تحقيقات المنظمة
المزارعون في قلب عملية إنعاش زراعة الحمّص
يعدّ الحمّص مكوّنًا رئيسيًا من مكوّنات المطبخ اللبناني منذ أجيال عديدة. وهو جزء لا يتجزّأ من الهوية الثقافية للبلاد، إذ يبلغ متوسط استهلاك الفرد الواحد من الحمّص 3.25 كيلوغرامًا سنويًا. ©FAO/Ralph Azar
09/02/2026
تنحني السيدة ماري تيريز زيدان في حقلها في منطقة البقاع اللبنانية وتغرف حفنة من بذور الحمص من كيس مفتوح. تتركها تنساب ببطء بين أصابعها، متأملة شكلها ووزنها قبل أن تبذرها في الأرض
وتقول: “عندما أمسك ببذور الحمص هذه، فأنا لا أستعدّ لموسم الزرع المقبل فحسب، بل أتأمل خيرًا بالمواسم المقبلة”.
وقد كان الحمّص على مرّ الأجيال في قلب المطبخ اللبناني. فمنه يُحضّر الحمص بالطحينة ذو القوام الكريمي، ومنه تُصنع كرات الفلافل المقلية المقرمشة، وهو المكوّن الرئيسي لسلطة الحمص الدافئة والمحبّبة التي تسمّى بليلة. والحمّص مقترن بالهوية الثقافية للبلاد، لدرجة أن متوسط الاستهلاك المحلي يبلغ نحو 3.25 كيلوغرامًا للفرد الواحد سنويًا.
وقد واجه الإنتاج المحلي صعوبة في تلبية الطلب الوطني رغم الظروف الملائمة لزراعة الحمص وأصبح لبنان يستورد حاليًا أكثر من 70 في المائة من الحمص الذي يستهلكه.
وثمة عوامل ساهمت منذ زمن طويل في تثبيط الإنتاج، كالقدرة المحدودة للحصول على البذور الجيدة، وأساليب الزراعة البائدة، وعدم انتظام الإنتاج والجودة، وهو ما دفع بالعديد من المزارعين إلى الاستغناء عن محصولٍ متجذّر بعمق في أرضهم وثقافتهم الغذائية.
من التقاليد إلى الممارسات المتجدّدة
السيدة ماري تيريز هي واحدة من مزارعين كُثر في منطقة البقاع يشاركون في الجهود المتجددة التي يبذلها لبنان لإحياء قطاع الحمص، في إطار مبادرة “بلد واحد، منتج واحد ذو أولوية” التي تقودها منظمة الأغذية والزراعة وتُنفّذ بالشراكة مع وزارة الزراعة اللبنانية.
ومع حصول المزارعين على بذور محسّنة من أصناف أفضل وتدريب عملي وعروض ميدانية في الحقول، فإنهم يكتشفون من جديد قدرة أراضيهم على دعم زراعة الحمص بشكل مرن ومربح. ويصبح بإمكان المزارعين الاستغناء عن مخزونات بذور المحمص المعاد تدويرها والتوجه نحو أصناف معتمدة عالية الأداء تمت تربيتها لاتسامها بإنتاجية أعلى، وقدرة أفضل على تحمّل الأمراض، وخصائص سوقية أكثر جودة.
كما ساهمت الدورات التدريبية والعروض الميدانية في تعريف المزارعين على الممارسات الزراعية المحسّنة، بما في ذلك المواعيد المثلى لبذر الحبوب في الأرض، ومعدلات إعادة البذر المناسبة، والمسافات الصحيحة بين الصفوف، والمستويات المثلى لاستخدام الأسمدة. ويتعلّم المزارعون كذلك تقنيات تحضير الأراضي والإدارة المتكاملة للآفات والأمراض، مع التركيز على الكشف المبكر والتدابير الوقائية، مثل استخدام الفيرمونات ومصائد الحشرات، بدل استخدام المواد مبيدات الآفات الكيميائية عند حدوث الآفات.
وليس الحمص مصدرًا غنيًا بالبروتينات النباتية فحسب، بل هو “محسّن للتربة”. وهو يزرع بشكل أساسي في المناطق البعلية ويتكافل مع البكتيريا المثبّتة للنيتروجين، مما يحسن خصوبة التربة ويقلل الحاجة إلى الأسمدة الكيميائية.
من خلال الحصول على أصناف محسنة من البذور وعلى تدريب عملي، تعيد السيدة ماري تيريز وزملاؤها المزارعون من جديد اكتشاف قدرة أراضيهم على دعم زراعة الحمص بشكل مرن ومربح. ©FAO/Ralph Azar
وتكمن في قلب هذا الانتعاش الزراعي نقلة نوعية تتمثل في إدخال أصناف الحمص الشتوية التي طوّرتها مصلحة الأبحاث العلمية الزراعية. وتتميّز هذه الأصناف بقدرتها العالية على مقاومة البرد والجفاف، مما يسمح للمزارعين بزراعتها مبكرًا في نوفمبر/تشرين الثاني وديسمبر/كانون الأول بدلًا من شهر مارس/آذار. ويُتيح هذا الاستفادة على النحو الأمثل من مياه الأمطار خلال موسم النمو ويُقلّل من تعرّض الحمص للإجهاد بسبب الجفاف، خاصة وأنّ إنتاج الحمص هو إنتاج بعلي بشكل أساسي. ويؤدي ذلك إلى زيادة الغلات.
وخلال دورة تدريبية حديثة عقدتها منظمة الأغذية والزراعة بالتعاون مع وزارة الزراعة ومصلحة الأبحاث العلمية الزراعية في لبنان، اجتمع أكثر من 500 مزارع لتعلّم تقنيات عملية تهدف إلى تحسين الإنتاجية.
وتوضح السيدة ماري تيريز قائلة: “لقد تعلّمنا كيفية تحضير الأراضي ومعالجة البذور للوقاية من الأمراض والري في المراحل المناسبة. ووجدنا أنه حتى في ظلّ تناقص الأمطار، لا يزال من الممكن الحصول على محصول وفير”.
تشارك المعرفة وتشارك الثقة
هذا التحول واضحٌ كذلك في شمال لبنان حيث يمارس السيد بلال عبد الكريم محمد الزراعة منذ أربعة عقود. فبالنسبة إلى السيد بلال، لا تُعنى المبادرة بزيادة الإنتاج فحسب، بل تتناول أيضًا مواضيع كالاستدامة والفعالية من حيث الكلفة.
ويقول السيد بلال: “لقد تعلمنا ممارسات الزراعة العضوية الأقل كلفةً والأكثر فائدةً لسلامة التربة”. وقد ارتفع إنتاجه بشكلٍ ملحوظ منذ اعتماده الزراعة الشتوية ومعالجة البذور. ويضيف قائلًا: “بات باستطاعتي الآن إنتاج 300 كيلوغرام من الدونم الواحد، وهو إنتاج ممتاز. كما أن الجودة والطعم والحجم والملمس أفضل بكثير”.
وقد وضع لبنان، منذ انضمامه إلى مبادرة “بلد واحد، منتج واحد ذو أولوية” في عام 2022، أسسًا متينة لتعزيز سلسلة قيمة الحمص، مع التركيز على التدريب، وعرض أساليب الزراعة المحسّنة، وممارسات ما بعد الحصاد. وقد جرى حتى تاريخه تدريب 520 مزارعًا لتحسين إدارة المحاصيل، إضافة إلى تدريب 29 موظفًا إضافيًا من وزارة الزراعة على تقديم عروض ميدانية لغرض تعميم الممارسات الزراعية الأفضل على نطاق أوسع.
ويتخطى ذلك العمل في الحقول، إذ يسعى لبنان إلى رفع مستوى الوعي بإنتاج الحمص من خلال إقامة فعاليات عامة وحلقات نقاش حول سلسلة القيمة. وتربط هذه المبادرات مزارعين مثل السيدة ماري تيريز والسيد بلال بالمستهلكين، وصانعي السياسات، والأسواق، والجهات الفاعلة في النظم الزراعية والغذائية، مما يعزز الرابط بين الإنتاج المحلي والأمن الغذائي الوطني والتغذية.
كما يشهد القطاع ابتكارات متزايدة. وثمة منتجات جديدة مصنوعة من الحمص تُوسّع آفاق السوق وتزيد من قيمة الإنتاج المحلي، كالدقيق الخالي من الغلوتين، والوجبات الخفيفة المحمّصة، وألواح البروتين، والمعكرونة، والرقائق، والمشروبات.
تدعم منظمة الأغذية والزراعة، من خلال مبادرة “بلد واحد، منتج واحد ذو أولوية”، أهداف الحكومة اللبنانية لزيادة إنتاج الحمص المحلي ليلبي 40 في المائة من الطلب الوطني بحلول عام 2030. © FAO/Ralph Azar
وتضع خارطة الطريق أهدافًا طموحة للمستقبل. إذ تسعى الحكومة اللبنانية إلى زيادة إنتاج الحمص المحلي بحيث يلبي 40 في المائة من الطلب الوطني بحلول عام 2030، مع ضمان استيفاء الإنتاج لأعلى معايير الجودة وتعزيز فرص العمل في قطاع الزراعة.
وتساهم منظمة الأغذية والزراعة، في إطار مبادرة “بلد واحد، منتج واحد ذو أولوية”، في هذه الجهود من خلال دعمها لبناء قدرات المزارعين، وتطوير موارد تقنية متاحة بسهولة، وتنظيم حلقات عمل استثمارية، والترويج لقطاع الحمص على المستوى الوطني.
وبالنسبة إلى السيدة ماري تيريز وزملائها المزارعين، تتجلى هذه الطموحات في عملهم اليومي في الحقول. وبفضل الابتكار المستمر والتعلم الذي يقوده المزارعون، يمهّد لبنان الطريق لقطاع حمص أكثر استدامة وتنافسية، يعزز سبل العيش الريفية ويحافظ على التراث الغذائي الذي لطالما كان جزءًا لا يتجزّأ من الحياة اللبنانية.

