يمكن تسمية هذه الفترة باسم واحد: اللحظة التي أدركت فيها الموسيقى الفيتنامية إمكاناتها الكامنة للتطور. عندما لم تعد الحفلات الموسيقية حلماً باهظ الثمن، بل أصبحت المعيار الجديد للإبداع.
لو طُلب من المرء اختيار صورة لوصف المشهد الموسيقي خلال العام الماضي، لكانت على الأرجح الأضواء المبهرة للمسارح الضخمة، التي باتت بمثابة الهدف الأسمى للعاملين في صناعة الموسيقى. مع ذلك، لا تزال هناك خيارات متنوعة: من حفلات الملاعب التي تستقطب عشرات الآلاف، إلى الجولات الموسيقية القصيرة، مرورًا بالفنانين الشباب الجريئين الذين يخطون خطوات جديدة، وصولًا إلى الفنانين المخضرمين الذين بلغوا ذروة عطائهم. وسط هذه المسارح، يبرز جمهور جديد أكثر نضجًا وتطلبًا، مستعد لدفع المال مقابل تجارب مميزة.
ما يُميّز حفلات هذا العام ليس عددها الهائل، بل طريقة تقديمها. فقد رغب العديد من الفنانين في الغناء وسرد قصصهم. أبرزت بعض الحفلات شخصية الفنان الفريدة، بينما وصلت حفلات أخرى إلى مستوى جودة يُضاهي المعايير الإقليمية. حتى أن بعض الليالي استحضرت ذكريات نضوج صناعات الموسيقى الكبرى، حيث كانت هناك رغبة في التفكير على نطاق واسع، والاستثمار بجرأة، والعمل كقطاع اقتصادي حقيقي.
لعلّ التغيير الأكبر يأتي من الجمهور. ففي عصر البثّ الرقميّ المُتشبّع، يحتاج الناس إلى العودة إلى لحظات حقيقية، لا يمكن تفويتها أو تكرارها. تُصبح الحفلات الموسيقية مكانًا يبتعدون فيه مؤقتًا عن الشاشة، ما يسمح بتضخيم المشاعر وجعل الموسيقى ملموسة.
إلى جانب ذلك، ينضج جيل جديد من الفنانين. فبعد ما يقارب عقدًا من الزمن في هذا المجال، يمتلك الكثيرون منهم ما يكفي من المواد والخبرة لبناء منصتهم الخاصة. ويرغب هذا الجيل الشاب في تجاوز الأغاني الرائجة على الإنترنت، والتواصل مع الجمهور من خلال الموسيقى الحية، حيث لا يمكن إخفاء العيوب أو التلاعب بها أو التستر عليها بعناصر سطحية أخرى.
ومع ذلك، لا تزال الجودة غير متسقة: فبعض الحفلات الموسيقية “صاخبة” أكثر من كونها جوهرية، وبعض العروض تركز كثيراً على الجوانب البصرية مع إهمال روح الموسيقى، وبعض الروايات الفنية تفتقر إلى العمق اللازم لجذب انتباه الجمهور.
لا تقتصر الحفلات الموسيقية على الفنانين أو المعجبين فحسب، بل إن الموسيقى، في المشهد الثقافي، هي المجال الأكثر تأثيراً اقتصادياً، إذ تُدرّ دخلاً، وتجذب السياحة ، وتستقطب اهتمام وسائل الإعلام، وتساهم في ترسيخ صورة محلية مميزة. وهي خير دليل على التوجه نحو تحويل الثقافة إلى مورد للتنمية المستدامة.
من خلال ما حدث خلال العام الماضي، تبرز بعض الاتجاهات بوضوح:
أولاً، ستركز الحفلات الموسيقية على العمق بدلاً من الضجيج. أصبح الجمهور الآن يتمتع بذوق رفيع يسمح له باختيار العروض. إنهم يبحثون عن قصص وتجارب وجودة حقيقية.
ثانيًا، ستشهد الجولات السياحية المحلية نموًا ملحوظًا، ليس فقط في هانوي ومدينة هو تشي منه ودا نانغ، بل ستنتشر تدريجيًا إلى محافظات ومدن أخرى. ويمكن أن تصبح نينه بينه، وكوانغ نينه، وكان ثو، وخانه هوا… وجهاتٍ مثالية لإقامة الحفلات الموسيقية على مدار العام.

ثالثًا، ستتداخل الأشكال الإبداعية بشكل أقوى. فمن الأزياء والفنون الجميلة وتقنيات الأداء إلى المسرح البصري – وهو نموذج تم توضيحه بوضوح في مهرجان هو دو الدولي للموسيقى ومهرجان تيت سيتي الأخير – سيكشف ذلك عن هويات فريدة لكل مدينة، مما يحول المهرجان إلى تجربة ثقافية متكاملة.
مع ذلك، لكي تصبح الحفلات الموسيقية حدثًا بارزًا ومستدامًا، لا يزال من الضروري تطوير البنية التحتية للعروض. يجب بناء أو تجديد الملاعب والساحات والمسارح وغيرها وفقًا لمعايير الأداء الحديثة. لا يمكننا الاستمرار في إقامة الحفلات الموسيقية بمجرد إيجاد قطعة أرض خالية ثم الارتجال لإقامة مسرح في كل مرة.
يتطلب السوق المستدام أيضاً تنويع المنتجات. حالياً، لا تزال معظم الحفلات الموسيقية تركز على شريحة السوق الجماهيري. ولن تكتمل الصورة إلا عندما نبيع أنواعاً موسيقية أخرى، من موسيقى الإندي والجاز والموسيقى العالمية إلى السيمفونيات الحديثة.
لكن رغم ما تبقى من عمل، فقد أظهر العام الماضي أن الشعب الفيتنامي يعشق الموسيقى بطريقة مميزة للغاية. فهم لا يكتفون بالاستماع، بل يتفاعلون معها بالمشي والوقوف والهتاف والبكاء والضحك. لذا، فإن الحفلات الموسيقية ليست مجرد منتجات ترفيهية، بل هي أماكن يلتقي فيها الفنانون والجمهور في تواصل حقيقي.
يمكن تسمية هذه الفترة باسم واحد: اللحظة التي أدركت فيها الموسيقى الفيتنامية إمكاناتها الكامنة للتطور. عندما لم تعد الحفلات الموسيقية حلماً باهظ الثمن، بل أصبحت المعيار الجديد للإبداع.
وربما تكون هذه مجرد البداية.
“درام رايس” – أحد أكثر العروض شعبية في حفل “الأخ الذي يتغلب على ألف عقبة”.
الموسيقي هوي توان
المصدر: https://vietnamnet.vn/concert-len-ngoi-2490382.html

