ما أن أتمت “هيئة تحرير الشام” سيطرتها على سوريا وأطاحت بنظام بشار الأسد أواخر عام 2024 من دون معارك فعلية أو حالات انتقام عشوائية شاملة، حتى ساد جو عام من الهدوء أوساط المجتمع والمدن السورية، ونسبياً ظل الأمر كذلك حتى جاء مارس (آذار) 2025 ليكشف عن واحدة من أبشع صور أية سلطة، إثر المجازر الواسعة التي ارتكبت بحق العلويين في الساحل، بحسب ما صدر عن لجان التحقيق المتخصصة.
تلك المجزرة لم تكن حدثاً عابراً بل مثلت لحظة مفصلية أعيد من خلالها رسم شكل المشهد وضمنه العلاقة التي ستربط الأقليات بالسلطة، وكانت الرسالة قاسية وهي أن “الانتماء الطائفي له ضريبة كبرى، وسلطة ما بعد الأسد لم تستطع كبح جماح عشرات آلاف المهاجمين”، وهذا الاعتقاد الذي ساد وسط ذلك المكون عقب ما حصل.
أربعة أشهر تالية فقط كانت هي الوقت المطلوب لتضع دروز السويداء جنوباً في ذات الاختبار، ففي يوليو (تموز) 2025 حوصرت وقصفت المدينة وارتكبت فيها واحدة من أبشع المجازر الجماعية، وأيضاً ضمن سياق منظم وآخر عشائري من طرف السلطات، وفي الساحل والسويداء قضى الآلاف وتبلورت ملامح مظلومية الأقليات كما جرى تصديرها لاحقاً، بحسب وصف المجتمعات المحلية وبعض الدول الغربية ومعهما مقالات وتحقيقات إعلامية عالمية.
انكشاف ظهر الدولة
وبعد تلك الواقعتين الشهيرتين، مضافاً إليهما حدث تفجير كنيسة مار إلياس بدمشق في يونيو (حزيران) 2025، وتفجير مسجد الإمام علي بحمص في ديسمبر (كانون الأول) من العام ذاته، رفقة آلاف حالات القتل الفردي والانتهاكات اليومية والاختطاف وحالات السبي وحملات التفتيش العشوائي وإهانة الناس، وإجبار آخرين على تقليد أصوات الحيوانات والاعتقالات التعسفية ومصير المختطفين المغيبين من أكثر من عام، ولكل ذلك لم يعد حضور السلطة في الذهن الجماعي مرتبطاً بالقدرة على تأمين الحماية، بل بوصفها قوة متساهلة في فرض الأمان بأفضل الأحوال.
يعتقد الحقوقي فايز سلطان أن “السلطة لم تجر محاكمات حقيقية وتعمدت على الدوام وصف ما يحصل على أنه أحداث مؤسفة، وفي ضوء ذلك بدأت أصوات الناس تتحدث عن مشاريع حماية ذاتية كضرورة مستديمة لا كترف مرحلي في الساحل، وقابله في السويداء تراجع الأصوات التي كانت على قبول أولي بالتفاهم مع دمشق، لكن صوت السلاح عاجلهم فضاعت معه آفاق الحوار، وبذلك صار الساحل يريد حماية ذاتية من وجه السلطة، والجنوب ممثلاً في السويداء والدروز يريدون استقلالاً تاماً واحتضاناً إسرائيلياً، وفي الحالين فشلت الدولة أمام فيض فرص أتيحت لها لأن تعود لتكون الحكم بدلاً من أن تظل الخصم”.
خلال الأشهر الأولى من سقوط الأسد كان الناس يسألون عن شكل الدولة ونظام الحكم فيها وآلية وطريقة المشاركة، والآن تبدلت هذه الأسئلة جذرياً وحلت بدائل أخرى مكانها وعلى رأسها: مع من سنتحالف خارجياً؟ وكيف سيكون لدينا قوة ردع محلية؟ وكيف نمنع العشائر والفزعات من تكرار ما حصل، ولو كان ذلك على حساب وحدة الجغرافيا السورية؟ الوحدة التي تنصلت منها مكونات الأقليات الدينية والعرقية واحدة تلو الأخرى.
وفي خضم كل ذلك كانت “قوات سوريا الديمقراطية” (قسد) تراقب منتظرة إعلان نفسها شريكاً قادراً على حماية بقية أقرانها من الأقليات، وهي حتى وقت قريب كانت تمتلك تلك القدرة عسكرياً ولوجستياً ودولياً، قبل أن تنهار دفعة وحدة خلال الشهر الجاري.
عقد من بناء القوة
مع الابتعاد الشاسع من إمكان التفاهم بين السلطة والأقليات، طرحت “قسد” نفسها فعلياً كقوة جاهزة سلفاً لتسد أي فراغ أمني، مستندة على قبول واسع تحظى به بين المكونات التي سبق أن عاينت أحداثاً قاسية، فالقوات الكردية ليست وليدة لحظة عسكرية مباغتة، ولا تعبئة سياسية آنية، إنما هي نتاج تراكم ثقل عسكري بنيوي يمتد منذ عام 2014، حين نشأت وتولت محاربة تنظيم “داعش” وهزيمته تحت مظلة الوجود والرعاية الأميركية، فامتلكت من الخبرات العسكرية أشدها ومن التحالفات الدولية أقواها ومن الآليات الثقيلة والأسلحة النوعية أفضلها.
نظرياً وعملياً تمكنت “قسد” من بناء دولة داخل الدولة منذ فترة حكم بشار، وامتلكت شرق الفرات، أي ثلث سوريا تقريباً، وهو سلة البلاد الغذائية والنفطية، وهناك أقامت إقليمها المستقل “روج آفا” وامتلكت أجهزة ومؤسسات دولة عسكرية ومدنية، وهذه العوامل أغرت بقية المكونات فعلياً والأقليات تحديداً بما تمتلكه من مناطق وجود لا تقل أهمية عن شرق الفرات، فالعلويون هم النسبة الكبرى في الساحل السوري على شواطئ المتوسط الشرقية، والدروز كذلك في السويداء، ولهذا كان التفاف الأقليات حولها بوصفها قوة ردع لا عداء، وبدء التنسيق الحثيث معها لحظة بلحظة، كما تشير مصادر ومعلومات.
ويقول الباحث في علوم التاريخ موفق حليم إن الأقليات عموماً حساسة تجاه الخطاب الطائفي والإقصائي في ظروف مشابهة، فقد وجدت ضالتها في الأكراد الذين قدموا على الدوام أنفسهم كقوة عسكرية مدنية عابرة للطوائف والمعتقدات، مؤمنين بتعدد وتمازج تتسع له أية دولة، وعليه لم تكن “قسد” خيار ترف تنتقيه الأقليات، بل كانت الخيار الوحيد أمامهم، وفي الوقت ذاته الأنسب والأصلح والأمتن.
وأضاف “كانت ‘قسد‘ طوق نجاة يعوّل عليه، فالصورة العامة لـ ‘قسد’ عسكرياً كانت كبيرة في أذهان من سيصبحون حلفاءها، وكان ينظر إليها على أنها الكفيل القوي في وجه واقع عجزوا عن التعايش معه، لكن في النهاية لم تجر الرياح كما أرادت سفينتهم”.
ولادة حلف الأقليات
في أغسطس (آب) 2025 عقد في مدينة الحسكة شمال شرقي سوريا مؤتمر تحت مسمى “وحدة الموقف”، وكان يسعى إلى إطلاق “حلف الأقليات”، فقد جرى برعاية “قسد” وحضور الممثلين الفاعلين عن الأقليات والزعامات والمرجعيات الروحية والدينية الكبرى، سواء عبر الحضور الشخصي أو عبر تقنية الفيديو، وقد شارك فيه إضافة إلى الأكراد ممثلون عن بعض العشائر العربية، وممثلون عن المسيحيين والعلويين والدروز، وفي هذا المؤتمر كرست “قسد” نفسها كمرجعية سياسية معترف بها لمن حضر، في حين هاجمت السلطة عبر وزير خارجيتها أسعد الشيباني هذا المؤتمر معتبرة أنه لا يمثل السوريين، وجاء ذلك في سياق طبيعي وبديهي يصدر عن شخصية مركزية في سلطة تواجه خصوماً داخليين، بحسب مراقبين، وعلى رغم ذلك قدم المؤتمر نفسه في بيانات لاحقة بأنه جاء يحمل صيغ العيش المشترك والتعددية، وبأنه البذرة الأولى في مواجهة معادلات السياسة القاسية المفروضة في حقهم.
أحد الذين حضروا المؤتمر وقتذاك، وفضّل عدم الكشف عن اسمه، قال “كان واضحاً أن الهم الأول لـ ‘قسد’ والدافع المركزي لتبني ولادة هذا الحلف هو طرح نفسها كقائد لمشهد ائتلاف المكونات السورية أمام تهديد مشترك يحيط بالجميع، وفي خضم ذلك كانت الأقليات مأخوذة بعواطفها وبخاصة أن المؤتمر انعقد بعد أقل من شهر واحد على مجازر السويداء، فغاب السؤال الأبرز عن مرجعيته الشرعية وعن أحقية تفويض من حضره بتمثيل طوائفهم كاملة، فالأقليات التي أرادت الحماية ذابت في مشروع ‘قسد’ الذي حاول الصعود من قوة عسكرية إلى قوة سياسية شعبية، وهو في المنظور العام كان حقاً مشروعاً في حينه”.
تمثيل بلا تفويض
و”ما بعد هذا المؤتمر لم يكن كما قبله، فـ ‘قسد’ بدأت تتعامل مع الأقليات كممثل نهائي عنهم، تفاوض باسمهم أحياناً وتتخذ قرارات بالنيابة عنهم في أحايين أخرى، وإن كان هذا يحظى بقبول من مرجعيات دينية رفيعة في مكان لكنه لا يعبر بالضرورة عن مزاج شارع الأقليات بالكامل في أن تصير ‘قسد’ وكيلهم”، هكذا كان ينظر الشيخ علي حسّان من أبناء الساحل للمؤتمر عامة، ويتفق كثر مع رأيه هذا.
وضمن هذه الوكالة لعبت “قسد” دوراً واسعاً في إيصال رسائل وتصورات الأقليات من مسيحيين ودروز وعلويين للعالم الغربي خلال لقائها وفوداً دبلوماسية متعددة الجنسية، أو حتى خلال زيارة قياداتها لدول خارجية، وترى شريحة أخرى أن “قسد” حاولت احتكار تمثيل أصوات الشارع الأقلوي كقوة أمر واقع من جديد.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
مصادر رسمية رفيعة ذكرت لـ “اندبندنت عربية” في تصريحات أن “قسد” وعدت العلويين في مراحل سابقة أنها لن تقدم على أية خطوات تفاوضية مع السلطة قبل ضمان أمن كل الأقليات، “وراحت أبعد من ذلك بأن طرحت في إحدى المرات أن تتولى قواتها الأمنية مهمة حماية الساحل والجنوب وتحقيق الاعتراف الرسمي بهم كمناطق حكم ذاتي، وبأنها أيضاً تعمل على هذا المشروع مع دول كبرى صاحبة قرار في الشأن السوري”.
ورأت المصادر أن الأقليات وقعت ضحية تضليل واسع من “قسد” التي احتكرت صوتها وعملت على حجبها عن العالم الفعلي في مقابل أن تتولى هي تلك المهمة، فقد كانت تبحث عن استكمال مشاريع خاصة تحتاج فيها إلى تلك المكونات حتى تتمكن من المضي أكثر نحو الأمام كقوة سياسية تمتلك أوراقاً وتحالفات قوية في الداخل والخارج، لكن انهيارها السريع أوضح لحلفائها الداخليين أنهم بنوا طوال أشهر آمالاً زائفة بدلاً من محاولة إيجاد صيغة للتقارب مع الدولة التي لا ترغب في استمرار العداء، فيمكن أن تمد يدها لأية مصالحة شاملة وتكسر حلقة الوصاية المفروضة على أبناء شعبها من قبل مكونات أخرى داخل بلادها”.
سايكس– بيكو بنكهة محلية
ورويداً بدأت تتسلل إلى ذهن “قسد” فكرة تتعلق بحصار الدولة المركزية نفسها، وهذا التفكير بحد ذاته لا يسيء لـ “قسد” ولا للدولة، فهو أمر خاضع لتوازنات سياسية عرفها التاريخ منذ فجره، ووصفها “ميكافيلي” بوضوح في كتابه الأمير، وكذلك جاء ذكر ما يشبه تلك الحال ضمن الأطروحة العسكرية الصينية “فن الحرب لـسون تزو” قبل نحو 2500 عام، وتلك أساليب ضغط سياسية تفضي غالباً في نهاية المطاف إلى تفاهمات واسعة في السياسة والنفوذ والجغرافية وتوزيع الأدوار.
ومن وجهة نظر القاضي سليم معصراني فإنه في “الحال السورية فكرت ‘قسد’ طويلاً بمشروع حيوي يربط مناطق سيطرتها شمال شرقي سوريا بالساحل غرباً، فالسويداء جنوباً ضمن ذات المعادلة ‘وحدة المصير’، وعلى رغم أن هذا الطرح لم يرد في بيان مكتوب أو خطة عمل فعلية لكن نقاشه جرى أكثر من مرة، وبهذا تحقق الأقليات ما ترى أنه يضمن أمنها وحمايتها من جهة، وتظل تحت مظلة ‘قسد’ كقائد من جهة ثانية، وتحاصر دمشق ومدن الداخل في ‘سوريا المفيدة’ من جهة ثالثة”، وبعد ذلك “كل شيء يصير قابلاً للبيع والشراء والتفاوض في السياسة”، على ما تقوله تجارب عالمية.
العقيد المتقاعد ممدوح عبدالواحد خدم في مواقع تكتيكية قبل الحرب السورية، ويملك اعتقاداً أيضاً بأن “قسد” كانت تسعى إلى مشروع كبير يتخطى “كردستان سوريا”، ليكون بوابة كبرى من خلالها يجري العبور لأقاليم ذاتية الحكم، ويقول “تتقن ‘قسد’ فن التفاوض بصورة واسعة، وكان هذا واضحاً دائماً وقد أجادته على الدوام، وأرادت توسيع رقعة التفاوض ما أمكن لتحصل على ما كانت تتوقع أنه يفوق ما يمكن اكتسابه خلال أعوام ماضية، وهذا أمر دائم التكرار في الحروب والنزاعات”.
الرؤية الكردية
بحسب الباحث الكردي محسن برازي والذي لم يتمكن من حضور مؤتمر الحسكة لأسباب خاصة، يقول: “‘قسد‘ لم تطرح ذلك المؤتمر على أنه (حلف أقليات) بل كانت واضحة بأنه مؤتمر اسمه (وحدة الموقف) ورحبت فيه بكل من يريد الحضور ولو كان من طرف السلطة. وقد حضره شيوخ ووجهاء عشائر عربية ورجال دين كبار من مختلف الديانات والطوائف. ولكن ما إن انتهى المؤتمر حتى شرع الإعلام السوري أبوابه لاستقبال ضيوف من كل حدب وصوب لمهاجمة المؤتمر وحاضريه. ومنذ ذلك الوقت وحتى قبله، هناك محاولات لشيطنة ‘قسد‘ بطريقة غير مقبولة”.
وتابع “قسد لم تطرح نفسها كمظلة عسكرية تحمي الأقليات بالقوة، بل أوصلت رسالة أنها معهم في معاناتهم وآلامهم وبمختلف السبل الدبلوماسية والسياسية، لينالوا حقوقهم التي يرون أنها مناسبة لتكوينهم الاجتماعي ووجودهم الجغرافي، وبذلك هي لعبت دور العقل القادر على التفاوض بعد أن انقطعت كل سبل التفاوض بين السلطة والمكونات الأخرى باستثناء ‘قسد‘. بالتالي الأكراد كانوا يسعون للخير، وقالوا وأكدوا خلال المؤتمر وحتى اليوم أنهم يسعون لحلّ الخلافات بالطرق السياسية لا العسكرية ولا بالمؤامرات”.
وحول تعويل المكونات السورية على “قسد” يجيب: “‘قسد‘ هي استمرار لصورة نضالية واسعة تاريخياً تسعى لإحقاق العدل، ورأت في مطالب شرائح من السوريين مظالم تستحق المناصرة. ولكن الآن المعادلة تغيرت جذرياً، فـ‘قسد‘ في عام 2026 ليست ذاتها في 2025، الأصدقاء في ‘قسد‘ يخبرونني عن حجم الخذلان الذي تعرضوا له، هم اليوم بحاجة لاستيعاب الصدمة، وبعدها لكل حادث حديث. ذلك لا يعني أن ‘قسد‘ خسرت المعركة، تراجعت كثيراً نعم، لكنّها ما زالت تمتلك أوراق تفاوض، وما زالت تشتهر بوفائها لحلفائها الداخليين، لنرى أين ستسير الأمور”.
جميل سراج مقاتل سابق في “قوات سوريا الديمقراطية”، يرى أن “رفاقه السابقين لم يخذلوا يوماً حليفاً لهم، لكنّ الظروف كانت أقوى منهم، خصوصاً أنهم كانوا يسعون لبناء موقف سوري موحد تشاركي يجمع الكلّ تحت مظلته في سياق وطني خالص. وهذا يعني أن ‘قسد‘، وإن كانت مظلةً للأقليات في مكان ما، لكنها كانت تسعى للعبور معهم وبهم نحو شكل دولة توافقية، وقد عملت على ذلك من خلال إصرارها على تعديل الإعلان الدستوري أولاً والمطالبة بحقوق وخصوصية المكونات السورية ثانياً وإبرام اتفاق الـ10 من مارس (آذار) العام الماضي، وأخيراً اتفاق يناير (كانون الثاني) الجاري”.
وأضاف: “‘قسد‘ ليست طرفاً استئثارياً متطرفاً، فقد أرسل الأكراد في حرائق الساحل سيارات إطفاء ومساعدات غذائية. لطالما تبنت نهج دولة جامعة وشاملة، وكرامة أولادها محفوظة فيها أمام سيل من الانتهاكات. لدى السلطة بعض الملاحظات على المؤتمر واعتبرته ‘حلف أقليات‘ ضدها، بينما ‘قسد‘ كانت تراه ‘ائتلاف مظلوميات‘ الهدف منه رفع الظلم لا خوض حرب مع السلطة. فمسعى المكون الكردي و‘قسد‘ واضح ‘دولة للجميع بلا استثناء وبلا استئثار بالسلطة‘. في الفترة الأخيرة قدمت السلطة كثيراً من المغريات لقائد قسد الجنرال مظلوم على شكل مناصب رفيعة، لكنّه رفض وذلك لأنه يريد عدالةً لا منصباً، وهذا ما يجب أن يفهمه الجميع، ولولا ذلك لما آمن به كثيرٌ من السوريين وبينهم من السنّة قبل غيرهم”.
السقوط المدوي
طوال أعوام الحرب السورية كانت الصورة المرسومة لشرق البلاد بالنسبة إلى التحالف الدولي و”داعش” والأسد وحلفائه هي أن المنطقة هناك هي الأكثر منعة وتحصيناً وقوة بفضل وجود “قسد”، وبعد سقوط الأسد صارت المنطقة بالنسبة إلى الأقليات “المفر الأخير”، لكن في يناير (كانون الثاني) الجاري ومع لحظة الاختبار الحقيقي سقطت المنطقة بطريقة دراماتيكية لافتة.
الخبير الأمني مصطفى أمين يقول: “فعلياً لم تسقط المنطقة المتسعة جداً من شرق حلب إلى محافظات الرقة ودير الزور شرق الفرات بفعل معارك عسكرية ومواجهات كبرى، وإنما بسبب تراجع متسارع وهائل للأكراد تحت ضغط تفاهمات وأوامر خارجية وعوامل أخرى حتى حدود الحسكة في أقصى شمال شرقي سوريا، وهي المنطقة ذات الغالبية الكردية الفعلية، خلاف دير الزور والرقة العربيتين، وما حصل حمل معه صمتاً أثقل من أي كلام، وسقط مشروع حماية الأقليات في جبهة لم تستطع أن تحمي نفسها بكل ما راكمته من قوة خلال عقد، وسط سيل أسئلة لا إجابات لها، وشريحة واسعة من الأكراد ترى أنها لم تخسر المعركة عسكرياً بل منيت بخسارة إستراتيجية عنوانها خذلان الحلفاء الدوليين الذين حركوها كما أرادوا لأعوام طوال”.
رائف بري، وهو ضابط خدم في هيئة الأركان السورية سابقاً، يروي عن مفارقة تقول إن “شرق الفرات بمساحته الشاسعة سقط بسرعة البرق لدرجة أن انهيار مناطق ‘قسد’ المحصنة هناك بكل أنواع الأسلحة والآليات جاء أسرع من انهيار الساحل في مارس 2025، علماً أن الساحل حينها لم يكن مسلحاً ولم يقاوم من الأصل، فمنطقة بلا سلاح صمدت بصدور أبنائها، وأخرى مدججة بالسلاح والمقاتلين سقطت خلال ساعات وأيام، ومعظم المصادر الرسمية تعترف أن ‘قسد’ تمتلك 100 ألف مقاتل، فيما تذهب تقديرات أخرى لأرقام أكبر، وهذه أرقام تعادل قوام جيش كامل بفرقه العسكرية”.
تفريغ الأحلام
انهيار “قسد” مثّل صدمة لمدن ومناطق الأقليات بوصفها حامل مشروعهم السياسي الذي يخرجهم من عباءة المركزية نحو الفيدرالية، في خطوة تحفظ عليهم وجودهم في الدولة وحقوقهم في آن، والآن لم يعد هناك غطاء سياسي داخلي لهم ولا قوة عسكرية يعول عليها فعلياً، وترى شريحة من جمهور الأقليات اليوم، ومعهم “قسد”، ما كانوا ينكرونه على الدوام من تجارب الأمم، وهو أن الأقليات ورقة ناجحة على الدوام للتفاوض قبل أن يلقى بها وتباع عند أول إعادة حسابات للتوازنات الدقيقة في الداخل والإقليم، وبأنها أولى ضحايا أية تسوية ولو كانت قائمة على بئر نفط واحد، وبالمعنى النظري المباشر خلال الأيام الراهنة يمكن القول إن مشروع “حلف الأقليات” مُني بهزيمة ساحقة، ولكن في لعبة السياسية كل شيء قابل للتبدل في لحظات، فإسرائيل وأميركا وفرنسا وتركيا وإيران وروسيا لا تزال لديها رؤى خاصة تجاه المنطقة.
هل انتهت اللعبة تماماً؟
في الظاهر تبدو اللعبة انتهت تماماً، وهذه نتيجة منطقية لقراءة الأحداث المتعاقبة منذ سقوط النظام السابق وحتى سقوط “قسد”، إذ تبدو سوريا الآن مقبلة على استقرار مرتبط بالسلطة ذاتها، وبأن يبقى وضع المكونات الأخرى على ما هو عليه، ولكن عملياً يخشى أن يكون ثمة من يبحث خلف ما حصل عن بدائل أخرى، ليكون كل ما جرى حتى الآن ليس بأكثر من إعادة تموضع على الأرض لا نهاية صراع فعلي.
الآن هناك سؤال ملّح، بحسب ما يطرحه أستاذ علم الاجتماع منصور ريحان، وهو: هل جرى إسقاط “حلف الأقليات” أم تعطيله مرحلياً لإعادة تدويره والضغط عبره مستقبلاً من خلال دول أخرى بخاصة أن الأفكار عامة لا تموت ولو سقط حاملوها، فالثورة السورية مع مئات آلاف الضحايا استمرت، والأسباب التي دفعت الأقليات للاتحاد لا تزال قائمة، من الخوف والهلع وضياع الاستقرار والانتهاكات والمجازر والإقصاء والتجويع والازدراء الطائفي والتحقير الوظيفي وفقدان الثقة بالسلطة.
ويتابع “في الوقت ذاته تدرك الأقليات أن في العالم دولاً لن تتخلى عنها، وفي الوقت ذاته تدرك جيداً أنها بالنسبة إليهم أيضاً أوراق ضغط، وهي تقبل بذلك في مقابل حمايتهم، فهي تعي أن ملفات مشابهة لملفاتهم لا تخضع لقيم أخلاقية ثابتة وراسخة في موازين الحسابات، وبأن تفعيل الحديث عن حمايتهم من جديد والتحرك من أجل ذلك سيكون متاحاً في أي وقت، بخاصة في ظل مشروع استعداء الإقليم الذي تقوده إسرائيل، وخسارة الأكراد تلك لا تعني خروجهم من المشهد بل عودتهم لمكانهم الطبيعي إلى جانب الدروز، وهؤلاء جميعاً يمتلكون ملفات مجازر ارتكبت بحقهم ولم تطوى وإنما جرى حفظها خارجياً وتأجيلها مرحلياً”.
وبحسب الأكاديمي في العلوم السياسية عيسى درويش فإن “الخلاصة في ذلك أن الأبواب أُقفلت موقتاً وأن اللعبة لم تنته لكن قواعدها وطبيعتها وآليتها تغيرت، وبأن ما كان يدار في العلن سيدور الآن من تحت الطاولة، وخلال ذلك سيجري تقديم ضمانات الاستقرار كبديل عن عدالة ما فات مما ارتكب، وفي هذا إطالة عمر نموذج حكم سياسي، لكن ذلك الإطار سيعيد استحضار نموذج البعث، في هدوء وترقب لجولة مقبلة ومشهد غير واضح، ولكن في ختامه سيدفع الجميع كلفة باهظة”.
فلسفة التاريخ
يذكر ابن خلدون في مقدمته أن الدول لا تنهار على نفسها فجأة، وفي الغالب لا يكون الانهيار من داخل المركز – العاصمة، بل يبدأ من أطراف الدولة ويتنامى، ويرتبط ذلك بضياع قيم العدل وتفكك أواصر الجيش، وكذلك ذهب القاضي الفرنسي شارل مونتسكيو، أحد أبرز علماء عصر التنوير الأوروبي قبل نحو 300 عام، إلى خلاصة تفيد بأن الدول عادة تركز في الداخل وتفتقد ولاء الأطراف، فتفرض عليها الطاعة بالقوة لا بالشراكة (الأطراف في سوريا هي مناطق الأكراد والعلويين والدروز)، ويرى كذلك أن خطورة هذه النقطة تكمن في قوة كبرى للمركز على حساب هشاشة قصوى للأطراف.
وفيما تحدث مؤرخون وقضاة وفلاسفة خلال عصور عدة عن مفاهيم بناء الدولة في إطار تعزيز مكان على آخر ضمن أراضي السيادة، فإن جميعهم يتفقون في أن الدولة حينها تدخل عصر ذروة تماسكها ظاهرياً لكنها تكون دخلت مرحلة شيخوختها السياسية فعلياً حتى وإن كانت وليدة، فضبط الجغرافيا بحزم لا يعني ضمان احتواء المجتمع، بل قد يعني دفعه لثورات مضادة ومتكررة، وهنا يرى الفيلسوف الفرنسي جون جاك روسو صاحب نظرية “العقد الاجتماعي” التي قامت عليها الجمهوريات الفرنسية المتعاقبة، أن “الدول لا تسقط بفقدان السيطرة فقط وإنما بضياع معناها العام على أن تكون دولة من الأساس”.

