حلَّق طائر النورس في أروقة مسرح الدراما بمركز الشيخ جابر الأحمد الثقافي، ناثراً عبير ذكرياته عبر الشاشة الكبيرة في القاعة، فتارة يستعيد ذكريات برنامج «افتح يا سمسم» بلحنه المقرَّب إلى النفوس، وأخرى يسترجع ملامح من برنامج «سلامتك». النورس الطائر، الذي اتخذته مؤسسة الإنتاج البرامجي المشترك لمجلس التعاون لدول الخليج العربية شعاراً لها، ارتبط بالذاكرة لدى المشاهدين، فهو رمز للتحليق حول شاشة التلفزيون، ورمز للترابط الأسري والاجتماع العائلي للمشاهدة والمتابعة. إنه أيقونة من الزمن الجميل يعيش في الوجدان، وإن تقادمت الأزمان.
أقامت مؤسسة الإنتاج البرامجي المشترك لمجلس التعاون لدول الخليج العربية، أمس الأول، حفلاً بمناسبة مرور 50 عاماً على تأسيسها بعنوان «خمسون عاماً من حكايات الخليج»، تحت رعاية سمو رئيس مجلس الوزراء الشيخ أحمد العبدالله.
الجيل الحالي
انطلق الحفل بكلمة للفنان جاسم النبهان (مقدم الحفل)، مستعرضاً تاريخ وإرث هذه المؤسسة العريقة، التي قدَّمت الكثير من البرامج والمسلسلات والفلاشات التوعوية، والأغنيات الوطنية.
واستهل مشوار الاحتفالية باستعراض أهم الإنتاجات التي قدَّمتها المؤسسة عام 2026، منها: الفيلم الوثائقي «المصير»، وفيلم «حكايات»، و«كلمة راس». وكانت الرسالة الأهم التي ظهرت بوضوح خلال فقرات الحفل، هي التركيز على الجيل الحالي من الشباب، الذين يجب أن يكونوا مواكبين لكل التطورات التي تدور حولهم، وليُمسكوا بزمام المبادرة، لاستمرار المشوار، وتدعيم المسيرة بكل ما هو جديد.
أجاد المشرفون على الاحتفالية باستعراض صور النجوم الذين شاركوا في الأعمال التي أنتجتها المؤسسة عبر الشاشة، فكان لهذه الصور وقع جميل على الحضور. واستطاع المشرفون على الحفل تقديم لمحات عن البرامج والمسلسلات التي أنتجتها المؤسسة بطريقةٍ مختزلة بعيداً عن المط والتطويل. كما شاركت الإعلامية أمل عبدالله في الحفل، حيث كان صوتها حاضراً في إحدى فقرات الاحتفالية.
فيلم يستعرض المسيرة
عُرض فيلم استعرض مسيرة المؤسسة، وتاريخها، وأبرز إنتاجاتها الإعلامية والبرامجية التي قدَّمتها على مدى نصف قرن، ودورها في تعزيز العمل الإعلامي المشترك بين دول مجلس التعاون لدول الخليج.
وتضمَّن الحفل عرضاً فنياً مميزاً، بمصاحبة فرقة موسيقية بقيادة المايسترو أحمد العود، أخذت الحضور بألحانها الدافئة في رحلة حنين إلى الماضي، حيث تماهت الصور والمشاهد مع الموسيقى، لتستحضر ذاكرة الطفولة الخليجية، بكل ما تحمله من براءة وجمال.
الأطفال والناشئة كان لهم دور كبير في العرض على خشبة المسرح، حيث قدَّموا لوحات فنية راقصة أعادت إلى الأذهان أعمالاً خالدة من إنتاج مؤسسة الإنتاج البرامجي المشترك.
صرح إعلامي عريق
وبهذه المناسبة، قال ممثل سمو رئيس مجلس الوزراء، وزير الدولة لشؤون الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات وزير الإعلام والثقافة بالوكالة عمر العمر، في كلمةٍ خلال الحفل، الذي أُقيم على مسرح الدراما بمركز الشيخ جابر الأحمد الثقافي، إن المؤسسة تُعد صرحاً إعلامياً عريقاً، ونموذجاً رائداً للتعاون الإعلامي بين دول مجلس التعاون، أسهم في ترسيخ الحضور الخليجي منبراً للوعي، ورافداً للثقافة، ومرآة للهوية، وجسراً للتواصل بين شعوب المنطقة.
العمر: «الإنتاج البرامجي المشترك» منارة إعلامية خليجية وجسر ثقافي يجمع شعوبنا
تعزيز الانتماء
وعن مرور 50 عاماً على إنشاء مؤسسة الإنتاج البرامجي، ذكر أن خمسين عاماً ليست مجرَّد محطة زمنية، بل مسيرة ممتدة من العمل المؤسسي المشترك، نجحت خلالها المؤسسة عبر إنتاجاتها المتنوعة في مخاطبة الأجيال، وغرس القيم، وتعزيز الانتماء الخليجي والعربي، حتى أصبحت أعمالها جزءاً أصيلاً من الذاكرة الجماعية للأسرة الخليجية، وعنواناً لجودة المحتوى الهادف والجامع بين الأصالة والتجديد.
صياغة الوعي
وأضاف: «لطالما أكدت الكويت إيمانها بأن الإعلام والثقافة ركيزتان أساسيتان في بناء الإنسان وصياغة الوعي، وهو ما ينعكس في دعمها المتواصل للمبادرات الإعلامية والثقافية الخليجية المشتركة، إيماناً منها بأن العمل الخليجي الجماعي هو الضامن لتعزيز حضورنا الإقليمي والدولي».
المحتوى الخليجي المشترك
وأكد دعم نهج التطوير والتحديث الذي تنتهجه الإدارة الحالية للمؤسسة، وما تقدَّمت به من مشروع إلى الأمانة العامة لمجلس التعاون، متضمناً حزمة من التوصيات التي تعزز الحوكمة، وترسخ الأطر التنظيمية، وتضمن استدامة الأداء بكفاءة واحترافية.
وقال الوزير العمر إن المرحلة المقبلة تتطلب رؤية أكثر عمقاً وشمولاً تُواكب التحولات المتسارعة في صناعة الإعلام، وتستثمر التقنيات الحديثة، وتعزز المحتوى الخليجي المشترك، ليكون أكثر قدرة على التأثير والمنافسة والحضور في الفضاءين الإقليمي والدولي.
خطوة استراتيجية
وأشار إلى أن «المسؤولية اليوم لا تقتصر على المحافظة على الإرث، بل تمتد إلى تطويره، وتوسيع أثره، بما يعزز مكانة الإعلام الخليجي كقوةٍ ناعمة تعبِّر عن قيمنا، وتحفظ هويتنا، وترسخ وحدتنا».
واعتبر أن توحيد الرؤية في الإنتاج الإعلامي الخليجي المشترك «خطوة استراتيجية نحو صياغة خطاب إعلامي متزن ومسؤول يعكس تطلعات قادتنا، ويستجيب لوعي أجيالنا، ويصون أصالتنا في عالمٍ تتسارع به المتغيِّرات، وتتعدَّد المنصات، وتتعاظم التحديات».
رسالة صادقة
وتابع: «نتطلع إلى مؤسسة أكثر حضوراً وتأثيراً تستند إلى إرثها العريق، وتنطلق بثقة نحو المستقبل شريكاً فاعلاً في بناء وعي خليجي جامع، وإعلام يعكس صورتنا الحضارية المشرقة».
وثمَّن جهود جميع مَنْ أسهموا في مسيرة هذه المؤسسة منذ تأسيسها من المؤسسين الأوائل إلى الكوادر التي واصلت العطاء بإخلاص وتفانٍ، فصنعوا من هذا الصرح إرثاً إعلامياً راسخاً في وجدان الأسرة الخليجية، متابعاً: «لقد كان عطاؤهم رسالة صادقة تجاوزت حدود الزمن، وستبقى بصماتهم محفورة في ذاكرة العمل الخليجي المشترك».
منارة إعلامية خليجية
وعبَّر الوزير العمر عن أمله في أن «تبقى مؤسسة الإنتاج البرامجي المشترك منارة إعلامية خليجية، وجسراً ثقافياً يجمع شعوبنا، ويجسِّد روح التعاون التي قامت عليها مسيرتنا الخليجية المشتركة».
رعاية كريمة
بدوره، رفع الأمين العام لمجلس التعاون لدول الخليج العربية جاسم البديوي، في كلمته، أسمى آيات الشكر والتقدير إلى سمو أمير البلاد الشيخ مشعل الأحمد على ما تُوليه الكويت من رعايةٍ كريمة واهتمامٍ متواصل باستضافة ودعم مقار مجلس التعاون ومؤسساته، في تجسيدٍ صادق لنهج راسخ يعكس عُمق الإيمان بالحرص على تعزيز العمل الخليجي المشترك.
البديوي: المؤسسة ليست مجرد جهة إنتاج بل مدرسة خليجية رائدة في توظيف الإعلام
مؤسسة رائدة
وأعرب البديوي عن سعادته بالاحتفاء بمرور خمسين عاماً على تأسيس مؤسسة خليجية رائدة شكَّلت منذ انطلاقتها منصة إعلامية متميزة، وأسهمت- عبر مسيرتها الحافلة- في ترسيخ الهوية الخليجية، وتعزيز القيم الخليجية المشتركة، و«نقل الصورة الحقيقية لمجتمعاتنا الخليجية إلى الأجيال المتعاقبة، من خلال برامج نوعية جمعت بين الأصالة والمُعاصرة، ولامست وجدان المواطن الخليجي في مختلف المراحل».
وأكد أن «مؤسسة الإنتاج البرامجي المشترك لم تكن مجرَّد جهة إنتاج إعلامي، بل مدرسة خليجية رائدة في توظيف الإعلام كأداة فاعلة للتثقيف، وبناء الوعي، وتعزيز الانتماء الخليجي، وترسيخ مفاهيم الوحدة والتكامل بين شعوب دولنا، وهو ما يعكس الأهمية الكبيرة للدور الذي يؤديه الإعلام في دعم مسيرة التنمية، ومواكبة التحولات المتسارعة بروحٍ مسؤولة ومحتوى هادف».
المؤسسون الأوائل
واختتم البديوي حديثه بتقديم الشكر وعظيم الامتنان إلى المؤسسين الأوائل لهذه المؤسسة العريقة، وإلى جميع مَنْ تعاقبوا على إدارتها والعمل فيها إلى إدارتها الحالية ممن أسهموا بإخلاصهم وجهودهم في بناء وتعزيز هذا الصرح الإعلامي الخليجي، والمحافظة على رسالته، وتطوير أدواته، ليظل نموذجاً يحُتذى في العمل الإعلامي المشترك.
حفظ الهوية
من جانبه، قال المدير العام لمؤسسة الإنتاج البرامجي المشترك لمجلس التعاون لدول الخليج العربية الشيخ مبارك فهد الجابر الصباح، في كلمته، إن «هذا الكيان الذي لم يكن يوماً مجرَّد مؤسسة إنتاج، بل فكرة، ورمزاً للعمل الخليجي المشترك، وركيزة من ركائز الإعلام الخليجي»، مؤكداً أن «المؤسسة حملت منذ انطلاقتها رسالة حضارية واضحة، وهي أن تصوغ الوعي، وتحفظ الهوية، وتنقل الثقافة الخليجية والعربية إلى الأجيال المتعاقبة، وأن تكون نافذتنا إلى العالم، وصوتاً يعكس قيمنا وعاداتنا»، مضيفاً: «نحن لا نُدير مؤسسة إنتاج فحسب، بل نحن أمناء على الذاكرة الثقافية لهذا الخليج الواحد».
الصباح: نجدد أدوات العمل في المؤسسة لنحمي هويتنا
التحديات المتسارعة
وحول الصعوبات التي تواجه العمل الإعلامي، أوضح أنه «في ظل التحديات الإعلامية المتسارعة التي تمس مجتمعاتنا، خصوصاً فئتَي الشباب والطفل، يُصبح دور المؤسسة اليوم، هو أن تكون المصدر الآمن والموثوق في عالم يموج بالمتغيِّرات، وتتأكد أهمية هذا الدور أكثر من أي وقتٍ مضى، ليس بوصفه دوراً ثقافياً فقط، بل باعتباره جزءاً أصيلاً من الأمن الفكري والهوية المجتمعية».
وأفاد بأن «المؤسسة، كغيرها من المؤسسات العريقة، مرَّت بمراحل مختلفة في القوة والتأثير على وجدان الأجيال الخليجية والعربية، وهو ما يتطلب ضرورة تعظيم دورها، لذلك فإن تطويرنا للمؤسسة هو امتداد لرسالتها الراسخة، فنحن نجدد الأدوات لنحمي هويتنا».
وقال الشيخ مبارك الصباح إنه امتثالاً لتوجيهات أصحاب الجلالة والسمو قادة دول مجلس التعاون، وتوصيات وزراء الإعلام «عملنا على تطوير آليات العمل داخل المؤسسة، بما يبرز مكانتها، ويصون تاريخها، ويعزز رسالتها عبر عمل مؤسسي مدروس قائم على التخطيط المتكامل، والاستفادة من الخبرات المتخصصة».
وبيَّن أن مسارات التكامل تشمل تعزيز الشراكة مع الوزارات والمؤسسات الإعلامية الخليجية، والانفتاح على شركات الإنتاج في القطاع الخاص بدول مجلس التعاون، بوصف المؤسسة حاضنة وداعمة لها، لا منافسة.
وأوضح أن المؤسسة تعمل على توسيع الحضور في الفعاليات الخليجية والعربية، إلى جانب مواكبة التحوُّل الرقمي، وتطوير البنية التحتية الإنتاجية، بما يخدم جودة المحتوى واستدامته.
ولفت إلى أن الهدف في ذلك، أن تكون المؤسسة في قلب المشهد الإعلامي الخليجي قريبة من جمهورها، ومنسجمة مع ذائقة الأجيال الجديدة، ومخلصة لهويتها ورسالتها الأصيلة.
وأكد أن الاحتفاء بالخمسين عاماً ليس احتفاء بالماضي وحده، بل برافدٍ إعلامي يخدم دول مجلس التعاون الخليجي، ويعكس صورتها الحضارية أمام العالم، من خلال التواجد في المنصات العالمية، لتشكيل مشهد إعلامي خليجي موحد.
الحفاظ على الهوية الوطنية الثقافية
أُنشئت مؤسسة الإنتاج البرامجي المشترك لدول مجلس التعاون لدول الخليج العربية، وهي مؤسسة خليجية رسمية إقليمية مقرها الكويت، بموجب مرسوم بقانون رقم 71 لعام 1976م. وتُعد المؤسسة بمنزلة البيت الإعلامي الخليجي، ويرأسها مجلس إدارة يضم وكلاء وزارات الإعلام من دول مجلس التعاون المساهمة في إنشائها، وهي: الإمارات، والبحرين، والسعودية، وسلطنة عمان، وقطر، والكويت. وعقب الانتهاء من أمور الإنشاء والتحضير وتحديد الاستراتيجية والأهداف المحورية، قدَّمت المؤسسة أول إنتاجاتها الفنية عام 1977، من خلال البرنامج التربوي «افتح يا سمسم».
وتهدف المؤسسة، وفقاً لاستراتيجيتها (2021- 2026)، إلى إنتـاج برامـج فنيـة وثقافيـة وإعلامية لعرضهـا بالمحطـات الإذاعية والتلفزيونيـة ومواقـع التواصـل الاجتماعي للـدول الأعضاء، لتحقيـق الأهداف الاسـتراتيجية الرامية إلى تعزيز وتطوير البنية التحتية للمؤسسة، والحفاظ على الهوية الوطنية الثقافية، وإحيـاء التاريـخ العربـي والإسلامي، وإبـراز المُثـل العليـا للديـن الإسـلامي الحنيـف، وإحيـاء التـراث الخليجـي، خصوصاً الفنـون الشـعبية، والعمـل علـى تسـجيلها تسـجيلاً وثائقيـاً. كذلك الارتقاء بمستوى الإنتاج الفني للبرامج الإذاعية والتلفزيونية، والكشف عن البراعم الناشئة في مختلف مجالات الفنون والآداب والعلوم، ودعم المبدعين في مجالات الفنون والآداب والإعلام.

