في حوار فني نابض بالتنوع وثراء التجارب، تحتضن هند جاليري معرض “أطياف” الذي يجمع سبعة فنانين، لكلٍ منهم بصمته الخاصة ورؤيته المختلفة، ليشكّلوا معًا لوحة كبرى من الأساليب والاتجاهات والموضوعات، حيث لا يطغى صوت على آخر، بل تتجاور التجارب كما تتجاور الألوان في الطيف الواحد.
المعرض لا يقدّم أعمالًا منفصلة بقدر ما يفتح مساحة حوار بصري وإنساني، تكشف من خلاله اللقاءات مع الفنانين عن عوالم داخلية وتجارب ثرية تقف خلف اللون والخط والتكوين.
الضوء والظل كحالة شعورية
تنطلق تجربة الفنان عادل الذوادي من ثنائية الضوء والظل بوصفها تعبيرًا نفسيًا قبل أن تكون عنصرًا تشكيليًا، حيث يخلق بُعدًا بصريًا داخل اللوحة يمنح المتلقي فرصة للاندماج في الحالة الشعورية بدل الاكتفاء بالمشاهدة من الخارج. ويعتمد الذوادي على الألوان الدافئة مبتعدًا عن الصخب اللوني، إيمانًا بأن الهدوء البصري أكثر قدرة على نقل الضجيج الداخلي للإنسان بصورة عميقة وغير مباشرة.
وعلى صعيد مسيرته الفنية، أشار الذوادي إلى مشاركاته الدولية الواسعة، حيث شارك في بينالي بنغلادش، إلى جانب معارض في فرنسا، إيطاليا، اليمن، دول الخليج، مصر، بريطانيا، وروسيا، وحصل على شهادات تقديرية وميداليات في محطات فنية متعددة.
السريالية في خدمة الإنسان
ينتمي الفنان عبدالله المنامي إلى المدرسة السريالية، متأثرًا بأستاذه الراحل الدكتور محمد رياض، الذي رسّخ لديه فكرة أن الجمال الحقيقي يرتبط بالرسالة الإنسانية.
في أعماله، تتكرر الوردة الحمراء كرمز للمشاعر الراقية والصفاء الإنساني، في مقابل صخب الحياة المعاصرة. كما يطرح تساؤلات بصرية حول جدلية ما يملكه الإنسان من قوة أو معرفة أو مكانة، وكيف يمكن تسخيرها لخدمة الإنسان وتحقيق سعادته. وتحضر الهوية البحرينية في تجربته من خلال استحضار بساطة الحياة القديمة ودفء الضيافة كقيمة جمالية وروحية. وعن مشاركاته الخارجية، أوضح أن له تجربة فنية خارج البحرين تمثلت في مشاركته عام 2024 في معرض “قطعة من الفن” بدولة الكويت.
الفن كذاكرة اجتماعية مفتوحة
الفنان البحريني صلاح الموسوي هو فنان تعليم ذاتي، بدأ الرسم عام 1982 خلال دراسته في كلية الخليج للتكنولوجيا، وشارك في معرض الكلية آنذاك، لتبدأ رحلة فنية امتدت عبر المعارض المحلية والمشاركات الثقافية.
كان عضوًا في جمعية البحرين للفنون التشكيلية (عضوية رقم 71) حتى ديسمبر 1995، وشارك في المعرض السنوي لهيئة البحرين للثقافة والآثار عامي 1991 و1993، وهو حاليًا عضو في جمعية البحرين للفن المعاصر، وشارك في معظم المعارض المحلية، كما أقام أول معرض شخصي له عام 2023 في الجمعية.
وفي تصريحه حول تجربته الفنية، أوضح الموسوي أن أعماله تتناول الموضوعات الاجتماعية والثقافية، إلى جانب التراث البحريني والحياة القديمة، إضافة إلى موضوعات مستوحاة من القصص والشعر والموسيقى. وأكد أنه يحرص على رسم الأحياء القديمة بروح فنية تحمل معنى، بحيث يشعر المتلقي بعمق اللوحة ويتفاعل وجدانيًا معها، مستحضرًا ذكريات الأيام الجميلة، إلى جانب الرسالة المضمّنة في العمل.
وأضاف أنه يتناول كذلك قضايا اجتماعية مستوحاة من الأدب، ويترك داخل لوحاته مساحة يندمج فيها المتلقي مع العمل ليستمتع بتفاصيله وطريقة عرضه، دون أن يفرض عليه تفسيرًا واحدًا.
وأشار الموسوي إلى أنه لا ينتمي إلى مدرسة فنية محددة، بل يمنح نفسه حرية اختيار الأسلوب الذي يخدم الفكرة، مؤمنًا بأن الفنان صاحب الخيال الواسع قادر على تجسيد الفكرة بأكثر من معالجة فنية.
ويستخدم في أعماله الألوان الزيتية، والأكريليك، والألوان المائية، والباستيل، والألوان الخشبية، والفحم، إلى جانب تنوع في الخامات بين القماش والورق وغيرها من الأدوات.
وفي معرض “أطياف” قدّم مجموعة لوحات زيتية بعنوان “أسواق المنامة”، عبّر فيها عن الحياة اليومية في الأسواق الشعبية بحركتها وضوضائها الجميلة، مستخدمًا ألوانًا منسجمة وهادئة تمنح العين راحة وتبقى عالقة في الذاكرة. ومن أبرز أعماله لوحة “الطريق الضيق” التي تجسد ممرًا قديمًا يختزن ذاكرة المكان وتفاصيله المعمارية العتيقة.
الفن سفيرًا للهوية البحرينية
استحضر الفنان عيسى النعيمي تجربته ذات البعد الثقافي الدولي، مشيرًا إلى مشاركته ممثلًا لمملكة البحرين في افتتاح معرض دار للفنون بالمملكة الأردنية الهاشمية، ضمن الموسم الدولي الخامس بعنوان “الفن والثقافة والتاريخ”، في المركز الثقافي الملكي الأردني، بحضور سفير دولة الكويت في الأردن ومعالي وزير الثقافة، وبالتعاون مع وزارة الثقافة ومديرية الثقافة في عمّان.
كما أشار إلى مشاركاته المتعددة داخل البحرين، خاصة مع جمعية البحرين للفن المعاصر في معارض جماعية، إضافة إلى مشاركته في السمبوزيوم الفني الذي نظمته الجمعية.
أعرب الفنان عيسى النعيمي عن فخره بمشاركته في المعرض الحالي، مؤكداً أن الأعمال المعروضة تمثل محاولة لاستكشاف تقنيات جديدة وأساليب تعبير فني حديثة. أسلوبه يجمع بين البساطة الشكلية والديناميكية اللونية، مع استخدام خامات متداخلة تُحوّل المادة إلى تجربة حسية تتجاوز الحدود التقليدية للوحة. كل قطعة تعكس رحلة شخصية في العمل والإبداع، وتوازن بين الجمال البصري والرسالة الفكرية. كما أشار إلى أن المعرض يسعى لإلهام الجمهور وتقديم رؤية مستقبلية حول العلاقة بين المادة والإبداع، مع تأكيد أهمية الابتكار والمسؤولية الاجتماعية في الفن المعاصر.
“أطياف” مساحة يلتقي فيها الاختلاف
عبّر الفنان علي المحميد، صاحب هند جاليري، عن سعادته باستضافة الفنانين السبعة، مؤكدًا أن المعرض يمثل تجربة جديدة لهم داخل الجاليري. وأوضح أن فكرة “أطياف” تعبّر عن تعدد الرؤى والمدارس، وأن الجاليري يرحب بجميع التجارب الفنية ويدعم الاختلاف بوصفه مصدر ثراء للمشهد التشكيلي.
تنوّع يثري المشهد
وضم المعرض كذلك الفنانين عباس سرحان، إبراهيم حسن، وخليل كازروني، الذين قدّموا تجارب متباينة في الطرح والأسلوب، مما عزز فكرة المعرض القائمة على الحوار بين أطياف فنية متعددة.
بهذا التنوّع، يأتي معرض “أطياف” كمساحة تتجاور فيها الرؤى دون أن تتشابه، وتلتقي فيها التجارب دون أن تذوب، ليؤكد أن الفن يظل لغة إنسانية واحدة، وأن كل طيف لوني يحمل حكاية… لكن الضوء في النهاية واحد.
الجدير ذكره أن المعرض مستمر في هند جاليري حتى تاريخ 31 يناير، ما يمنح جمهور الفن فرصة أوسع لاكتشاف هذه التجارب المتجاورة.
تنبه صحيفة البلاد مختلف المنصات الإخبارية الإلكترونية الربحية، لضرورة توخي الحيطة بما ينص عليه القانون المعني بحماية حق الملكية الفكرية، من عدم قانونية نقل أو اقتباس محتوى هذه المادة الصحفية، حتى لو تمت الإشارة للمصدر.

