير البنايات الجامعية، إلى جانب نقائص في تصميم المشاريع وتنفيذ الأشغال وتتبعها، فضلاً عن تحديات في استغلال المنشآت المنجزة.
وعلى مستوى التخطيط، وقف التقرير عند عدم وضوح استراتيجيات وزارة التعليم العالي والبحث العلمي والابتكار، حيث لم تحدد مخططات العمل الاستراتيجية السابقة والمخطط الوطني لتسريع تحول منظومة التعليم العالي في أفق 2030 توجهات دقيقة بخصوص إحداث المؤسسات الجامعية أو توسيعها، واكتفت بصيغ عامة لتوسيع العرض التكويني.
كما أشار إلى غياب رؤية واضحة بشأن تطوير الجامعات العمومية، سواء في ما يتعلق بالمؤسسات التي سيتم إنشاؤها أو الاختيارات بين مؤسسات الاستقطاب المفتوح والمحدود، مبرزًا أمثلة من قبيل التراجع عن مشروع أقطاب “مدارس البوليتكنيك”، وعدم تعميم تجربة تقسيم بعض الكليات، وعدم تنزيل هدف مراجعة التغطية الجهوية للجامعات.
وسجل المجلس كذلك غياب خارطة وطنية استشرافية للتعليم العالي وخريطة جامعية محينة، رغم التنصيص على ذلك في القانون-الإطار 51.17، إضافة إلى عدم توفر إطار مرجعي موحد يحدد المعايير التقنية والبيداغوجية لإحداث المؤسسات الجامعية، مثل عدد القاعات والمدرجات والمختبرات والمرافق.
كما تبين أن تحديد الحاجيات يتم غالبًا عبر اجتماعات تنسيقية داخلية دون مسطرة رسمية تستند إلى معايير واضحة لتحديد الأولويات.
وفي ما يتعلق بجدولة المشاريع، رصد التقرير حالات بناء مؤسسات جامعية لم تصدر بشأنها مراسيم إحداث، مقابل 18 مؤسسة محدثة قانونيًا لم يتم بناؤها خلال الفترة نفسها، من أصل 48 مؤسسة تم التقرير بإحداثها.
وأشار إلى أن برامج توصيف المشاريع تظل في عدد من الحالات موجزة وعامة، تركز على المساحات دون ترجمة الأهداف التربوية والعلمية إلى تنظيم وظيفي دقيق، مع ضعف مراعاة أبعاد الاستدامة والتحول الرقمي.
وخلال مرحلة التنفيذ، سجل المجلس شروع بعض الجامعات في الأشغال قبل استكمال الدراسات التقنية في 4 مشاريع من أصل 19 تمت مراقبتها، ما أدى إلى توقفات طويلة بلغت في أحد المشاريع 294 يومًا، وترتب عنه تأخير في الإنجاز وارتفاع في الكلفة. كما تم تغيير التخصيص الأصلي لبعض المشاريع أثناء التنفيذ، وهو ما يعكس ضعف التخطيط المسبق، وأدى إلى تمديد الآجال ورفع التكاليف.
وعلى مستوى التتبع، أبرز التقرير وجود نقص في الكفاءات التقنية داخل فرق الإشراف المباشر على مشاريع البناء، حيث تسند مهام التتبع في عدد من الحالات لأطر ذات خلفيات إدارية أو بيداغوجية دون تخصص تقني كاف، ما يضعف مراقبة جودة الأشغال واحترام المعايير والآجال.
كما تبين أن 31 مشروعًا من أصل 279، أي ما يعادل 11% من المشاريع التي انطلقت بين 2012 و2023، متوقف حاليًا، مما أدى إلى تعطيل طاقة استيعابية قدرها 5.592 مقعدًا. وتتركز أغلب المشاريع المتعثرة في جامعات الحسن الثاني ومحمد الخامس وسيدي محمد بن عبد الله، وترجع أسباب التعثر في حالات عدة إلى غياب رخص البناء أو ضعف تتبع المشاريع أو نزاعات تعاقدية.
وفي ما يتعلق باستغلال المباني المشيدة، سجل المجلس ضعف استغلال بنايات مخصصة لمصالح مشتركة، مثل مراكز اللغات ومراكز المؤتمرات وفنادق جامعية، مع غياب سياسة واضحة لتعاضد استغلال البنيات التحتية بين المؤسسات.
أما بخصوص العتاد العلمي، فأكد التقرير غياب استراتيجية مؤطرة لدى الجامعات، وضعف ملاءمة برامجها مع توجهات الوزارة، حيث تتم عمليات الاقتناء في الغالب بشكل مجزأ ودون مرجعيات ومعايير واضحة، كما أن أهدافًا استراتيجية مثل التعاضد في استغلال العتاد، واعتماد المختبرات، وإحداث شبكة وطنية للبنيات التحليلية، ما تزال غير مفعلة بالشكل الكافي.
وخلص المجلس الأعلى للحسابات إلى أن تحسين وضعية البنيات الجامعية والعتاد العلمي يقتضي إرساء تخطيط استشرافي محكم، واعتماد أطر مرجعية واضحة، وتعزيز الكفاءات التقنية، وتحسين حكامة تدبير مشاريع البناء والتجهيز، بما يضمن استجابة فعالة لحاجيات التكوين والبحث العلمي في ظل التزايد المستمر لأعداد الطلبة.

