الخبراء:
استثمار اقتصادي واجتماعي طويل الأجل يعيد هيكلة الإنفاق الصحي
المنظومة الجديدة تنقل الرعاية الصحية
من عبء فردي إلي حق قائم على التضامن والاستدامة
التحول الرقمي والذكاء الاصطناعي رافعة أساسية
لتحسين كفاءة وجودة الخدمات الصحية
التجربة المصرية باتت نموذجًا إقليميًا يجمع بين الدقة
الاكتوارية والعدالة الاجتماعية
التوسع الجغرافي والاستدامة المالية..
التحدي الأهم في مستقبل المنظومة
تأتي منظومة التأمين الصحي الشامل كأحد أبرز ملامح التحول العميق في فلسفة الدولة المصرية تجاه ملف الصحة. باعتباره ركيزة أساسية للتنمية الشاملة وليس مجرد قطاع خدمي تقليدي. المشروع يعكس إدراكًا متقدمًا بأن بناء الإنسان يبدأ من حمايته صحيًا. وأن توفير رعاية طبية عادلة ومستدامة يمثل شرطًا لازمًا لتحقيق الاستقرار الاجتماعي والنمو الاقتصادي. ومن هذا المنطلق. لم يعد العلاج مجرد استجابة لطارئ صحي. بل أصبح جزءًا من رؤية استراتيجية طويلة الأجل تستهدف تحسين جودة الحياة وتعزيز كفاءة رأس المال البشري.
المنظومة الجديدة لا تكتفي بتوسيع مظلة التغطية الصحية. وإنما تعيد صياغة منظومة التمويل والإنفاق الصحي علي أسس علمية توازن بين العدالة الاجتماعية والاستدامة المالية. اعتماد النظام علي الاشتراكات والتكافل المجتمعي. إلي جانب تحمل الدولة أعباء غير القادرين. أسس نموذجًا يقلل من الاعتماد علي الإنفاق الشخصي. ويحمي الأسر من الصدمات المالية الناتجة عن المرض. ويحد من دوائر الفقر المرتبطة بتكاليف العلاج غير المتوقعة.
كما يمتد تأثير التأمين الصحي الشامل إلي المجال الاقتصادي الأوسع. حيث يسهم في رفع إنتاجية القوي العاملة. وتنشيط الاستثمارات في البنية التحتية الطبية. وتطوير الصناعات المرتبطة بالقطاع الصحي. بما يحول الإنفاق الصحي من عبء علي الموازنة إلي أداة تحفيز للنمو. ومع التوسع التدريجي في التطبيق الجغرافي. تتشكل دورة اقتصادية محلية تدعم التشغيل وتخلق فرص عمل. وتعزز الثقة في مناخ الاستثمار والاستقرار الاجتماعي.
ومع تسارع التحول الرقمي. يفتح التأمين الصحي الشامل آفاقًا جديدة لتطوير الخدمات الطبية عبر النظم الذكية. والربط الإلكتروني. وتحليل البيانات الصحية. بما يرفع كفاءة الإدارة وجودة الرعاية. ويعزز القدرة علي الوقاية والكشف المبكر. هذا البعد الرقمي يمنح المنظومة مرونة أكبر في مواجهة التحديات المستقبلية. ويؤكد أن الإصلاح الصحي لم يعد منفصلًا عن مسار التطور التكنولوجي.
التجربة المصرية. التي باتت محل اهتمام إقليمي ودولي. تطرح نموذجًا متوازنًا يدمج البعد الاجتماعي بالحسابات الاقتصادية الدقيقة. ويؤسس لنظام صحي لا يُقاس نجاحه بالأرقام فقط. بل بمدي شعور المواطن بالأمان والإنصاف وجودة الخدمة. ومن هنا. يهدف هذا التقرير إلي قراءة شاملة لأبعاد التأمين الصحي الشامل. وإنجازاته. وتحدياته. ورهانات استدامته. باعتباره أحد أهم مشروعات الدولة في معركة بناء مستقبل صحي أكثر عدلًا وكفاءة.
العدالة الاجتماعية والاستدامة المالية
قال الدكتور السيد خضر الخبير الاقتصادي أن مشروع التأمين الصحي الشامل الذي تتبناه الهيئة العامة للتأمين الصحي الشامل في إطار إصلاح المنظومة الصحية يمثل أحد أهم المشروعات ذات البعد الاقتصادي والاجتماعي في مصر خلال العقد الأخير. فالمشروع لا يقتصر علي كونه برنامجًا خدميًا. بل يُعد ركيزة أساسية لإعادة هيكلة الإنفاق الصحي وتعزيز كفاءة توزيع الموارد بما يحقق التوازن بين العدالة الاجتماعية والاستدامة المالية. ومن الناحية الاقتصادية حيث يسهم النظام في خفض العبء المالي المباشر علي الأسر. خاصة مع تقليل الاعتماد علي الإنفاق الشخصي عند تلقي العلاج. وهو ما يحد من مخاطر الفقر الناتج عن المرض فتكاليف الرعاية الصحية غير المتوقعة كانت تمثل ضغطًا علي دخول المواطنين. بينما يتيح النظام الجديد آلية تمويل تضامنية قائمة علي الاشتراكات والمساهمات. بما يعزز الاستقرار المالي للأسر ويحسن قدرتها علي توجيه إنفاقها نحو الاستهلاك والاستثمار في مجالات أخري.
تحسين الإنتاجية
كما ينعكس المشروع إيجابيًا علي الأداء الاقتصادي الكلي من خلال عدة مسارات منها تحسين إنتاجية رأس المال البشري. إذ إن توفير رعاية صحية منتظمة وشاملة يقلل من معدلات الغياب المرضي ويرفع كفاءة القوي العاملة. وكذلك تنشيط قطاع الخدمات الصحية والاستثمارات المرتبطة به. بما يشمل تطوير البنية التحتية الطبية. وتحديث التكنولوجيا الصحية. وخلق فرص عمل للأطباء والتمريض والفنيين. وكذلك تعزيز الثقة في البيئة الاستثمارية. حيث يُعد وجود نظام صحي مستدام عنصرًا مهمًا في تقييم مناخ الأعمال والاستقرار الاجتماعي. وعلي مستوي السياسات العامة. يعزز المشروع من كفاءة إدارة الموارد من خلال الفصل المؤسسي بين جهات التمويل وتقديم الخدمة والرقابة. بما يسهم في ضبط التكلفة وتحسين جودة الإنفاق العام. كما يدعم التحول نحو نموذج اقتصادي يضع الاستثمار في الإنسان في صدارة أولوياته. باعتبار الصحة أحد أهم مكونات التنمية المستدامة. وبالتالي فإن التأمين الصحي الشامل لا يمثل مجرد إصلاح صحي. بل يعد استثمارًا طويل الأجل في رأس المال البشري. ومحركًا داعمًا للنمو الاقتصادي. وأداة لتحقيق الحماية الاجتماعية التي تضمن للمواطن حق العلاج دون أن يتحول المرض إلي عبء اقتصادي يهدد استقراره المعيشي.
تحفيز النمو القطاعي
كما أن التوسع التدريجي في تطبيق المنظومة بالمحافظات يخلق دورة استثمارية محلية. حيث تتطلب عملية الاعتماد والتطوير تحديث البنية التحتية. وشراء أجهزة طبية حديثة. وتدريب الكوادر. وهو ما ينعكس علي تنشيط قطاعات صناعية وخدمية مرتبطة مثل الصناعات الدوائية والمستلزمات الطبية وتكنولوجيا المعلومات الصحية. وبالتالي يصبح المشروع محفزًا للنمو القطاعي وليس مجرد بند إنفاق عام.وعلي مستوي المالية العامة. يساعد النظام في ضبط النمو العشوائي للإنفاق الصحي من خلال الاعتماد علي دراسات اكتوارية تضمن التوازن بين الإيرادات والمصروفات علي المدي الطويل هذا النهج يحد من العجز غير المخطط ويمنح الدولة قدرة أفضل علي التنبؤ بالالتزامات المستقبلية. بما يعزز الاستقرار المالي ويخفض الضغوط علي الموازنة العامة.أما بالنسبة للمواطن. فإن الأثر يتجاوز توفير الخدمة العلاجية إلي تعزيز الإحساس بالأمان الاجتماعي فوجود مظلة تأمينية شاملة يقلل من القلق المرتبط بالمخاطر الصحية. ويعزز الثقة في مؤسسات الدولة. ويخلق شعورًا بالعدالة في الحصول علي الخدمة بغض النظر عن مستوي الدخل. كما أن تحسين الرعاية الوقائية والكشف المبكر يقلل من مضاعفات الأمراض المزمنة. وهو ما يخفف العبء الاقتصادي طويل الأجل علي الأسرة والدولة معًا. وبالتالي يمثل التأمين الصحي الشامل نموذجًا لسياسات عامة تدمج البعد الاجتماعي بالبعد الاقتصادي.فهو أداة للحماية الاجتماعية. ومحفز للاستثمار في رأس المال البشري. وآلية لإصلاح هيكلي طويل الأمد في إدارة قطاع حيوي يمس حياة كل مواطن..
تعزيز كفاءة الخدمات بالتحول الرقمي
أوضح الدكتور عمرو عرفة مدرس التمويل والاستثمار بأكاديمية وادي العلوم أن التجربة المصرية للتأمين الصحي الشامل تحولًا نوعيًا في فلسفة تقديم الرعاية الصحية. بما يضمن ألا تتحول الخدمة الطبية إلي عبء مالي فردي يثقل كاهل المواطن. بل تصبح حقًا مكفولًا ضمن منظومة تضامن مجتمعي منظمة ومستدامة. وتكتسب التجربة أهميتها لاعتمادها علي كوادر طبية ذات جودة تعليمية مرتفعة. ما يعزز الثقة في مستوي الخدمة ويرفع كفاءة الأداء داخل المنشآت الصحية التي شهدت تطويرًا ملحوظًا خلال مراحل التطبيق.
ويُعد التنفيذ المرحلي للنظام أحد أبرز عناصر قوته. إذ يسمح بتقييم الأداء ومعالجة التحديات قبل التوسع الكامل. بما يضمن انتقال التجربة إلي مختلف المحافظات بكفاءة واستدامة. ويؤسس لبنية صحية قادرة علي استيعاب الطلب المتزايد دون التأثير علي جودة الرعاية.
اقتصاديًا. يرتكز النظام علي آلية تمويل ذاتي قائمة علي الاشتراكات. إلي جانب المساهمة التكافلية من الشركات العاملة. وهو ما يعزز مفهوم التضامن المجتمعي ويوفر موارد مستقرة بعيدًا عن الضغوط التقليدية علي الموازنة العامة. هذه المعادلة التمويلية تتيح بناء منظومة تقدم رعاية صحية لائقة تتسق مع جهود الدولة في تحسين مستوي الحياة الكريمة للمواطن المصري.
ومع تسارع التحول الرقمي. تبرز أهمية تمكين الشباب لتقديم أفكار ومشروعات رقمية مبتكرة تسهم في تطوير منظومة التأمين الصحي الرقمي. مثل تصميم برامج لمتابعة أصحاب الأمراض المزمنة عن بُعد. تتيح قياس المؤشرات الصحية بشكل دوري وتوفير نصائح طبية سريعة عبر منصات إلكترونية مؤمنة. ويسهم الربط بالذكاء الاصطناعي في تحليل البيانات الصحية والتنبؤ بالمخاطر. ما يعزز سرعة التدخل الطبي ويرفع جودة الخدمات المقدمة.
بالتكامل بين العدالة الاجتماعية. والاستدامة المالية. والرعاية الصحية الرقمية. تتعزز قدرة منظومة التأمين الصحي الشامل علي تقديم خدمة طبية حديثة وآمنة تواكب تطلعات المواطن المصري نحو مستقبل صحي أكثر كفاءة واستدامة.
النموذج المصري.. ملهم
يري الدكتور طاهر عبد الكريم الخبير الاقتصادي ان عرض التجربة المصرية للتأمين الصحي الشامل خلال المؤتمر العربي الدولي للاكتواريين 2026 الذي عُقد في دبي بدولة الإمارات العربية المتحدة لم يكن مجرد مشاركة رسمية. بل رسالة واضحة بأن النموذج المصري بات محل اهتمام مهني إقليمي. فاختيار التجربة للعرض أمام الخبراء يعكس الثقة في قدرتها علي الجمع بين الدقة الحسابية والبعد الاجتماعي. وهي معادلة نادرًا ما تتحقق بهذا التوازن.
ومنذ صدور قانون التأمين الصحي الشامل عام 2018. أري أن مصر انتقلت من مرحلة التخطيط النظري إلي التطبيق الفعلي علي نطاق واسع. المنظومة طُبقت حتي الآن في ست محافظات. ونجحت في ضم أكثر من 5 ملايين مواطن. مع تقديم ما يزيد علي 40 مليون خدمة طبية متنوعة بين رعاية أولية وفحوصات وعمليات جراحية وعلاج متخصص. هذه الأرقام تؤكد أننا أمام تجربة تشغيل حقيقية وليست مشروعًا تجريبيًا محدودًا.
علي مستوي جودة الخدمة. شهدت المحافظات المطبَّق بها النظام تطوير مئات المنشآت الصحية وضخ استثمارات بعشرات المليارات من الجنيهات لتحديث البنية التحتية ورفع كفاءة التجهيزات. ومن واقع المتابعة المهنية. فإن تعزيز دور طب الأسرة أسهم في زيادة معدلات الكشف المبكر وتحسين إدارة الأمراض المزمنة. ومع ذلك. فإن الضغط علي بعض التخصصات الدقيقة يكشف عن تحدي حقيقي في توافر الكوادر البشرية مقارنة بحجم الطلب المتزايد.
أما من زاوية سهولة حصول المواطن علي الخدمة. فقد ساهم نظام الإحالة الإلكترونية في تنظيم مسارات العلاج وتقليل العشوائية. كما أن تحمل الدولة اشتراكات غير القادرين بنسبة 100% يمثل تجسيدًا واضحًا لمفهوم العدالة الاجتماعية داخل نظام تمويلي منضبط. لكن لا يزال زمن الانتظار في بعض الخدمات التخصصية بحاجة إلي تحسين لضمان تجربة أكثر سلاسة للمنتفعين.
الأمان المالي
فيما يتعلق بالاستدامة. فإن تعدد مصادر التمويل واتساع قاعدة المشتركين يمنحان النظام قدرًا من الأمان المالي. إلا أن ارتفاع تكاليف التكنولوجيا الطبية عالميًا بمعدلات تتراوح بين 5 و7% سنويًا يفرض مراجعة دورية لآليات التسعير والتعاقد. التوسع التدريجي في باقي المحافظات يجب أن يتم وفق حسابات دقيقة تحافظ علي جودة الخدمة ولا تضحي بالكفاءة.
برأيي. نجحت التجربة المصرية في وضع تصميم مؤسسي متوازن وحققت تقدمًا ملموسًا في التطبيق. لكن التحدي الحقيقي سيظل في قدرتها علي الحفاظ علي هذا التوازن مع اتساع نطاقها الجغرافي وزيادة أعداد المستفيدين. فاستدامة أي نظام صحي لا تقاس فقط بالأرقام. بل بمدي شعور المواطن بتحسن حقيقي في جودة الرعاية.
يمكنك مشاركة الخبر علي صفحات التواصل
fallback
const img = document.createElement(‘img’);
img.height = 1;
img.width = 1;
img.style.display = ‘none’;
img.src=”https://www.facebook.com/tr?id=580273242673349&ev=PageView&noscript=1″;
document.body.appendChild(img);
}
function acceptCookies() {
localStorage.setItem(‘cookie_consent’, ‘accepted’);
document.getElementById(‘cookie-consent-banner’).style.display = ‘none’;
loadFacebookPixel();
}
window.onload = function() {
if (localStorage.getItem(‘cookie_consent’) === ‘accepted’) {
loadFacebookPixel(); // لو وافق من قبل نحمل البكسل
} else {
document.getElementById(‘cookie-consent-banner’).style.display = ‘block’;
}
};

