مع تزايد تأثيرات تغير المناخ على العالم، أصبح من الضروري أن تتبنّى الدول والمجتمعات إستراتيجيات شاملة تدمج البعد البيئي في خططها التنموية، ولا سيما في القطاعات الإنتاجية كثيفة الاستهلاك للموارد والطاقة، بما يضمن تحقيق التوازن بين متطلبات النمو الاقتصادي وحماية البيئة.
فلم تعد التغيرات المناخية مجرد تهديد بيئي، بل أصبحت تحديًا اقتصاديًا واجتماعيًا يتطلب حلولًا مبتكرة تضمن استدامة الموارد الطبيعية وتحسين جودة الحياة للأجيال الحالية والقادمة.
في هذا السياق، تؤدي السياسات البيئية وإستراتيجيات الإنتاج الأنظف دورًا محوريًا في مواجهة المخاطر البيئية وتحقيق أهداف التنمية المستدامة، ولا سيما في مصر والدول التي تواجه تحديات متصاعدة نتيجة تغير المناخ وتأثيراته المباشرة في البيئة والاقتصاد والمجتمع.
وفي هذا السياق، أكدت المديرة العامة للدعم الفني والمشروعات الأجنبية بجهاز شؤون البيئة وخبيرة السلامة والصحة المهنية ومدققة البصمة الكربونية، الدكتورة أمل أمين حسن، أن السياسات البيئية وإستراتيجيات الإنتاج الأنظف تمثّلان أدوات رئيسة لضمان استعمال مستدام للموارد وحماية البيئة.
وأشارت الدكتورة أمل حسن -في تصريحات إلى منصة الطاقة المتخصصة (مقرّها واشنطن)- إلى أن التحديات البيئية في الوطن العربي تشمل: التصحر، وتلوث المياه والهواء، وتدهور التربة، وفقدان التنوع البيولوجي، وتدهور البيئة الحضرية، ما يتطلب استجابات إستراتيجية فعّالة.
أداة إستراتيجية لمواجهة تغير المناخ
عرّفت الدكتورة أمل حسن السياسات البيئية بأنها مجموعة من المبادئ والإجراءات التي تحدد أهداف الدولة البيئية وتوجّه الخطط والبرامج لضمان الاستعمال الأمثل للموارد وحماية البيئة من التدهور والتلوث.
ولفتت إلى أن أهداف السياسات البيئية تشمل حماية صحة الإنسان والحفاظ على التنوع البيولوجي، ومكافحة تغير المناخ وإدارة الموارد الطبيعية بشكل مستدام، والحدّ من التلوث وتعزيز كفاءة استعمال الموارد.
كما أشارت المديرة العامة للدعم الفني والمشروعات الأجنبية بجهاز شؤون البيئة إلى أن الإنتاج الأنظف يعدّ أداة أساسية لتطبيق السياسات البيئية، ويعتمد على 3 مستويات:
منع التلوث من المصدر: وتتضمن هذه العملية تعديل المنتج، وتحسين العملية الإنتاجية، واستبدال المواد الخام، وتحديث التكنولوجيا، والإدارة الجيدة للعمليات.
التدوير داخل العمليات: ويعتمد على إعادة استعمال المخلّفات ضمن العملية الإنتاجية نفسها أو عمليات أخرى داخل المنشأة.
التدوير خارج العمليات: ويشير إلى استعادة المخلّفات ومعالجتها خارج المنشأة أو تحويلها إلى مدخلات إنتاجية لمنشآت أخرى، بما يعزز مفهوم الاقتصاد الدائري.
تطبيق الإنتاج الأنظف
أوضحت الدكتورة أمل حسن أن تطبيق الإنتاج الأنظف يسهم في تحقيق التوافق البيئي والالتزام بالقوانين والمعايير، وزيادة قدرة المنتجات على المنافسة في الأسواق العالمية، وخفض تكاليف الإنتاج من خلال تقليل استهلاك الطاقة والمياه والمواد الخام، وتعزيز المسؤولية الاجتماعية، وتحسين صورة المنشأة أمام المجتمع والمستثمرين.
ولفتت خبيرة السلامة والصحة المهنية -في تصريحات خاصة إلى منصة الطاقة المتخصصة- إلى أن نجاح تطبيق الإنتاج الأنظف يعتمد على وجود أدوات تحفيزية متعددة، وهي:
الأدوات التنظيمية: تشمل القوانين، واللوائح، والتراخيص، والمعايير البيئية.
الأدوات الاقتصادية: من الحوافز المالية، والإعفاءات الجمركية، والضرائب البيئية، ونُظم المتاجرة في الانبعاثات.
الأدوات الطوعية والإعلامية: وتتضمن الاتفاقات الطوعية، والعلامات البيئية، ونشر المعلومات والتوعية البيئية.
وأشارت الدكتورة أمل حسن إلى أن تطبيق الإنتاج الأنظف يمرّ بعدّة مراحل متكاملة، وهي: التخطيط والتنظيم، وتشكيل فرق العمل، والتقييم التمهيدي والتفصيلي للعمليات، لتحديد المدخلات والمخرجات ونقاط الفاقد.
كما يتضمن الإنتاج الأنظف دراسة فرص التحسين واقتراح حلول عملية، ودراسة الجدوى الفنية والاقتصادية والبيئية لكل بديل، والتنفيذ والمتابعة لضمان التحسين المستمر ودورة الإنتاج الأنظف.
الإستراتيجية الوطنية في مصر
قالت الدكتورة أمل حسن، إن اتفاق باريس للمناخ يمثّل نقطة انطلاق عالمية نحو اقتصاد منخفض الكربون، مشيرةً إلى أنه يهدف إلى الحدّ من ارتفاع درجات الحرارة إلى 1.5 درجة مئوية، ومراجعة الالتزامات كل 5 أعوام، مع دعم التمويل المرتبط بالمناخ للبلدان النامية.
وعلى الصعيد الوطني، أطلقت مصر عدّة إستراتيجيات لتعزيز الاستدامة من بينها رؤية مصر 2030 للتنمية المستدامة التي تسعى إلى دمج البعد البيئي في جميع القطاعات، وتشجيع الطاقة النظيفة والمتجددة.

كما وضعت الحكومة المصرية الإستراتيجية الوطنية لتغير المناخ 2050، التي تستهدف خفض الانبعاثات والتكيف مع آثار تغير المناخ، ودعم البحث العلمي في مجالات المناخ والطاقة، بالإضافة إلى إستراتيجيات إدارة الموارد المائية والمخلّفات والتنوع البيولوجي وترشيد استهلاك المياه.
وأكدت مدققة البصمة الكربونية أنّ تبنّي سياسات الإنتاج الأنظف والإستراتيجيات البيئية ليس خيارًا بيئيًا فحسب، بل ضرورة إستراتيجية لمواجهة تغير المناخ.
وأشارت إلى أن الجمع بين السياسات الفاعلة، والابتكار الصناعي، والاقتصاد الدائري، سيمكّن القطاع الصناعي من خفض الانبعاثات، وتعزيز الكفاءة الاقتصادية، وتحسين جودة الحياة، بما يضمن استدامة الموارد للأجيال القادمة.
موضوعات متعلقة..
اقرأ أيضًا..

