التحول الرقمي في مجالات الإبداع والإنتاج.
مع الانفجار الهائل للتكنولوجيا الرقمية والإنترنت، يستطيع الفنانون تسريع العملية الإبداعية بدعم من الأدوات الرقمية، وتحميل أعمالهم على المنصات الإلكترونية للوصول السريع للجمهور.
في مجال الموسيقى ، كان تأليف الأغاني يتم في السابق في مكان محدد، ويتطلب استوديو تسجيل وفرقة موسيقية ودعمًا من شركات الإنتاج أو المؤسسات الفنية المتخصصة. أما اليوم، فيمكن للفنانين التأليف في أي مكان، باستخدام جهاز كمبيوتر وبرنامج محطة عمل صوتية رقمية (DAW) مثل FL Studio وLogic Pro وAbleton Live وغيرها. وتوفر منصات مثل يوتيوب وتيك توك وساوند كلاود وباند لاب فرصًا للفنانين لتجربة الأفكار، وإعادة المزج، ودمج الموسيقى، وتوظيف الذكاء الاصطناعي والبيانات الضخمة في كتابة أغانيهم.
في صناعة السينما، تحوّلت تقنيات التصوير من التناظرية إلى الرقمية، مع تطبيق المؤثرات الخاصة الرقمية، والمؤثرات البصرية، وأدوات ما بعد الإنتاج الرقمية، وغيرها. وبرزت أنواع سينمائية جديدة، مثل المسلسلات الدرامية على الإنترنت، والمسلسلات التي تُبث عبر الإنترنت، والأفلام القصيرة التي تُعرض على منصات التواصل الاجتماعي. ويُقاس نجاح الأفلام من خلال “النافذة الثانية”، التي انتقلت من شباك التذاكر إلى منصات البث الرقمي، حيث يستهدف الإنتاج التوزيع عبر منصات متعددة.
في مجال المسرح، تظهر العديد من المسرحيات والبرامج المصممة خصيصاً للمنصات الرقمية أو التي تجمع بين العروض الحية والعروض عبر الإنترنت. وتُستخدم فيها تقنيات عديدة، مثل تقنيات التصوير، وما بعد الإنتاج، وإعدادات الكاميرات المتعددة، والعناصر التفاعلية.
في مجالي الفنون الجميلة والتصوير الفوتوغرافي، يستخدم الفنانون غالبًا الأدوات الرقمية (الأجهزة اللوحية، والبرامج، والأدوات المدعومة بالذكاء الاصطناعي) للإبداع؛ أو يستخدمون الرموز غير القابلة للاستبدال (NFTs) وتقنيات ترميز الأعمال الفنية في بيع وشراء الأعمال الفنية. توسع التكنولوجيا الرقمية آفاق التعبير الفني لتشمل روابط متعددة التخصصات، مما يحفز التداخل بين الفن التقليدي والصناعات الإبداعية مثل: الألعاب، والرسوم المتحركة، وتصميم تجارب المستخدم، والإعلان، والأزياء الرقمية، وفنون الأداء متعددة الوسائط.
بشكل عام، يُحدث التحول الرقمي تغييراً جذرياً في آليات وأساليب الإبداع لدى الفنانين والمهنيين. ويساهم تطبيق التقنيات الرقمية، مثل الذكاء الاصطناعي، وبرامج التصميم الإبداعي، وتقنيات صناعة الأفلام، والواقع الافتراضي، والواقع المعزز، وتقنية سلسلة الكتل (البلوك تشين)، والرموز غير القابلة للاستبدال (NFTs)، وغيرها، في ابتكار أشكال جديدة للتعبير، وأعمال متعددة الوسائط، كما يزيد من تفاعلية العمل الفني وتجربته.
التحول الرقمي من حيث تداول ونشر الأعمال.
أصبحت المنصات الإلكترونية القناة الرئيسية لتقديم الأعمال للجمهور، لتحل محل القنوات التقليدية أو تكملها.
في صناعة الموسيقى، تحولت قنوات التوزيع التقليدية مثل الأشرطة والأقراص المدمجة والراديو بشكل واضح إلى المنصات الرقمية مع شبكات التواصل الاجتماعي مثل يوتيوب وتيك توك، أو منصات مثل Zing MP3 وNhaccuatui وSpotify…
في صناعة السينما، بات سوق الأفلام عبر الإنترنت يهيمن بشكل متزايد. تستحوذ الأفلام على منصات مثل يوتيوب وتيك توك على جزء كبير من وقت المشاهدة العامة، إلى جانب منصات البث حسب الطلب مثل نتفليكس، وFPT Play، وVisOn. وقد استغلت العديد من الأفلام، بعد عرضها في دور السينما، فترة عرضها على منصات البث الرقمي لتمديد فترة نجاحها التجاري.
في مجال المسرح، تحولت العديد من فرق الفنون الأدائية والمسارح إلى البث المباشر على يوتيوب وفيسبوك، مع الحفاظ على البرامج عبر الإنترنت، وبيع التذاكر عبر الإنترنت، وزيادة الإعلانات على وسائل التواصل الاجتماعي.
في مجالي الفنون الجميلة والتصوير الفوتوغرافي، يتزايد استخدام المعارض الافتراضية والجولات ثلاثية الأبعاد ومنصة جوجل للفنون والثقافة ومواقع المعارض الإلكترونية. بل إن بعض المتاحف الكبرى تعمل على تطوير جولات ثلاثية الأبعاد/واقع افتراضي للوصول إلى جمهور عالمي.
التحول الرقمي من حيث سلوك المستهلك وتجربة الجمهور.
يُحدث التحول الرقمي تغييرًا جذريًا في كيفية استهلاك الجمهور للفنون والاستمتاع بها. ففي مجال الموسيقى، بات المستمعون اليوم يتابعون قوائم التشغيل بشكل أساسي، ويشاهدون مقاطع الفيديو الموسيقية القصيرة على وسائل التواصل الاجتماعي، ويتفاعلون من خلال التعليقات والإعجابات، وينضمون إلى نوادي المعجبين. ويُشير تقرير “مشهد الموسيقى الرقمية في فيتنام 2024” إلى أن يوتيوب وتيك توك وزينغ إم بي 3 هي المنصات الثلاث الأكثر شعبية في فيتنام. كما شهدت سلوكيات الجمهور وتفضيلاته وعادات الاستماع لديه تغيرات ملحوظة، حيث يُعدّ جيل زد الشريحة الرئيسية المحركة لسوق استهلاك الفنون الرقمية.
في صناعة السينما، يقضي المشاهدون ساعات طويلة يومياً في مشاهدة مقاطع الفيديو عبر الإنترنت، مع إعطاء الأولوية للمحتوى الترفيهي القصير والسريع على المنصات المجانية إلى جانب الأفلام الأطول المدفوعة على قنوات الفيديو حسب الطلب.
في مجال الفنون الأدائية، تتيح المنصات الرقمية، كالبث المباشر والفيديو حسب الطلب ووسائل التواصل الاجتماعي، للجمهور الاستمتاع بالأعمال الفنية في أي وقت ومن أي مكان، دون التقيد بأماكن المسرح التقليدية. وتُضفي خوارزميات التوصية بالمحتوى طابعًا شخصيًا على تجربة المشاهدة، مما يُسهّل على الجمهور اختيار نوع العرض الذي يُناسب أذواقهم. كما تُساهم الأشكال التفاعلية عبر الإنترنت، كالتعليق والمشاركة والتصويت، في تعزيز مشاركة الجمهور الفعّالة في “المشاركة في ابتكار” القيمة الفنية.
شهدت تجربة الجولات الافتراضية عبر الإنترنت نمواً هائلاً في مجال الفنون البصرية، مما وسّع نطاق الجمهور. وتساعد التكنولوجيا الرقمية في خلق تجارب تفاعلية من خلال أدوات مثل الواقع الافتراضي (VR) والواقع المعزز (AR).
التحديات التي تواجه الفنون في سياق التحول الرقمي.
أولًا، توفر التكنولوجيا الرقمية بيئة إبداعية متنوعة ومحفزة للغاية، تشمل الرسم الرقمي والموسيقى الإلكترونية والأفلام الرقمية وصولًا إلى فنون الأداء عبر الإنترنت. مع ذلك، فإنها تنطوي أيضًا على خطر الاعتماد المفرط عليها، مما يؤدي إلى “استغلال” العمل الإبداعي، ونقص في العمق الفكري، وتراجع في الأصالة. يُسهم تطبيق الذكاء الاصطناعي في الفنون الجميلة والموسيقى والتصوير الفوتوغرافي في إنتاج العديد من الأعمال الرائعة بسرعة، ولكنه يثير أيضًا قضايا تتعلق بحقوق الملكية الفكرية والأصالة والقيمة الجمالية.
ثانياً، أصبح الفضاء الإلكتروني، وخاصة وسائل التواصل الاجتماعي (يوتيوب، تيك توك…)، والمنصات السمعية والبصرية عبر الإنترنت (سبوتيفاي، نتفليكس…)، قنوات رئيسية لتوزيع العديد من الأشكال الفنية.
إلا أن هذا يؤدي أيضاً إلى الاعتماد على المنصات العابرة للحدود، في حين يفتقر السوق المحلي إلى منصات رقمية متخصصة للفنون. وينتج عن ذلك خطر “هجرة العقول”، إذ يتعين على الأعمال الفنية الفيتنامية شق طريقها عبر منصات أجنبية للوصول إلى الجماهير المحلية والدولية.
علاوة على ذلك، يواجه تداول ونشر الأعمال في الفضاء الإلكتروني مشكلة انتهاك حقوق النشر. ورغم التقدم الذي أحرزه النظام القانوني وآليات حماية حقوق النشر الرقمية في فيتنام، إلا أنها لا تزال غير كافية لرصد الانتهاكات والتعامل معها بفعالية.
ثالثًا، أصبح بإمكان الجمهور الآن مشاهدة الأفلام عبر الإنترنت، والمشاركة في المعارض الافتراضية، والاستماع إلى الموسيقى عبر الإنترنت، وحضور الحفلات الموسيقية عبر البث المباشر. يُوسّع هذا من فرص الوصول إلى الفن، ولكنه يطرح أيضًا العديد من التحديات. أولًا، هناك تغيير في عادات المشاهدة: يميل الجمهور إلى تفضيل المنتجات القصيرة والسريعة وسهلة الفهم (مقاطع الفيديو القصيرة، والمقاطع المُعدّلة)، بينما تُهمل القيم الفنية الراسخة التي تتطلب التأمل بسهولة. يُقلّل “الكم الهائل” من المعلومات والمنتجات الفنية عبر الإنترنت من القدرة على تقدير الفن تقديرًا عميقًا، مما يؤدي إلى خطر اعتبار الفن مجرد ترفيه، يفتقر إلى أساس في التربية الجمالية.
تتسع الفجوة الرقمية في الوصول إلى الفن. يتمتع الشباب وسكان المدن بسهولة الوصول إلى الفن الرقمي، بينما لا تزال العديد من الفئات الاجتماعية الأخرى (كبار السن، وسكان المناطق الريفية والنائية) تواجه صعوبات في البنية التحتية الرقمية والمهارات اللازمة، مما يزيد من تفاقم عدم المساواة في التمتع بالثقافة.
من أجل التنمية المستدامة، يحتاج الفن الرقمي الفيتنامي إلى استراتيجية شاملة، تشمل: تحسين الإطار القانوني وآليات الإدارة المناسبة للبيئة الرقمية؛ تعزيز التعليم الجمالي والمهارات الرقمية للجمهور؛ دعم الفنانين في التدريب والإبداع وحماية حقوقهم؛ وتعزيز التعاون الدولي لتعزيز مكانة الثقافة الفيتنامية.
في سياق التحول الرقمي العميق المتزايد اليوم، لا يهدف تطوير الفن الرقمي إلى تحقيق أهداف اقتصادية فحسب، بل يحمل أيضًا أهمية سياسية وثقافية واجتماعية، مما يساهم في نشر صورة فيتنام للعالم، وتعزيز القوة الناعمة الثقافية، وخلق الظروف التي تمكن الناس من التمتع بالقيم الفنية على قدم المساواة.
يتطلب إنجاز هذه المهام جهداً منسقاً من الدولة والفنانين وشركات التكنولوجيا والجمهور. عندها فقط يمكن للفن الفيتنامي أن يطلق العنان لإبداعه في البيئة الرقمية، وأن يحافظ على هويته الثقافية الوطنية، وأن يصل إلى السوق العالمية.
المصدر: https://baovanhoa.vn/van-hoa/nghe-thuat-viet-nam-trong-thoi-ky-chuyen-doi-so-205524.html

