Published On 9/2/2026
|
آخر تحديث: 09:31 (توقيت مكة)
لطالما كان الفن والإعلام المرآة التي تعكس جوهر الشعوب، لكنهما في سورية، وعلى مدار عقود من الاستبداد، تحولا إلى أدوات لتزييف الواقع وتخدير الوعي. لقد تعمد نظام الأسد، بآلته الإعلامية والدرامية، ممارسة عملية تجريف قيمي ممنهجة، محاولا سلخ المواطن السوري عن بيئته الشامية العربية الإسلامية الأصيلة.
فقد عمد إلى دعم الفساد السياسي والأخلاقي وجعله مادة دسمة تُبث في كل بيت، حيث صوّر النظام المحافظة تخلفا، والتمسك بالقيم رجعية. وأغرقت الشاشات بنماذج تروج للتحلل الاجتماعي والتبعية، طالما أن ذلك يخدم بقاء السلطة بعيدا عن سهام النقد والإصلاح والتطور.
ومع وقوفنا اليوم على أعتاب فجر جديد من الحرية، لم يعد الفن ترفا بل ضرورة وجودية لإعادة بناء ما دمره الطغيان. ونحن هنا نستلهم من تجارب فنية ناجحة استطاعت إحياء روح الأمة، كما فعلت بعض الدراما التركية في أعمال مثل “أرطغرل” و”عبد الحميد” و”محمد الفاتح”، التي أعادت ربط الأجيال بتاريخها المشرق بأسلوب عالمي رصين.
وتؤكد الذاكرة السورية أننا نمتلك طاقات إبداعية قادرة على تقديم الفن الملتزم والقوي، فقد تركت أعمال مثل “التغريبة الفلسطينية” و”أحمد بن حنبل” ومسلسل “عمر” أثرا عميقا في الوجدان العربي والمسلم، كما كان برنامج الأطفال “كان يا مكان” و”افتح يا سمسم” و”المناهل” نماذج فريدة في غرس القيم وحب العلم بأسلوب تربوي مشوق بعيد عن الانحطاط.
يبرز دور شركات الإنتاج كشريك أساسي في هذه النهضة، إذ يجب عليها انتقاء الأعمال الهادفة بعيدا عن الجري وراء الربح المادي الصرف
إننا بحاجة اليوم إلى أعمال واقعية تسلط الضوء على صلب المجتمع، وتمارس النقد البناء الذي لا يكتفي بكشف الخطأ، بل يرشد إلى الحلول المناسبة. أعمال تنادي بمحاسبة المخطئين وإرساء قيم العدالة، وتجعل من الدراما وسيلة للإصلاح المجتمعي وتطوير المؤسسات، عبر تقديم معالجات درامية تحترم عقل المواطن وتعزز دوره في بناء الدولة.
وتبدأ حماية مجتمعنا أيضا من صيانة لساننا العربي، لذا نطالب بإنتاج أعمال تصون لغة الضاد، وتجعل منها ركيزة في الخطاب الدرامي. كما نشدد على ضرورة الارتقاء بلغة الإعلاميين والمراسلين، ومراقبة لغة الأعمال التاريخية والنشرات والتقارير الإخبارية بدقة، صونا لهذه الهوية التي هي وعاء فكرنا وتاريخنا.
ويبرز في هذا السياق دور شركات الإنتاج كشريك أساسي في هذه النهضة، إذ يجب عليها انتقاء الأعمال الهادفة بعيدا عن الجري وراء الربح المادي الصرف. فالبحث عن الربح دون إيصال الفكرة الصحيحة للمشاهد طامة كبرى تسهم في تزييف الوعي بدلا من بنائه، فالفن رسالة قبل أن يكون تجارة.
علاوة على ذلك، فإن وجود “رقابة قيمية ولغوية” واعية ليس قمعا للإبداع، بل هو صمام أمان يحمي الأجيال من الضياع الثقافي والتبعية العمياء، فالحرية المسؤولة هي التي تحافظ على كيان المجتمع وتحميه من السموم الدخيلة والتقليد الأجوف الذي يغزو بيوتنا عبر الدبلجة المنحرفة.
ومن الواجب أيضا أن يواكب الفن العصر عبر تعريف الأجيال بالتحولات والتقنيات الحديثة، مع تبيان إيجابياتها وسبل الاستفادة منها، وكشف مخاطرها وآثارها على الفرد. إن الفن الواعي هو الذي يسلح المواطن بالمعرفة المعاصرة دون أن ينسلخ عن ثوابته الأصيلة أو يقع في فخ التقليد الأجوف.
إن تخليد ملاحم الثورة السورية المباركة وفاء لتضحيات أبطالها وشهدائها هو واجب أخلاقي وتاريخي يفرض تقديم أعمال تليق بعظمة ما بذله الشعب السوري
والمهمة الكبرى اليوم هي صياغة خطاب فني يعزز الروح الوطنية الواحدة، وينبذ سموم الطائفية والعنصرية، ويحول الفن إلى رافعة للتنمية الاقتصادية. فالمواطن شريك في البناء، وحين يقدم الفن نماذج ملهمة في الأمانة والإتقان، فإنه يضع اللبنات الأولى لمجتمع متماسك وقوي.
إن تخليد ملاحم الثورة السورية المباركة وفاء لتضحيات أبطالها وشهدائها هو واجب أخلاقي وتاريخي يفرض تقديم أعمال تليق بعظمة ما بذله الشعب السوري. وحين يقدم الفن نماذج ملهمة في البطولة والأمانة، فإنه يضع اللبنات الأولى لمجتمع متماسك وقوي، يواجه تحديات العصر بوعي ويحافظ على ثوابته بكرامة واعتزاز.
إن المسؤولية اليوم تقع على عاتق الجميع من صناع قرار ومبدعين في بناء مجتمع صالح يبدأ من صلاح الفرد وتزكيته، امتثالا للمبدأ النبوي الشريف: “كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته”. فليكن إعلامنا وفننا حارسا للقيم، وبانيا للإنسان، ومنارة لمستقبل سورية التي ننشدها. ويجب أن ندرك يقينا أن وجود عمل تلفزيوني واحد ناجح وهادف يعادل مئات الساعات من التعليم والتربية والمحاضرات، فالإعلام اليوم لا يقل دوره عن أي دور تربوي في بناء الأمم.
الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.

