Published On 10/2/2026
|
آخر تحديث: 19:20 (توقيت مكة)
ربما يشعر من يضطرون للجلوس في العمل طوال اليوم بالإحباط، وهم يتابعون الأبحاث التي تشير إلى أن “الجلوس لفترات طويلة يرتبط بالعديد من المشاكل، بدءا من الصحة النفسية وصولا إلى قصر العمر الصحي”، والتي كان آخرها دراسة نُشرت في مجلة “الكلية الأمريكية لأمراض القلب” عام 2025، وأظهرت أن قلة الحركة مرتبطة بزيادة مخاطر الإصابة بجميع أمراض القلب، والوفاة بها، بنسبة تصل إلى 60% “عندما تتجاوز مدة قلة الحركة 10 ساعات يوميا”.
وعرّف الباحثون قلة الحركة بأنها “السلوك الخامل – كالجلوس أو الاستلقاء – أثناء اليقظة، باستثناء ساعات النوم ليلا”، وأكدوا أن “خطر الخمول يبقى قائما حتى لدى الأشخاص الذين يجلسون كثيرا ويعتقدون أن بإمكانهم تعويض ذلك بالخروج في نهاية اليوم وممارسة بعض التمارين الرياضية”.
لكننا الآن بصدد دراسة جديدة نُشرت أواخر العام الماضي، وخلصت إلى أن صحتنا ليست في خطر مؤكد إذا كنا نعمل في وظيفة مكتبية تتطلب الجلوس لفترات طويلة، ما دمنا نحوّل جلوسنا إلى “جلوس إيجابي”.
لم يقل الباحثون إن الجلوس طوال اليوم مفيد، “لكن نتائجهم قد تساعد القلقين من التأثيرات السلبية للجلوس فترات طويلة في مكاتبهم على الاطمئنان بشأن صحة أدمغتهم مستقبلا”، وفقا لمجلة “سيلف”.
أنواع الجلوس ليست متساوية
سلّطت الدراسة المنشورة في مجلة ألزهايمر الضوء على أنواع مختلفة من الجلوس – النشط والسلبي – مشيرة إلى أن أحدها تحديدا “قد يُساعد في تقليل خطر التدهور المعرفي ومرض ألزهايمر”.
فبعد أن حلّل الباحثون بيانات 85 دراسة حول صحة وعادات جلوس أكثر من مليار ونصف المليار شخص، وتعمّقوا في دراسة ما يفعله المشاركون أثناء جلوسهم، صنّفوا أنماط الجلوس إلى:
جلوس نشط: ويشمل القيام بأنشطة ذهنية كحل الألغاز، ولعب الشطرنج، والقراءة، واستخدام الكمبيوتر.
جلوس سلبي: ويشمل ممارسة أنشطة خاملة، مثل مشاهدة التلفاز.
واكتشف الباحثون في النهاية أن “التأثير المعرفي والإدراكي لأدمغتنا” يعتمد على نوع الجلوس؛ إذ يتمتع الأشخاص الذين يمارسون “الجلوس النشط بكثرة” بصحة ووظائف معرفية أفضل، مثل الوظائف التنفيذية وأعمال الذاكرة المختلفة، مما يشير إلى أن “الجلوس النشط قد يدعم عمرا صحيا معرفيا أطول”.
أما الأشخاص الذين يمارسون “الجلوس السلبي بكثرة”، فهم أكثر عرضة للإصابة بالتدهور المعرفي ومرض ألزهايمر. وقال دافيد كابون، مدير قسم علم النفس العصبي في مركز تافتس الطبي، لمجلة “سيلف”، إن الرسالة الأساسية للدراسة هي أن “الجلوس ليس كله متشابها”.

كيف يمكن للجلوس النشط أن يفيد دماغك؟
“دماغك يزدهر بالنشاط والتواصل، وتكون خلاياه أكثر صحة، عندما تعمل بكامل طاقتها”، كما تقول الدكتورة كينغا سيجيتي، أستاذة علم الأعصاب في جامعة بافالو بولاية نيويورك؛ موضحة أن: الفرق الرئيسي بين الجلوس النشط والجلوس السلبي، يكمن في “مقدار نشاط الدماغ” في كلتا الحالتين.
فعندما تمارس الجلوس النشط، فأنت تحفز مهارات مختلفة في دماغك، مثل: الوظائف الحركية والتنفيذية والذاكرة المكانية؛ وكلها “تدفعك لإنجاز مهمة ما، والقيام بها فعليا”؛ وبذلك تُنشّط دماغك، وتجعل خلاياه “أكثر نشاطا”.
وهو ما يؤكده الدكتور كليفورد سيغيل، طبيب الأعصاب في كاليفورنيا، قائلا: هناك العديد من الأنشطة التي يمكن القيام بها أثناء الجلوس وتكون “مفيدة لصحة الدماغ”، باستثناء تصفح مواقع التواصل الاجتماعي.
فالعبرة – بحسب سيغيل – بما تفعله أثناء جلوسك، فإذا استمريت في أداء المهمة نفسها مرارا وتكرارا دون تفكير، “فمن غير المرجح أن يكون ذلك مفيدا لصحتك الإدراكية”؛ مقارنة بالقيام بتنشيط ذهنك أثناء جلوسك، من خلال “التفكير بنشاط، وحل المشكلات”.

فرق شاسع بين الجلوس في العمل والجلوس في المنزل
في منتصف عام 2019، أشارت دراسة نُشرت في مجلة “جمعية القلب الأمريكية” إلى أن “الجلوس في العمل قد لا يكون ضارا بالقلب وطول العمر بقدر الجلوس ومشاهدة التلفاز في أوقات الفراغ”.
ووجد الباحثون أن الجلوس في العمل “غالبا أو دائما” لا يرتبط بزيادة خطر الوفاة أو أمراض القلب، لكن أولئك الذين يشاهدون التلفاز أربع ساعات أو أكثر يوميا كانوا أكثر عرضة للإصابة بمشكلات في القلب والوفاة بنسبة 50%، مقارنة بمن يشاهدونه ساعتين أو أقل يوميا.
وقالت جانيت غارسيا، أستاذة علوم الرياضة والتمارين المساعدة بجامعة سنترال فلوريدا، والمشرفة الرئيسية على الدراسة، لمجلة “تايم” الأميركية، إن الحديث عن أن الجلوس هو “التدخين الجديد” لا يعني أن جميع أنواع الجلوس متساوية، مشيرة إلى أن نتائج الدراسة أظهرت أن “الجلوس في أوقات الفراغ قد يكون أكثر خطورة من الجلوس في العمل”.
وأوضحت غارسيا أن طريقة جلوس الناس أمام التلفاز تختلف، على الأرجح، عن طريقة جلوسهم على مكاتبهم، قائلة: “فعندما تشاهد برنامجا أو فيلما، لا تنهض من مكانك؛ أما في المكتب، فعادة ما تضطر للنهوض والتحدث مع شخص ما، أو الخروج لتناول مشروب، أو الذهاب إلى المرحاض، وهذا التقليل من فترات الجلوس هو ما يرتبط في الواقع بانخفاض خطر الإصابة بأمراض القلب والأوعية الدموية”.
وأكدت غارسيا أن هذه النتائج يجب أن تطمئن العاملين في المكاتب، طالما أنهم يأخذون فترات راحة للتجول في المكان، ويمارسون نشاطا بدنيا كافيا خارج ساعات العمل الرسمية.

يبقى النشاط البدني هو الأفضل دائما لدماغك
وفقا لعلماء الأعصاب: إذا كان لديك خيار بين القيام بـ نشاط بدني أو الجلوس النشط، فمن الأفضل “النهوض والحركة”. وتقول الدكتورة سيجيتي: من الواضح جدا أن الأشخاص الذين يمارسون الرياضة البدنية والذهنية، ويتبعون نظاما محددا، ويحصلون على قسط كاف من النوم، ويتواصلون اجتماعيا، “يتمتعون بصحة إدراكية أفضل بكثير على المدى الطويل”.
فقد أظهرت دراسة نشرتها “الأكاديمية الأمريكية لعلم الأعصاب” في أوائل عام 2025، وجود صلة بين المواظبة على ممارسة النشاط البدني المعتدل أو الشديد، و”انخفاض خطر الإصابة بالخرف”.
لذا، يقول الدكتور دافيد كابون: من المهم النهوض والحركة خلال يوم العمل كلما أمكن، فالنشاط البدني والقيام ببعض الأنشطة خلال فترات الجلوس، “أفضل لصحة الدماغ”.

