إذا كُنت قد تجولت يوماً في حدائق خيال “باولو سيباستيان”، ستدرك يقيناً أنها مساحة يتحول فيها الأثيري الحالم إلى هيكل ملموس، ففي مجموعة الكوتور لربيع 2026، والتي تحمل اسم Forget Me Not، يستحضر المصمم زهرة تنبش في رفات الذاكرة، لتكون دراسة فنية لتلك النبتة الرقيقة التي تحولت بين يديه إلى حصن منيع من الشوق. ولطالما عُرفت دار “باولو سيباستيان” بقصاتها الشاعرية، وفي هذا الموسم، جاءت الرومانسية مشحونة بثقل التاريخ، لتعيش المجموعة في زرقة الفجر الباردة، حيث يتلاشى العالم خلف الضباب، ويثقل القلب بما تبقى من أثر.


هذا الحنين وجد مكانه في هندسة الدار التي اقترن اسمها بالبراعة في التلاعب بالنسب، لتقدم “لا تنساني” توازناً غريزياً جديداً بين الهشاشة والثبات، مع إدخال دانتيل ليون، النسخة الأكثر كثافة من دانتيل الشانتيه التقليدي ليعكس تحولاً نحو جودة تحاكي لوحات الألوان المائية، دانتيل يشبه الأثريات، وقماش يأبى أن يبهت. وتكمن البراعة التقنية في التوتر بين ما يظهر وما يخفى، حيث يوضح المدير الإبداعي الأسترالي “باول فاسيليف” في تصريح خاص لـ “هي”: “نحن نسعى باستمرار لمزج الشكل والوظيفة والجمال في تعبير موحد، نستخدم دعامات خفيفة الوزن لمنح الهيكل والدعم المنحوت حتى لأكثر القطع إشراقاً ونفاذية للضوء”.

يظهر الكوتور هنا بصفته هيكلاً غير مرئي، كفستان “الباليرينا” بكسرات الأكورديون ومشده المرصع بالكريستال الذي ينبض بطاقة محكومة ورصانة ممسوكة في حالة شد مع البذخ اللامتناهي لزخارف الترتر الزهرية التي تكسو فساتين السهرة الأيقونية. وجاء تكوين هذه المجموعة معقداً عن عمد، متجذراً في ثنائية زهرة برية كانت بمثابة الرابط الذي يجمع العشاق في أكثر الظروف مأساوية، ضمن لوحة ألوان جاءت كطيف مقطر من أزرق زهرة “لا تنساني”، والورد الشاحب، والأسود، ولون المارون، وهي ألوان الرسائل القديمة وبتلات الزهور المجففة بين طيات الكتب.
كل قطعة تحمل نية مبطنة، يربطها خيط رفيع من الأشرطة المنسوجة في المشدات المكشوفة أو الملتفة حول معاصم فستان الزفاف الختامي، ليكون الشريط أبجدية الدار للتعبير عن الروابط التي ينعدم فيها الانفصام، إنه الشمع الأحمر الذي يختم الروح، والحرير الذي يرفض أن ينفك حتى وإن تآكل العالم من حوله. رحلة فاسيليف في تاريخ زهرة الـ “ميوستوس” قادته إلى إدراك عميق، وعن هذا الإلهام، يقول حصرياً لـ “هي”: “كانت زهرة ‘لا تنساني’ هي نقطة الانطلاق والافتتاحية لهذه المجموعة. لطالما أذهلني جمالها الرقيق ولونها الغني، ولكن كلما اكتشفت أكثر رحلتها في تحولها إلى رمز للتذكر، وكيف خدمت في ربط الحب حتى في أكثر الظروف مأساوية، فهمت قوتها الهادئة”.

ثمة جمال مؤلم في هذا الإدراك، وفي اليقين بأنه “عندما يضيع الحب، يظل بإمكان الحب أن يتمدد”، لتجسد المجموعة الصدق في هيئة كوتور، حيث تبدو القطع وكأنها قُبض عليها في منتصف التحول، في مكان ما بين أحلام اليقظة والرثاء.

وفي الختام، يبرز فستان الزفاف كشهادة على ما نتركه خلفنا، بطرحته المطابقة ومعاصمه المزينة بالأشرطة، ليقف كحارس للإنسانية، فجزء كبير من وجودنا يكمن في كيفية تذكرنا. يدرك “باولو سيباستيان” أن ألم الفقد وجمال الزهر يصلان معاً في حالة من التلاحم، وفي “لا تنساني”، سُمح للجمال أن يرتجف أمام صرامة الهيكل، ليكون الحافة الحادة للشوق وقد أُعطيت شكلاً، وأثر حبرٍ على أطراف الأصابع يرفض الزمن محوه.


