تشير المراجع إلى أن غالنتز فنان أرمني متعدد الضفاف والثقافات، ذو مسار حياتي وجغرافي معقد، ولد عام 1910 في غورون (Gürün) في الإمبراطورية العثمانية، ونشأ في حلب بسوريا، ثم انتقل إلى طرابلس في شمال لبنان، ليستقر في بيروت بين عامي 1930 و1946، إذ نجح في خوض غمار مشاريع إبداعية عديدة حققت له شهرة واسعة، لاحقاً انتهى به المطاف في أرمينيا حيث عاش نحو 20 عاماً، عانى فيها العزلة والقمع، قبل أن يستعيد مكانته الفنية في السنوات القليلة التي سبقت رحيله.
ولا تقتصر هذه المحطات على كونها وقائع سيرته، بل فضاءات صاغت تجربته التعبيرية، التي نتج منها حوار كثيف بين جذوره الثقافية المتعددة وتأثيرات الحداثة الأوروبية. وعلى رغم اقتران اسمه غالباً بالمرحلة السوفياتية، امتدت مسيرته لأربعة عقود عابرة للجغرافيا والتجارب الإنسانية، يوثقها كتاب حديث بالإنكليزية للباحثين فارتان كارابيتيان وماري طنب في كتاب ضخم صدر حديثاً باللغة الإنكليزية عن دار سكيرا Skira (225 صفحة من القطع الكبير) بعنوان “شكل اللون”، يتحدث عن الرحلة الإبداعية لشاب مهاجر، حمل صدمة الإبادة الجماعية للأرمن، ليتحول إلى فنان مرموق في بيروت أولاً، ثم في الاتحاد السوفياتي لاحقاً، إذ استقر بعد الحرب العالمية الثانية سعياً إلى صلة أعمق بوطنه الأم: أرمينيا.
ويشير مؤلفا الكتاب في مقدمته إلى أن «اسم غالنتز برز مراراً في مسارات البحث بطرق غير متوقعة»، إذ ظهرت أعماله ضمن مقتنيات نخب ثقافية وفنية، منها مجموعة ليليا بريك، ملهمة الشاعر ماياكوفسكي، والفيزيائي برونو بونتيكورفو، كما عثر على لوحاته في أماكن لافتة، مثل متحف منزل نجمة البولشوي مايا بليسيتسكايا، إلى جانب أعمال لفرناند ليجيه.
بدأت رحلة تتبع أعماله بلوحة «امرأة على خلفية صفراء» كانت في حوزة المهندس اللبناني فريد طراد، أحد أبرز جامعي أعماله في بيروت، قبل أن تقود الأبحاث إلى موسكو حيث استقرت اللوحة ضمن «مجموعة جانيبكيان». وتضم هذه المجموعة أعمالاً ذات قيمة متحفية تغطي مسيرة غالنتز كاملة، من بداياته في طرابلس اللبنانية إلى تجاربه التجريدية الأخيرة. وقد أتاحت المجموعة إعادة تقييم إرثه عبر كتاب يجمع بين الدراسات الأكاديمية وشهادات معاصريه، ويعرض أكثر من 150 عملاً، مدعماً بمواد أرشيفية ومراسلات وصور توثق حياته في بيروت، إضافة إلى صور لمعرضه السري في شقة بوريس بيوتروفسكي (نائب مدير متحف الإرميتاج) في لينينغراد، في تذكير بتقاليد «معارض الشقق السرية » التي ازدهرت في الاتحاد السوفيتي منذ ستينيات القرن الـ20. كما يقدم الكتاب شهادات، بينها مذكرات زوجته أرمين، كاشفاً عن التحديات التي واجهها في بيئة معادية وشبكات الدعم التي رسخت مكانته، وبذلك لا يكتفي الكتاب بتوثيق إرث غالنتز، بل يدعو إلى إعادة اكتشافه.
الفرار من المجازر العثمانية
ولد هاروتيون في كنف عائلة تعمل في صناعة النسيج في غورون، إذ أمضى أجمل سنوات طفولته قبل أن تقتلعها مأساة الإبادة الجماعية للأرمن عام 1915. فاضطر، مع إخوته الثلاثة ووالدته، إلى الفرار من المجازر والانضمام إلى آلاف الأرمن المرحلين قسراً في مسيرة شاقة عبر الصحراء السورية، وسط الجوع والأمراض. وصف غالنتز لاحقاً مسيرة الموت عبر الصحراء قائلاً: “بأقدام متورمة دامية، وملابس ممزقة، وجائعين، وبائسين، وعلى وشك الموت”. وصلت العائلة في نهاية المطاف إلى حلب، حيث توفيت والدته من الإرهاق والجوع. وأرسل هاروتيون وإخوته إلى دار أيتام للأطفال الأرمن، التي وفرت له التعليم الابتدائي وشجعته على الرسم.
في هذه الأثناء، انتقل شقيقاه الأكبر، فارتيفار وسامفيل، للعيش مع خالهما وافتتحا استوديو للتصوير، أسوة بعديد من المصورين الأرمن النازحين الذين أعادوا بناء حياتهم عبر هذه المهنة في مصر وسوريا ولبنان وفلسطين. وفي عام 1922، غادر هاروتيون دار الأيتام ليقيم مع شقيقيه، متفرغاً للتدرب على الخط وفن الرسم في محترف أونيغ أفيديسيان. أمضى بعدها سنوات في حلب يرسم ويبيع لوحاته، قبل أن ينتقل عام 1927 إلى طرابلس، إذ وفرت المدينة للأسرة فرصاً مهنية في زمن ازدهار التصوير الفوتوغرافي في لبنان.
خلال إحدى زياراته إلى طرابلس بين عامي 1926 و1927، دخل الرسام والمستشرق الفرنسي جورج كلود ميشليه (1873 – نحو 1942) مصادفة إلى استوديو آل هرمانديان، فأبدى إعجابه بموهبة هاروتيون، والتزم بتوجيهه. وانطلقا معاً في رحلة فنية استمرت نحو عامين في سوريا، أثمرت معرضاً مشتركاً، كان الظهور الأول لهاروتيون في عالم المعارض، قبل أن يعتمد لقب غالنتز (Galentz) كاسم فني لتوقيع أعماله.
في بيروت زمن الانتداب، إذ تشكلت نخبة اجتماعية وثقافية متأثرة بالنموذج الباريسي وداعمة للفنون، وجد غالنتز بيئة موآتية للنجاح. وبحلول منتصف الثلاثينيات، حقق استقراراً مادياً عبر محترفه في عين المريسة، من خلال تلبية الطلبات الفنية ورسم البورتريه، والتدريس، والتعاون مع ميشليه، قبل أن يتوسع نشاطه في المعارض الجماعية ويبني شبكة رعاة عابرة للجنسيات والانتماءات، شملت شخصيات من «فرنسا الحرة» مثل الجنرال كاترو. وتنوعت أعماله بين الجداريات، واللوحات الدينية، والمناظر الطبيعية، والكاريكاتور. وتوج هذا المسار بإنجاز إفريز «الحرف الفينيقية» بطول سبعة أمتار لجناح لبنان الذي نظمه الأديب شارل القرم، في معرض إكسبو نيويورك 1939، نال عنه جوائز مرموقة وعكس ملامح الهوية الثقافية للبنان عبر التاريخ.
لم يكتف غالنتز بالرسم، بل كان عضواً فاعلاً في “جمعية أصدقاء الفنون” و”جمعية أهل الفن في لبنان”، وعمل بين عامي 1942 و1945 رساماً في جريدة “En Route” الفرنسية التابعة للجنرال ديغول. وعلى رغم نجاحه ومكانته، ظل شعور الغربة يرافقه في لبنان، فقرر العودة لوطنه أرمينيا عام 1946 مع زوجته إرمين وابنه هارمان، بحثاً عن الانتماء وإنهاء مرارة الاغتراب.
الغريب في وطنه
كانت السنوات الـ10 الأولى لغالنتز في الوطن الأم قاسية، مليئة بتحديات لم يعرفها في بيروت. اضطرت العائلة إلى الاستقرار على أرض صخرية خارج المدينة، فبنى منزله وحديقته بيديه. وجد نفسه معزولاً عن بيئته المألوفة، بين سكان محليين ينظرون إلى العائدين بوصفهم غرباء، فنان مشبع بالحداثة الأوروبية، وجد نفسه دخيلاً في بلد فقير خارج من الحرب. تمثلت الصدمة الأعمق في رفضه الفن الاشتراكي، وهو نفور قابلته به النخبة الفنية السوفيتية، فدفع ثمنه عزلة طويلة وإقصاء رسمياً. عاش حياة مزدوجة بين كسب شحيح ومرسمه الخاص، ولم يتح له عرض أعماله إلا نادراً بين 1946 و1954، إذ وصف فنه بـ«الشكلي» و«العالمي» ونعت بـ«الفنان الغربي»، وهي تهم قاتلة في زمن ستالين. انضم إلى اتحاد الفنانين عام 1946 ثم طرد قبل أن يعاد قبوله عام 1951. وعلى رغم القمع، وجد غالنتز من يدافع عنه، أبرزهم الناقد ديمتري مولدافيسكي، قبل أن يشكل دخول الفيزيائي أرتيم أليخانيان حياته نقطة تحول، صديقاً وراعياً ومروجاً لفنه.
وبفضل دعم أليخانيان، تعرف غالنتز إلى أوساط المثقفين في موسكو ولينينغراد، ثم يريفان. وكان الكاتب إيليا إهرنبورغ من أبرز المعجبين بفنه، كما دافع عن الفنانين المصنفين «شكليين» والمتأثرين بقوة بالحداثة الأوروبية. وربما ذكره غالنتز، في تلك السنوات، بإقامته في باريس قبل الحرب العالمية الأولى وأثناءها، في عالم جمعه بموديلياني ودييغو ريفيرا وبيكاسو.
أقيم معرضه الفردي الوحيد عام 1962، فتبددت العزلة وحل الاهتمام، وغدا منزله ومرسمه ملتقى للمبدعين، ونسج صداقات مع شخصيات فكرية بارزة. حظي فنه بتقدير واسع، وابتكر لنفسه فضاء فنياً خاصاً. وفي السابع من مايو (أيار) 1967، رحل غالنتز بنوبة قلبية في يوم مشمس، وهو في ذروة عطائه.
اللون كائن حي
يتميز فن غالنتز بشحنة عاطفية قوية واستخدام نابض للألوان، يعبر عن رؤيته للعالم بأسلوب حديث، يتجلى في المناظر الطبيعية وعالم الداخل وتمثيل الزهور وسائر مواضيع الطبيعة الصامتة، إضافة الى فن البورتريه، الذي دمج فيه الهوية الأرمنية بالاتجاهات الفنية لعصره.
تكشف أعماله المبكرة بين طرابلس وبيروت (1920- 1946) عن انخراط بالانطباعية السائدة في المعارض والصالونات البيروتية، بوصفها تعبر عن الهوية الوطنية للبنان “الكبير” كما تعبر عن الذوقية العامة لرعاة الفن في ذلك الحين. وأسوة بفناني عصره (مصطفى فروخ وعمر الأنسي وقيصر الجميل)، رسم المناظر الريفية والطبيعة القروية والمشاهد المدينية، بألوان حارة مشرقة بالضوء في اوقات الصباح والظهيرة. توغلت ريشته في أحياء مدينة طرابلس القديمة ومعالمها الأثرية، وانتقل إلى محاكاة المناخات الاجتماعية والحياة الشعبية في بيروت المدينة الكوزموبوليتية بطابعها الشرقي (مناظر من عين المريسة وصخرة الروشة وطبيعة صامتة، فضلاً عن وجوه البدويات).
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
“غير أن لوحات غالنتز في زيتياته ومائياته – بحسب ماري طنب – تتحدى التصنيف الدقيق: فقد انحرف عن التمثيل الواقعي لصالح تفسير ذاتي للموضوع، وغالباً ما كان يبسط الشكل إلى جوهره، ويبني تركيباته بضربات فرشاة انسيابية ضبابية، معبراً عن العاطفة من خلال اللون، الذي اعتبره “كائنًا حياً نابضاً بالحياة”.
ذلك ما يفسر انحيازه إلى التكعيبية والوحشية اللونية، التي بدأت تظهر في أعماله منذ ثلاثينيات القرن الـ20، فكان أسلوبه فريداً نابعاً من قدرته على صهر تأثيرات الحداثة الأوروبية (سيزان وبيكاسو وماتيس وموديلياني)، بما تحمله من مزايا جمالية، في تركيب متجانس وجريء. غير أن أعماله، ابتداء من منتصف أربعينيات القرن الـ20، بدأت «تزدهر»، لتنفجر في أسلوب أصيل، يعتمد التعبير الفوري والتلقائي، كما يظهر في لوحات يريفان الأخيرة، حيث رسم الطبيعة وخلد بريشته وجوه كبار المثقفين والأدباء والأصدقاء المقربين، بجرأة في تسطيح الأبعاد واختصار العالم المرئي، متمرداً على القيود التي تكبح رغبته في إشعال حرائق اللون أو فتح نوافذ الفن على الحرية.

